عندما تمعن النظر في النخب السياسية في أنحاء مختلفة من دول العالم، تكتشف انها متغيرة باستمرار، وان الحالة النادرة هي بقاء بعض السياسيين حاضرين في المشهد السياسي لبلدانهم لفترات طويلة تصل إلى عقود كما هو الحال في بلداننا المبتلاة بنخبها وبسياسيها، وهذا متأت من مبدأ مهم، وهو ان الكيانات السياسية تتعرض بشكل دوري، كما هو حال الحكومات والبرلمانات إلى التغيير عن طريق الانتخابات الداخلية لهذه الأحزاب، وهذا هو المنطق بعينه، إذ ان كل حزب أو حركة أو تيار لا بد من ان يقيم انتخابات يترشح فيها من يريد وفق ظوابط النظام الداخلي أو دستور الحزب، وبالتالي ستفرز أو تصعد وجوه جديدة تجدد الدماء داخل الحزب وتقدم برهانا ساطعا للمواطن على ان هذا الحزب ديمقراطي، فعلا لا قولا، وهنا أريد ان أذكر بعض الأمثلة، إذ أن التقاليد البرلمانية والحزبية البريطانية على سبيل المثال تتيح وسيلتين لتغيير الزعامة في أي حزب: الأولى هي أن يتمكن نواب «المقاعد الخلفية» في الحزب وهو توصيف للنواب الذين ليست لهم مهام سواء في الحكومة أو حكومة الظل أو اللجان البرلمانية، من جمع 80 توقيعا يطالبون فيه بفتح التنافس على زعامة الحزب (حكومة أو معارضة) لأنها تسحب الثقة من الرئيس.
أما الوسيلة الثانية، فهي أن يقدم أي عدد من الوزراء استقالاتهم لأسباب «سياسية» لأنهم لا يتفقون مع سياسة رئيس الوزراء، إذ يمثل ذلك ضغطا على رئيس الحكومة ليقدم استقالته، ويشتد الضغط بشكل أكبر إذا استقال وزير من الوزن الثقيل ممن يتولون حقائب وزارية مهمة كالدفاع أو الخارجية أو المالية. وكان هذا بالضبط ما حدث في تشرين الثاني/نوفمبر 1999 عندما قدم وزير المالية حينذاك جيفري هاو، استقالته من حكومة مارغريت ثاتشر المحافظة ردا على «إهانتها المستمرة له في اجتماعات مجلس الوزراء» ودعوته علنا لإطاحتها، وهو ما حدا بوزير الدفاع مايكل هزلتاين لمنافستها على الزعامة فاتحا الباب بذلك لخروج السيدة الحديدية ودخول جون ميجور بالرغم من فوزها في الانتخابات الداخلية بفارق بسيط، إلا انها اعتبرت الأمر مهينا لها، لانها لم تعد ممثلة الأغلبية في حزبها الحاكم فتنحت ليستلم رئاسة الوزراء جون ميجور بعدها. وتكرر هذا السيناريو أيضا مع زعيم المحافظين إيان دانكن سميث، وإلى حد ما وبشكل آخر مع توني بلير وأخيرا شهدنا استقالة ديفيد كاميرون الذي فشل في حملته في ابقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، فاستقال وأفرزت الانتخابات الحزبية صعود تيريزا مي، بينما لا تزال الضغوط مستمرة على جيرمي كوربن من قبل نواب حزبه في البرلمان لدفعه للاستقالة بعد أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا انه ما زال صامدا بسبب دعم قواعد حزب العمال وبشكل خاص نقابات العمال له.
كذلك الحال بالنسبة للحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، إذ ان الحزبين تجرى فيهما انتخابات داخلية للمرشحين لرئاسة الجمهورية، ولان النظام في الولايات المتحدة هو رئاسي، فان هذا المنصب يعد الأهم بالنسبة لمتنافسي الأحزاب، وقد تشتد المنافسة الداخلية بين مرشحي الحزب الواحد وتصل إلى مديات عالية من التنافس الانتخابي الداخلي، وهذا ما حصل في انتخابات 2008 مثلا، إذ ان التنافس كان شديدا بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما إلى ان وصل إلى المرحلة النهائية وعندها تم الاتفاق بين الطرفين على انسحاب كلينتون مقابل وعد بانها ستكون وزيرة الخارجية في حكومة أوباما إذا فاز الديمقراطيون، وهذا ما كان، كذلك ما شهدناه من تنافس في الحزبين في الانتخابات الأخيرة التي أفرزت المتنافسين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.
وهذا هو الحال في الأحزاب الفرنسية، فإذا قرر الحزب الاشتراكي الفرنسي إجراء انتخابات تمهيدية للرئاسية بين 22 و29 كانون الثاني/يناير2017، ما يعني أن الرئيس فرنسوا أولاند، الذي تدنت شعبيته، سيضطر لخوض هذا الامتحان إذا ما قرر الترشح لولاية ثانية، كما أعلن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في شهر تموز/يوليو الماضي عزمه التنحي عن زعامة حزب «الجمهوريين» ليعزز بذلك احتمال خوضه انتخابات الرئاسة لتولي منصب رئيس الدولة للمرة الثانية ولا يستطيع ساركوزي خوض الانتخابات التمهيدية إذا ظل زعيما للحزب، ويتعين عليه الاستقالة من رئاسة حزبه قبل أسبوعين من انتهاء موعد تقديم الطلبات في التاسع من أيلول/سبتمبر. وسوف يصوت أنصار حزب «الجمهوريين» وأحزاب أخرى تمثل اليمين ويمين الوسط في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل لاختيار مرشحهم في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2017 ليواجه الفائز مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان والمرشح الاشتراكي الذي سيكون على الأرجح الرئيس فرانسوا أولاند. إذا فالحياة السياسية الديمقراطية لابد ان تبنى على أحزاب ذات تقاليد عمل سياسية ديمقراطية.
فإذا نظرنا إلى حال النخب السياسية العراقية ومن هذه الزاوية تحديدا، سنجد ان الكيانات السياسية مصابة بمرض يمكن ان نسميه «شخصنة العمل السياسي» أي ان العمل السياسي يكون مرتبطا بالفرد القائم به، وبالرغم من ان الفردية تعتبر معيارا مهما في حياة المجتمعات المعاصرة إلا ان هناك النشاطات التي تسمى سوسيوسياسية، بحكم ان العمل يتم عبر بنى اجتماعية، والمثال الأهم على ذلك هو العمل السياسي، إذ انه يتم عبر بناء الحزب أو الحركة ومهما كانت أهمية الأفراد في الحزب إلا انهم في النهاية لا يمثلون إلا لبنة في هذا البناء.
وحياتنا السياسية في العراق المعاصر مصابة بالشخصنة على مستوى الأحزاب وعلى مستوى الفعل السياسي بل وحتى على مستوى التوصيف. فعندما يذكر العراق الملكي يقال عراق نوري السعيد وانقلاب ضباط الجيش على الشرعية الدستورية في عام 1936 هو ما أطلق عليه انقلاب بكر صدقي والانقلاب الثاني في 1941 هو «حركة رشيد عالي» وهكذا، وحتى الأحزاب الايديولوجية التي تحكمها بطريقة ما سطوة الايديولوجيا اصيبت لدينا بالشخصنة، فهناك مراحل من حياة الحزب الشيوعي تم توصيفها بهذه الطريقة، فحزب فهد هو الحزب الشيوعي العراقي حتى نهاية الاربعينيات وحزب سلام عادل هو حزب عقد الخمسينيات حتى انقلاب 1963 وهناك انشقاقات كبرى حصلت في الحزب الشيوعي العراقي وتشخصنت مثل انشقاق القيادة المركزية الذي اطلق عليه جماعة عزيز الحاج مقابل جماعة عزيز محمد التي تمثل حزب اللجنة المركزية. وتجلت الشخصنة في أوضح صورها في حقبة صدام حسين، إذ لم يعد العمل السياسي فقط هو المشخصن انما أصبح كل شيء تحت ظل النظام الشمولي متماهيا في شخص القائد الضرورة وتحت شعار (إذا قال صدام قال العراق).
وبعد سقوط نظام صدام حسين في 2003 دخلت الأحزاب التي كانت معارضة، ولم يكن العراقيون يميزون الأحزاب بأسمائها، فلا أحد يميز بين المؤتمر الوطني العراقي والوفاق الوطني، فإذا أردت افهام المتلقي عليك ان تقول جماعة أحمد الجلبي وجماعة أياد علاوي، وهكذا هو الحال بالنسبة لبقية الأحزاب الأخرى، فالديمقراطي الكردستاني هو حزب مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني هو حزب جلال طالباني. إذا التوصيف قائم بشكل أساسي على شخصنة الفعل والبناء السياسي، وفي الحالات القليلة التي حصلت فيها انتخابات داخلية كما هو الحال في حزب الدعوة الإسلامية، نجد ان ذلك أحدث انشقاقا كبيرا في الحزب الذي طالما عانى من الانشقاقات، فانتجت العملية الانتخابية انشقاق تيار الاصلاح أو ما اطلق عليه جماعة ابراهيم الجعفري لتميزها عن جسد الحزب الأصلي، حزب الدعوة الذي أصبح جماعة الأمين العام الجديد نوري المالكي، كما ان فشل المالكي في رئاسة الحكومة لولاية ثالثة أحدث انشقاقا غير معلن داخل الحزب بين جماعة المالكي وجماعة العبادي.
هذا الكلام يكاد ينطبق على كل النخب السياسية في العراق، فحتى الأحزاب التي غيب الموت قادتها مثل المجلس الأعلى بعد وفاة عبد العزيز الحكيم، ورغم وجود قيادات عتيدة فيه مثل همام حمودي وعادل عبد المهدي إلا ان رئاسة الحزب آلت إلى السياسي الشاب عمار الحكيم في صيغة تكاد تعترف ان هذا الحزب هو حزب آل الحكيم. مما تقدم نستطيع ان نستنتج وبجرأة ان (فاقد الشيء لا يعطيه ) وهو الدرس الأول الذي يجب ان نعيه في اللعبة الديمقراطية في العراق، فاذا كانت الأحزاب عندنا تفتقر إلى الديمقراطية في حياتها الداخلية فبالتأكيد ان المشاكل التي تعاني منها العملية السياسية هي تحصيل حاصل.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي