المؤامرة المكشوفة

في أواسط الخمسينيات ظهرت إلى العلن وثيقة مسربة عن جيش الكيان الصهيوني عرفت في ذلك الحين بوثيقة «كرانيجيا» على اسم الصحافي الهندي الذي كان أول من نشر تفاصيلها في كتاب. تكتسب الوثيقة أهميتها في توقيت نشرها المبكر، حيث كانت معظم الدول العربية قد خرجت حينها للتو من قيد الاستعمار ولم تكن قد شرعت بعد بشكل كامل في ترتيب حاجاتها وأولوياتها.
ما كان يسمى في الأدبيات القومية بـ»الوطن العربي» كان من الضعف والانقسام لدرجة الهزيمة في حربين كبيرتين أمام المغتصبين الصهاينة، إلا أن الصهاينة لم يكونوا ليكتفوا بذلك بل كانوا يعبّرون في تلك الوثيقة عن نظرتهم المتمثلة في ضرورة التأهب لمرحلة ما بعد «سايكس بيكو» حيث أن التقسيم الاستعماري القديم والذي سمح بتكوين دول كبرى لم يعد مناسباً.
خلال الستينيات والسبعينيات ومع تنامي موجات السخط والغضب التي زادتها السياسات الصهيونية العنصرية تكرر عند المنظّرين الاستيطانيين الحديث عن خطر صحوة عربية داخل الدول الكبيرة والمؤثرة، وظل أولئك يحذرون من الاستهانة بالعرب الذين يحيطون بالكيان من كل جانب وأدى كل ذلك لأن يعود إلى الواجهة من جديد الحديث عن نسخة «محدّثة» من سايكس بيكو. من المحطات المهمة هنا كان تقرير المنظمة الصهيونية العالمية الذي نشرته مجلة «كيفونيم» في بداية العام 1982 والذي كان يركّز على ضرورة تقسيم المنطقة إلى كيانات أصغر وأضعف وقد قامت بعض الصحف في ذلك الوقت بنقله إلى العربية.
يقول التقرير الذي تحدث بإسهاب عن مجموعة من الدول العربية في إحدى فقراته على سبيل المثال «إن تفكيك سوريا والعراق في وقت لاحق إلى أقاليم ذات طابع قومي وديني مستقل هو هدف الدولة الصهيونية الأسمى في الجبهة الشرقية على المدى القصير، وسوف تتفكك سوريا تبعاً لتركيبها العرقي والطائفي إلى دويلات عدة».
كل ما سبق يشكّل مقدمة مهمة لفهم التدخلات الأمريكية في منطقة الخليج وهي تدخلات متماهية مع مصلحة الكيان الصهيوني المعلنة والتي تتمثل في إضعاف دولة العراق وإخراجها من معادلة الصراع. ورغم أن المؤامرة كانت مكشوفة، بمعنى أنها لم تكن مؤامرة أصلاً، إلا أن الجميع اشتركوا في جريمة تفكيك العراق. دول الجوار التي كانت مختلفة مع النظام البعثي والأخرى التي كانت مجرد أداة طيعة في يد الحليف الأمريكي وهو ما سمح بدخول إيران على خط اللعبة وصب مزيد من الزيت على نار الطائفية حتى تصبح الصورة قاتمة على ما هي عليه اليوم.
وفي الوقت الذي يحدث فيه كل هذا ما يزال البعض وتحت دعوى العقلانية يرفضون فكرة أن تكون هناك مؤامرة ضد العرب أو ضد السنة أو ضد المسلمين، وأنا بالفعل في هذا المقال لا أتحدث عن مؤامرات افتراضية، بل عن خطط معلنة يجري العمل عليها بشكل حثيث ويستغرق بعضها عقوداً من أجل إنجازها.
هنالك فرق على سبيل المثال بين مخطط سايكس بيكو لتقسيم المنطقة بين الفرنسيين والبريطانيين، وهو مخطط لم يكشف عن تفاصيله إلا بالصدفة وفي وقت متأخر، وبين الاجتماعات العلنية التي يبث بعضها على الهواء والتي تتحدث عن تقسيم وشيك، كذلك الاجتماع بين بنيامين نتنياهو ومجموعة المحافظين الجدد الموالية للكيان في واشنطن في العام 1996 والذي خرج بالاتفاق على أن أمن الكيان مهم للولايات المتحدة وأن هذا الأمن لن يتحقق إلا بإضعاف العراق وتقسيمه.
الباحث في مجال الصراع مع الصهاينة يقف على حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن اولئك يأخذون صراعهم مع العرب بشكل جاد ولا يحاولون أبداً الاعتماد على المصادفات أو على مجرد تفوقهم العسكري ولذلك فهم يقودون معاركهم على كل الجبهات العسكرية والسياسية والدبلوماسية والفكرية.
وتلك الأخيرة مهمة بالنسبة للكيان الذي يهتم اهتماماً بالغاً بالدراسات والبحوث الاستراتيجية والذي يفوق إنفاقه على العلوم والبحث العلمي أضعاف الانفاق الرسمي العربي مجتمعاً، تلك الأخيرة وأعني بها المشاريع البحثية في غاية الأهمية وهي امتداد مهم للحرب النفسية والمعنوية.
الباحثون الصهاينة هم أول من روّج لمصطلحات مثل «الإرهاب الإسلامي» وهم الذين تحدثوا بفلسفة عن عبثية هذه الحدود وضرورة تجاوزها لأن المستعمر وضعها بعشوائية لم تراع التقسيمات القبائلية والمذهبية. المقصود بالتجاوز في كتابات كتّاب مثل برنارد لويس ليس القفز عليها والدعوة إلى التوحيد، بل على العكس فإن القصد كان أن تمنح جميع هذه الكيانات مهما كانت صغيرة أو متناهية الصغر الحق في الانقسام والاستقلال لتكون المحصلة هي إمارات عربية مشتتة ومتناحرة.
الحديث عن العراق وتحوله من دولة عربية مؤثرة إلى كيان فاشل ومهدد بالتقسيم حديث كتب عنه الكثير، ورغم ما كتب فنحن لم نستطع منع تكرار المأساة على الأرض السورية، كما لم نستطع منع تحقق الانقسام في السودان وولادة دولة في الجنوب حليفة للكيان وهو ما قاد البعض للاحباط والظن أنه لم تعد هناك جدوى من البحث والكتابة في ظل واقع أليم ودول تبدو موحدة لكنها في حقيقتها بقلوب مشتتة لا يفكر معظم مسؤوليها إلا بالطريقة التي تضمن جلوساً آمناً على كراسيهم ولو احتاجوا لبيع أراضيهم أو لتغيير خطابهم من خطاب المقاومة والصمود إلى خطاب «الاعتدال» الذي يعتبر المحتل صديقاً وجاراً.
على ذكر الاحتلال نذكّر بمؤتمر هرتسليا السنوي والذي تعرض فيه مخططات صهيونية للداخل الفلسطيني المحتل، كما تعرض فيه القراءة الصهيونية لأحداث المنطقة وهو مؤتمر ليس سرياً ولا ينعقد في مكان وزمان غير معلنين، بل هو مؤتمر علني تنشر نتائجه على الملأ وتتم فيه دعوة من يرغب من «الأغيار» من عرب وغيرهم.
هذا المؤتمر ومنذ سنوات يركّز على ضرورة تقسيم الدول العربية، كما يركّز على أن أمان الكيان يستوجب تنقيته من غير اليهود، وقد أدى تجاهل العرب لخطورة هذه النقطة الأخيرة بالذات وعدم اتخاذ خطوات عملية في سبيل التحذير منها إلى تجرؤ الصهاينة على إعلان دولتهم دولة يهودية تربط المواطنة بالعقيدة وهو الأمر الذي لم يجد، للغرابة، استنكاراً من أحد حتى من الغربيين الذي يعتبرون أن فكرة الدول القائمة على الدين هي فكرة قد تجاوزها الزمن.
هذا المؤتمر، وغيره من الاجتماعات الاستراتيجية، ظل يركز على ضرورة ضمان التفوق العلمي والريادة الصناعية والتقدم العسكري وهنا نجد أن اليهود الذين نتندر ببخلهم وشحهم لا يبخلون بمالهم وبمواردهم في سبيل دعم هذه المجالات خاصة.
إلا أن كل ذلك لا يبدو كافياً في نظر المنظّرين الصهاينة حيث يجب تكثير أصدقاء الكيان في المنطقة العربية بحجة الاشتراك في محاربة الإرهاب حيناً وللضرورات التي يفرضها السوق والتجارة أحياناً أخرى وبحسب المخططات، المعلنة مرة أخرى، فإن الاقتصاد العربي سيرتبط لا محالة، إن لم يكن قد ارتبط بالفعل، باقتصاد الكيان مما يعني التطبيع الاقتصادي التام الذي سيقود بشكل عفوي إلى التطبيع السياسي.
لعل بإمكان هذه النقطة الأخيرة أن تفسّر لماذا لا يبدو الصهاينة متحمسين لمبادرة السلام العربية التي تعرض عليهم تطبيعاً كاملاً مقابل الاكتفاء بحدود 1967 فالكيان الذي يمضي بخطوات ثابتة لتثبيت نفسه كقبلة مصرفية عالمية وعاصمة للمال والأعمال يتطلع إلى ما هو أكبر من العرض العربي وهو الحصول على كل فلسطين وإجبار العرب على التسليم بذلك.
هل آن أوان الاستيقاظ والانتقال من ردة الفعل إلى الفعل والتأثير، أم أننا ما زلنا نرى الخطر بعيداً؟

٭ كاتب سوداني

المؤامرة المكشوفة

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية