نزار قباني ونيرودا بين الحنين للماضي والمرأة

حجم الخط
0

«100 رسالة حب» لنزار قباني (1923 ـ 1998)، حسب رأيي، مجموعة من القصائد التي تسير على أثر «100 سوناتة حب» لبابلو نيرودا.
ليس من الممكن، في سوناتات نيرودا أورسائل قباني، أن تفصل المرأة عن الأمة: ولكن نيرودا وقباني لا يمتلكان الأجندة السياسية نفسها في قصائد الحب التي كتباها في المجموعتين.
لقد رسم نيرودا في منفاه بشيء من الحنين جغرافيا تشيلي على جسم محبوبته ماتيلدا، أما قباني فقد عمل على تثوير اللغة العربية، إلى حد ما، بتعويم اللاشعور الجنسي المكبوت، كما صنع محفوظ في «قصر الشوق»، وإلى حد أكبر بالتأكيد على الأصول لتأطير وتحديد كيف ومتى وأين ولماذا أمكن للغة العربية أن تكون فعالة. فالكتابة بالضرورة فعل ثوري، كما يؤكد في عنوان مقالته «الكتابة عمل انقلابي».
إنه انقلاب على سلطات الماضي، سواء كانت هذه السلطة بطريركية أو عائلية أو قبلية، فقد نقلت الشعر من المألوف إلى غير المألوف، بواسطة تحدي فلسفة النقل والتمرير والمحاكاة. وضمنت له عنصر الإدهاش، وذلك كله على أساس استبدال نظام (نظام قائم) له جذور عميقة في الولاءات والتاريخ والعاطفة القومية، واستعمال اللغة، بنظام جديد.
واستراتيجية قباني في الحداثة والتحديث تتضمن القطيعة الألسنية والأدبية والخروج على التابوات الثقافية، التي نراها بشكل أدوات تسيطر على حرية التفكير والحرية الشخصية والأداء الاجتماعي والإبداع والتجديد الثقافي والأدبي وتحتويها. وبالتالي تعمل على إسقاطها في نموذج جماعي. والحب واحد من أدوات الثورة اللغوية التي اعتمد عليها قباني، لأن الحب، كما بينت في «بويطيقا الحب في الرواية العربية»، هو إبستيم، وملخص لكل نظام المعرفة والمدعوم بشيفرات سياسية وأخلاقية، تعمل على تأطير وتفسير وإنتاج ليس أساليب التعلم، ولكن أيضا نمط السلوك الاجتماعي.
وحب النساء، في أحد مستوياته، هو حب الأمة أيضا. وفي مستوى لاحق، هو مناقشة للنظام الإبستمولوجي الذي يتحرك خلف اللغة، والأهم من ذلك، وراء ما نحن عليه كأفراد وأمم. وكما تقول جوليا كريستيفا في كتابها المعروف «حكايات الحب»: هذه الحكايات تخبرنا القليل عما يربط الناس معا عاطفيا أو جنسيا، ولكنها تستطرد في سرد أنظمة المعرفة الفاعلة ضمننا لإنتاج ذاتيتنا، أو لإنتاجنا نحن بشكل ذوات. وبنظر قباني الحب هو حول حرية الأفراد المنتجة للذات، وبالمقدار نفسه حول الوكيل الذي يتعهد في وكالته بتشكيل الذات.
ورفض السلطة التي تقاطعها التقاليد، أو الممارسات الثقافية والاجتماعية والألسنية الموروثة من الماضي، يعني استثمار السلطة في الفرد، المفروض منحه حق تشكيل حاضره. وقصص الحب التي يرويها لنا في أشعاره، هي على شاكلة حكايات الحب التي تحللها كريستيفا، فقباني يثور ضد أنظمة المعرفة المتحولة، ولتكن إيديولوجيا أو فلسفة أوسيكولوجيا أو ميتافيزياء أو، ببساطة، نظاما تراتبيا اجتماعيا.
ولا أرى سببا لأن يتعرض الحب للرقابة، ويكون الحديث عنه كوهم من الأوهام، وتكون مقاربته كمصدر من مصادر المعاناة الرومانسية، وأن يضفى عليه طابع مجاز «قومي» سياسي، أو يكون مجالا للتسامي إلى مستوى حب إلهي. إن الحب الحسي هو سبب واف للاحتفاء، وأن تندفع جنسيا يعني أن تخلص الإنسانية من الإقامة الجبرية المفروضة على الحضارة، ومن قيود العقل والقلب المفروضة من قبل أنظمة المعرفة المتراكمة خلال قرون، ويعني أيضا أن تعيد الحب إلى الطبيعة، وإلى حالته الأساسية، وحيثما أمكن أن تعود به إلى الأساسيات. كل شيء يجب اختزاله إلى مستوى الرغبة، والغريزة الأساسية في الحياة، والبقاء والتجدد. والرغبة، في شعر قباني، هي البديل عن «النظام الاجتماعي» الذي بنته ودعمته سلطة أنظمة المعرفة الرقابية، ومنها «قانون القبيلة» و«الخليفة الأخير» و«الحرملك»، و«اللغة القديمة» وكلها تراها في القصائد المذكورة أعلاه.
والنرجسية الإيروتيكية في شعر قباني لا تخبئ الرؤية الشعرية «الثورية» الواضحة التي تتحرك في التراكيب. فشعره الإيروتيكي، كما يقول محيي الدين صبحي بكل براعة، يسمو بالجنس، بل إنه يحول الجنسية إلى ما يسميه بارت «لذة النص»، ويحول انتباهنا من الجنس المبتذل إلى احترام الجماليات التي تجد تعبيرا عنها في أساليب وقوالب جديدة تعول عليها اللغة العربية لخلق عالم مليء بالعجائب. وهو ما تجده في كل قصائده العشقية. فالحب هو اللغة، والحب هو العالم، ذلك أن اللغة هي العالم، وهي لا تنقل ولا يمكن تمريرها ولكن نعمل على تضمينها وتجسيدها، كذلك فإن قباني يتكلم عن تأثير «بلاد الشام» في لغته الشعرية كما لو أنها انتماء وكينونة.
يقول قباني: كنت أحس بأنني أنتمي تلقائيا إلى العائلة الشعرية اللبنانية (وهو يشير هنا إلى بداياته المهنية كشاعر، وعن افتتانه ببشارة الخوري وأمين نخلة وإلياس أبو شبكة ويوسف غصوب وصلاح لبكي وسعيد عقل ومشعل طراد). ويضيف: كنت أشعر بأن هذه (الأبجدية الشامية) التي يعبرون بها عن أنفسهم هي القاسم المشترك الذي جعل دمشق وبيروت جنينين يتحركان في رحم واحد.. وعينين تريان أشياء الجمال وتعبران عنها بأسلوب واحد. إنني حين أتحدث عن هذه (الأبحدية الشامية) فإنما أتحدث عن واقع لغوي ووجودي وحضاري ونفسي جعل للشعر في هذه المنطقة من البحر الأبيض المتوسط خصائص ومواصفات لا تجدها في شعر المناطق العربية الأخرى.
لقد دفع قباني بالاستطاعة التصويرية للغة العربية إلى حدها الأقصى ورسم العالم بالكلمات، ولغته الشاعرية البسيطة، وهي مزيج من تراكيب عامة شديدة الغنى عمادها النحو العربي «الكلاسيكي» والتوزيع غير المشروط للتضمينات، التي تبدو تقريبا من التراكيب والعبارات والمفردات المحكية، تعتبر نوعا من الإغواء الذي لا طاقة لك على مقاومته. إن أشعاره لا شك غنية بالدراما مع منعطفات مدهشة في الأحداث لها ديناميكية تتبدى في الحوار العشقي بين الرجل والمرأة، وهي كذلك مشبعة بإحالات مرجعية للجسد ووضعياته وحركاته ونشاطاته ولأشياء محسوسة تكلله وتحيط به.
والأهم من ذلك أنه كسر عددا من «التابوات» والمؤسسات الثقافية التي حجرت على المرأة وأحاطت بها من كل جانب. نساء قباني حرائر وغالبا يتكلمن بصوتهن الخاص. وهن محسوسات ومعقدات ولا يستسلمن بسهولة لسلطة «القانون القبائلي»، و»الحريم» و«الخليفة». ودائما يتجاوزن التوقعات التي تتكاثر في تقاليد الأدب العربي المقنن. وهن لسن التمهيد المناسب الذي نقل الحب إلى تخصيص المزايا، ونقل النسيب الكلاسيكي إلى المديح. وهن أعمق من انتصارات حب عمر بن أبي ربيعة أو مجنون ليلى، اللذين عاشا الحرمان بسبب قانون «القبيلة». وهن نادرا موضوع الرغبة للحريم اللواتي ينتظرن أوامر الخليفة أو شهريار للقيام على خدمته.

٭ أستاذة الأدب المقارن في جامعة لندن ورئيسة تحرير مجلة «دراسات شرق أوسطية»
ترجمة: صالح الرزوق.

نزار قباني ونيرودا بين الحنين للماضي والمرأة

وين جين أويان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية