للروائي والأديب الأردني الراحل غالب هلسا إرث أدبي يجمع بين الرواية والقصة والدراسات النقدية، فضلاً عن الكتابة الصحافية، كما أنه يعدّ من الأسماء التي أحدثت أثراً في المشهد الروائي العربي، بالإضافة إلى قدرته على تجسيد المثقف الملتزم من خلال الجمع بين الكتابة والنضال، وتبني المواقف الواضحة.
غير أننا في هذه المقالة سوف نسعى إلى اختبار مقولات كتابه النقدي الموسوم بـ«نقد الأدب الصهيوني دراسة أيديولوجية في أعمال عاموس عوز». والأخير أحد أهم الكتاب الإسرائيليين الذين يحسبون على الاتجاه اليساري، الذي يؤمن بضرورة التوصل إلى سلام. ورغم الموقف الأيديولوجي المعلن عنه من قبل عاموس عوز إلا إن موقفه ورؤيته الواضحة تتجلى حقيقة في أعماله الأدبية والروائية، التي سعى غالب هلسا للبحث فيها، وترجم بعضاً منها في كتابه الذي صدر سنة 1995، وصدر في طبعة أخرى سنة 2008.
يلاحظ أن غالب هلسا اتخذ موقفاً نقدياً، حيث أحال أعمال عاموس عوز إلى خانة الأدب الصهيوني الذي يتأسس على مواقف واضحة من حيث بيان التكوين الأدبي لعالمين متناقضين هما العرب واليهود، وبين ثنايا هذا الصورة تختزل تمثيلات العربي واليهودي في أنساق متخيلة، تحتفي بمفردات الخطاب الكولونيالي الذي شكّل مرجعية واضحة لغالب هلسا، على الرغم من افتقادها للتحديد الاصطلاحي، والمرجعيات المعرفية، غير أنه كان على وعي بالقيم الفنية التي تنهض على آلية التمثيل، والتي ميزت الخطاب ما بعد الكولونيالي، وبما أن غالب هلسا انحاز إلى المصطلح الأيديولوجي رغبة بالكشف عن التّوجهات التي قادته إلى تشكيل خطابه المتخيل، ولا سيما تجاه الآخر العربي تحديداً.
ينطلق غالب هلسا في دراسته من خلال اكتناه عدد من الأعمال الأدبية، وهي أربعة أعمال: «في مكان آخر، ربما»، و«تل المشورة الشريرة»، و«الحب المتأخر»، و«الحروب الصليبية»، علاوة على بعض المحاور التي تعالج قضايا تمسّ الخطاب الروائي الخاص بهذه الأعمال، ومنها يهود الشتات، ومفهوم الأرض ومفهوم العذاب اليهودي، وصورة العربي، وغيرها.
ومما يلاحظ اتكاء غالب هلسا في تحليله للعمل الروائي الأول على مفردة المكان، أو الإطار الجغرافي، الذي يندرج تحت باب التمثيل الجغرافي الكولونيالي، التي تنهض على آلية المعالجة القائمة على النسق التقابلي، حيث يلاحظ غالبا هلسا تكوين المستعمرة الإسرائيلية الجغرافي بالقرب من البحر الميت، بمواجهة الحدود الأردنية التي تمثل النموذج المعادي كما تصوره الرواية، وهنا نكاد نجد توافقاً بين ما أشار له منظورو الخطاب ما بعد الكولونيالي من حيث تمثيلات الآخر، وتموضعها في الفضاء المكاني، فالجبال المقابلة للمستعمرة اليهودية تصور بأنها جرداء، وكئيبة، في حين أن المستعمرة تبدو خضراء، وطافحة بالحياة لكونها نتجت بفعل النموذج الإنساني لليهودي، وبذلك نجد أن ثمة اتحاداً بين التمثيل المكاني أو الجغرافي والإنسان الذي يتحول إلى قيمة سلبية مهددة، أو لاإنسانية. فالمكان قبل قدوم اليهود كان قفراً، موحشاً، وغير ذلك من التمثيلات التي يلاحظها غالب هلسا، ويقوم بتوصيفها، ومع أن هلسا يبدو في بعض الأحيان منشغلاً بتتبع الحبكة السردية، وتحليلها، علاوة على رسم الشخصيات، وحدودها التوصيفية على هامش التمثيل المعني بالنمط المعيشي للمستعمرات اليهودية، بيد أننا نقرأ وعياً بأزمة الإنسان، وفائض المشاعر لعالم ما زال في حدود التكون، ولكن على أرض الآخر.
في الرواية الثانية «أرض المشورة الشريرة» نقرأ النهج التحليلي عينه، إذ تتكئ على الإطار الجغرافي القائم على فعل إعادة التّجذر في الأرض، وهنا نلمح توظيفاً واضحاً للموروث الأسطوري للخطاب الصهيوني ومروياته، غير أن ثمة قيماً أخرى، ومنها محاولة التّجذر في الأرض، فهذا المسعى ليس ملمحاً رومانسياً فحسب، إنما فعل قائم على التخطيط والوعي من خلال الاستيلاء على أكبر قدر من الأرض من لدن شخوص لا ينتمون لها، إنما ينتمون إلى ألمانيا وبولندا وروسيا، وغيرها. كما يلاحظ أن تقييم غالب هلسا للشخصيات يأتي من رغبته لنفي الحكم الأيديولوجي الذي تسعى أعمال عاموس لتقديمه من خلال الربط بين الشّخصية اليهودية والأرض الفلسطينية، ولهذا يتخذ فعل الاندماج إشكالية مركزية، ولاسيما من خلال شخصية «روث» التي ترغب بمغادرة المستعمرة، غير أنها لا تنجح في ذلك، بل ثمة تشكك يطال التكوين الذي اضطلعت به المرويات الإسرائيلية حول حلم العودة، ولكنه من جهة أخرى يبدو تشويهاً للنموذج الجغرافي الممثل بأرض فلسطين التي تصور بأنها صحراء قاحلة، أي أرض بلا شعب، فهي تفتقد للروح والحياة، فلا جرم أن تسعى «روث» لمغادرتها والعودة إلى بولندا.
في مستوى آخر، نقرأ مناقشة تطال إمكانية تعايش اليهود والفلسطينيين عبر الاعتماد على مبادئ الاشتراكية الوطنية كما تتجلى في حوار بين شخصيتين من العمل، وهما الطبيب اليهودي والسيدة عربية. وفي رواية «الحب المتأخر» يقع غالب هلسا على عدد من القيم الفكرية التي ميزت خطاب عاموس عوز الروائي، وتتحدد في الاستيهامات التي نتجت بفعل النموذج التاريخي للحياة اليهودية في الغيتوات، والرغبة في الانتقام من هذا العالم الذي تسبب لليهود بالكثير من الآلام، وهذا نتاج الخطاب الصهيوني الذي كرس هذا النهج في العقل اليهودي، ويتضح ذلك عبر الرجل العجوز اليهودي الذي يعمل على تثقف الناس بمخاطر المؤامرة الروسية، وهكذا تبدو تمثيلات الخطاب الروائي لعاموس عاوز من خلال ملامسة هلسا وقوعه على التكوين الشعوري أو النفسي للذات اليهودية، وهذا ما استطاع غالب هلسا أن يختبره بلغة تتخذ نهجاً شارحاً أو تفسيرياً، غير أنها لا تعدم تبصرا عميقاً بالممارسة الخطابية للعمل الروائي، بالاتكاء على نموذج التكوينات الكولونيالية القائمة على اتخاذ الأرض مركزاً في الخطاب، فالشخصيات والأحداث تتمركز في البعد المكاني، وعلاقتها تتوتر أو تنبسط في إطار هذه الحدود، وما قضايا الاندماج أو أرض الأحلام إلا فعل تساؤلي كان يشكل مصدر قلق لعاموس عوز، ولا سيما الانعزال الذي يعاني منه الكيان الصهيوني الوليد، وكما انعكس عبر شخوص روايته. وفي موقع آخر يشير هلسا إلى النموذج الاقتصادي الذي كان سبباً لاضطهاد اليهود في العالم، كما في رواية «الحروب الصليبية» التي أراد من خلالها أن يعكس بعض الممارسات التي تعرض لها اليهود نتيجة تحكمهم في المحاصيل الزراعية، علاوة على التعاطي مع الربا، وغير ذلك من إنشاء الظروف التي أدت إلى البدء بالحملات الصليبية على الشرق. وبعد أن انتهى غالب هلسا من تحليل هذه الروايات من خلال الاستناد إلى بيان النسق الحكائي، والحبكة، والإشارة إلى المقولات الفكرية والأيديولوجية للخطاب حيث يلجأ في ما بعد إلى وضع عناوين تعكس بعض أهم الإشكاليات التي ميزت الخطاب الروائي الخاص بعاموس عوز، وهي تنهض على مركزية الشّتات في الخطاب الصهيوني عامة عبر تبني المسائل الأيديولوجية التي أراد عاموس عوز صوغها في متخيلاته الروائية التي قام بتحليلها غالب هلسا، مع تقديم أدلة من الخطابات الفكرية لمفكرين صهاينة صاغوا الوعي الجديد لليهود في القرون الأخيرة.
إن المعاني الأيديولوجية لعالم عوز تتحدد من وجهة نظر غالب هلسا من خلال منظورات تتحدد بالإنسان والأرض، وتلك العلاقة الملتبسة بين التاريخ والمستقبل، أو العالم الذي مضى بكل آلامه، كما العالم الذي ينبغي لليهود أن يقوموا بتشييده متخلصين من إرثهم الأسطوري والثقافي والديني، القائم على مركزية العذاب، وفي الآن ذاته استثمار هذه العناصر، فالعمل والرغبة في البناء والتفوق هي التي تعيد تكوين العلاقة بين الإنسان والأرض، ولهذا فإن صورة العربي تشكلت في حدود العلاقة الموتورة التي اشتغلت عليها الخطابات الصهيونية، وفي المقابل فقد سعت إلى تبني منظور عملي بهدف خلق تعالق صحي بين اليهودي، الذي جاء بلا انتماء إلى هذه الأرض، فكان لا بد من اللجوء إلى النص الديني، ولكن الأهم من ذلك تحديد النموذج الاقتصادي الفاعل للحياة. وهكذا تبدو النظرة البراغماتية للخطابات الصهيونية التي لم تترك أي شاردة أو واردة إلا ووظفتها لإنجاح المشروع الكولونيالي الصهيوني على أرض فلسطين، وهو ما يمكن أن يحدد بالنص الاستيطاني كما يبين غالب هلسا في تحليله لأعمال عاموس عوز، وتشكيل خطابه الروائي، ولاسيما العربي الذي يصور نموذجا غير مستحق لهذه الأرض، في حين أن ثمة شعبا آخر يستحق هذه الأرض، فالشخصية العربية لم تنضج بعد، بل ما زالت بدائية استجابة لمقولات عنصرية شاعت في الخطابات ما بعد الكولونيالية، وهكذا يشير غالب هلسا إلى تشكل البرجوازية الفلسطينية، التي تعني نشوء شعب، ولكنه كان حقيقة جزءاً من مراحل تطوره، وهذا منطق اعتمده الاستعمار التقليدي لتسويغ الهيمنة كما يقول غالب هلسا.
إن مهمة الخطاب الصهيوني سعيه إلى تشكيل مستويات تعمل بشكل متضافر، فهي تدعي الدعوة إلى السلام، وفي الوقت عينه، تقوم بالتهجير، والقتل والتدمير، كما استثمار العذاب، وبناء نموذج اقتصادي قوي، بالتجاور مع ادعاء النموذج الديمقراطي الغربي العلماني، ولكنها حقيقة مغرقة في التكوينات الدينية والخطاب الأسطورية، والعنصرية، إنها تشكيل متناقض، ولكنه يعمل بتناغم، يؤدي وظيفة واضحة لا لبس فيها، وهكذا فلا جرم أن يدعونا غالب هلسا إلى عدم تصديق هذا الخطاب المتخيل، وإن تزيا بالزي الإنساني، ولعل مفردات التحضر والبدائي، والمتخلف، والأرض، والماضي، والمستقبل، وغيرها ما هي إلا امتداد للخطابات الاستعمارية التي شكلت نموذجا معرفياً للخطاب الصهيوني الذي أتقن التعاطي مع اللغة كما التعاطي مع الأرض.
في المحاور الأخيرة يذهب غالب هلسا إلى اختبار المقولات الفنية للخطابات الروائي لعاموس عوز، ولكن من خلال بيان العلاقة بين الأيديولوجيا والفن، فالأيديولوجيا حين لا تقيم وزناً للإنسان، فإنها بالمحصلة لن تقيم وزناً للفن، ولهذا يقدم غالب هلسا نموذجاً يمثل بانحطاط الفن الذي أنتجته النازية.
وهكذا نتوصل إلى خلاصة يضعها غالب هلسا بشكل جلي بأن كافة النماذج الأيديولوجية التي تدعي خطاباً إنسانيا فقدت شرعيتها، كما الاستعمار الذي أتى برسالة التحضر، ومقاومة التخلف، ولكنه في الحقيقة لم يكن سوى فعل من أفعال القهر الإنساني لشعوب ما زالت تعاني من ويلات هذا النهج الاستعماري الذي أحدث دماراً وتخريباً إلى اليوم، وما العالم الذي يفيض بهذه النزعات إلا نتاج قهر تاريخي، فنزعات الاستعلاء ما زالت كامنة في وعي المستعمَرين السابقين، وهنا نتوصل إلى أن الأيديولوجيات تمارس النسق عينه، فهي تدعي تبنيها رسالة أخلاقية أو دينية، ولكنها ليست سوى أداة للامتلاك والهيمنة والإفادة من الظرف، وهذا ما يعني أن كافة الأيديولوجيات على اختلاف مرجعياتها تمارس النسق عينه، وبذلك فإن أعمال عوز على ما تنطوي عليه من تناقض إلا أنها تحفل أيضاً بالسخرية من هذه الأيديولوجيات، والتندر منها، وتحديداً حين تقترب من النموذج الدعائي كما يبين غالب هلسا الذي يشير في الصفحات الأخيرة من تحليله إلى قضايا فنية كالرمز والصراع وغيرهما، في حين يترك الجزء الآخر من الكتاب بوصفه ترجمة لرواية «الحروب الصليبية».
٭ كاتب فلسطيني أردني