محللون تحت الطلب

حجم الخط
4

في التسويق هناك مبدأ أساسي يتم تدارسه من قبل الأشخاص الذين يقومون بعملية التسويق، وهذا المبدأ هو كيف تكسب ‘الكاستمر’، أي الزبون و’الكاستمر’، واسمحوا لي أن أكتبها بلفظها الإنكليزي، لأن من يعملون بالتسويق لا بد وأن يجيدوا اللغة الإنكليزية، ويحاولون نسيان لغتهم العربية على مبدأ ‘البروفشنال’ المهم أن الـ’الكاستمر’ هم زبائن لكل ما يتم بيعه، بندورة خيار فلافل.. كل شيء، يخضعون لشروط السوق والعرض والطلب، ولكي تتم عملية تسويق هذه المنتجات هناك حاجة لمن يقوم بعملية التسويق، وهؤلاء يخضعون لشروط السوق ويفرضون شروطهم أيضا في بعض الأحيان.
ولكي لا نطيل بالمفاهيم الاقتصادية الجافة والغامضة، وإذا أردنا أن ندخل في الموضوع مباشرة فإن تجارة رابحة راجت هذه الأيام، فالحياة فرص وعلى الانسان استغلالها، فأيام السنة ليست كلها ربيع، والربيع الحار الذي أطل على وطننا العربي لا بد أن يفرز تجاره ومحبيه كما أفرز قتلاه وشهداءه.
– ماذا تعمل هذه الأيام؟
– والله أصبحت محللا.
– يعني انت تعمل في مخبر تحليل؟
– هو مثل مخبر التحليل ولكنني لا أعمل في مركز محدد.
– يا رجل حيرتني، هل هذه أحجية؟
– لا، ليست كذلك، بصراحة أنا أعمل محللا سياسيا.
– ‘ودخلك هالشغلة فيها مصاري، يعني فينا نعمل منها قرشين نظاف؟
– قرشين بتعمل أكثر، ولكن ‘نظاف’ ما بعرف…
في هذه الأيام لكل وسيلة إعلامية محللوها الذين لا يطلون إلا عبر شاشتها، أو على شاشات من يطوف في إطارها، حتى أصبحنا نعلم ما سيقوله المحلل، بمجرد ظهوره على هذه الوسيلة أو تلك، وإن كان منطق الأشياء يقول إن الباحث أو الكاتب أو الأكاديمي يجب أن يعطينا تحليلا للقضية، من دون تحيز لهذه المحطة أو تلك أو هذا الموقف أو ذاك أو للدولار أو اليورو، تماما مثل تحليل مرض ما فإما أن يظهر التحليل أن المرض موجود أو أن يظهر عكس ذلك، بكل بساطة واحد زائد واحد يساوي اثنين، وليس دولار زائد دولار يساوي آلاف الدولارات التي تحول إلى حسابات مصرفية تتكدس فيها التحاليل الجاهزة.
أحترم كثيرا أولئك الذين ظهروا على شاشات واضحة التعامل والسياسة، ورغم ذلك قالوا رأيهم بغض النظر عما يراد لهم أن يقولوه، وإن كان الثمن مقاطعتهم أو عدم استضافتهم من جديد، بل وأحترم أكثر هؤلاء الذين رفضوا أصلا الخوض في لعبة السلطان وشاعره هذه، وقرروا الاعتكاف ريثما ينظف المكان نفسه بنفسه ويظهر الصالح من الطالح.
أما هؤلاء الذين يرهنون أنفســــهم لأن يكونوا محــــللين تحت الطلب مع حجز الفنادق والحضور في الاستديوهات لملء أي فراغ، فإنهم باتوا كموظفي هذه المؤسسة يستيقظون صباحا ويذهبون لكي يسترزقوا..
لك أن تعلم/ سمها ما شئت: النظام الذي يقتل شعبه/ الإرهابيون/ الثوار/ القتلى/ الشهداء/ كلها كلمات ومصطلحات نعلم أن هذا الضيف سيقولها في هذه الوسيلة، وأن الآخر سينطق بغيرها في وسيلة أخرى، حتى بلغ الأمر أن يرتدي أحدهم زيا عسكريا، لكي يقول إنه يحارب في هذا الخندق وضد الخندق الآخر، المشكلة أنهم يريدون منا أن نتخندق معهم نتيجة لحالة الاستقطاب التي تعيشها المنطقة، فلا مكان للامنتمي في هذه المرحلة، إما أبيض أو أسود، إما مع الأخيار أو مع الشياطين، علما بأن كل طرف يرى الآخر شيطانا.
هتلر احتل العالم بخطاباته القوية وكان للحظات صمته في بداية الخطاب على الترانزيستور أي المذياع القديم، كان لها أثرها البالغ على مؤيديه، ولكن الرجل أقام دعايته الإعلامية بنفسه ولنفسه ومع قادته وجنده، وكأننا الآن نرى إعلاما وإعلاميين ومحللين والأسوأ أكاديميين ينغــمسون في هذه اللعبة، وإذا كانت ظهرت بعض الإشاعات في بداية الأزمة في سورية تقول إن سندوتشات تم توزيعــــها على من يخرج في المظاهرات، وبغض النظر عن دقة ذلك أو عدم دقته، فــــإن في مستويات أخرى تلعب اللعبة ولكن بقواعد مختلفة وبأثــمان أعلى وأغلـــى، فالتحلــــيل قد يصل إلى مستوى تحلـــيل الــــدم / دم ابن العم والجار والصديق/ فقد بتنا في زمن يسهل على البــــعض أن يحمل في رقبته دماء الآلاف وهو جالس أمام الإضاءة مع بعض الماكياج، أمامه كأس من الشاي يحتسي رشفة منه، وربما يفكر بهدية لابنته، وبعدها ينطق بكل بساطة بكلمات التحريض على القتل والذبح.
الأسوأ من ذلك أن من يدافعون عن قضيتهم ويناضلون من أجلها من ناشطين إعلاميين، هؤلاء أيضا دخلوا في لعبة السوق والعرض والطلب، ففي هذه الأيام أصبح من الصعب أن تحصل على اتصال هاتفي مع بعض الناشطين الإعلاميين البارزين، علما أن المحطة لا تريد منه إلا أن يخبرها عن ظروف منطقته والعمليات العسكرية فيها، والسبب كما العادة دولارات تلك المحطات التي احتكرتهم أيضا، ألم نكن نتحدث عن الزبون وكيفية كسبه.
الخلاصة لقد تعبنا من الإعلام الحربي، تعبنا منكم أيها المحللون، الذين بعتم كلمتكم وعلمكم، رحم الله من قال؟ فخر لي أن أكون ديكا أنقر القمح النقي على أن أكون صقرا أعتاش على الجثث والجيف.

‘ كاتبة مغاربية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية