قراءة بلغارية في قصص الأردني جمال ناجي

حجم الخط
0

لا أظنّني أخطئ القول إذا أوضحت بأنّ المجموعة القصصية للكاتب الأردني جمال ناجي «المستهدف» التي وجدت طريقها مؤخّرًا في أسواق الكتب بفضل دار النشر البلغارية «بيرغامنت» – ترجمة خيري حمدان، مجموعة جديرة بالقراءة تتكوّن من قصص تتناول شأن الأهداف السهلة في عالمنا المعاصر شديد القسوة. تحتوي المجموعة على 24 قصّة منتقاة لجمهور القرّاء البلغار من أربع مجموعات قصصية للكاتب، طبعت ونشرت في مراحل زمنية مختلفة وهي: «رجل خالي الذهن» 1989، «رجل بلا تفاصيل» 1994، «ما جرى يوم الخميس» 2006 ومجموعة «المستهدف» 2011.
لامست هذه القصص الأربع والعشرون المقبلة من المشرق وعي القارئ بأناقة وعناية وتفكّر ولغة سلسة. وهذا مؤشّر واضح على ابتعاد المجموعة عمّا يسمّى بـ»الأدب السريع». رغم قصر بعض النصوص الواردة في هذا الكتاب، يصعب العثور على عنفوانية وحدّة بهدف التجميل أو تقديم دفعة لمحتوى النصّ، ولا يمكن العثور كذلك على توجّهات ظمئة للنجاح والتميّز على خلفية ما يلاحظ من هذه العوامل لدى كتّاب القصّة الآخرين، الذين يلجأون لاستخدام الجهورية والإبهار الفائض. هذه النصوص مبنية وفقًا لقوانين مختلفة حسب رؤية الكاتب، ويمكن ملاحظة ذلك حسب المستويات التالية:

صورة الغلاف والنصوص

صمم الغلاف إيفو رافائيلوف، حيث قدّم للقارئ رسمًا بقي صامتًا «مغلق الفم» – لا يتحدّث. رسمًا يهدف للتوصّل إلى عمق هذا الكتاب. للوهلة الأولى نجد التركيز والمعنى ثنائيّ المغزى. وبالطبع، فإنّ عنوان «المستهدف» يحتاج إلى لون عسكري نوعًا ما، لكن كيف نفسّر القميص المدني واليد التي تشير بهدوء للمكان المؤدّي إلى القلب؟
قصص جمال ناجي قصيرة ومكثّفة من دون أن يؤثّر ذلك على سلاستها وانسيابها، حيث تمكّن الكاتب باستخدام هذه الآلية من توسيع رقعة المقاطع المجزّأة (الحزام الذهبي، حبّ، الديك الآخر، المستهدف، رجل لا يحسن الحبّ، يوميات رجل مكتوف اليدين وغيرها). هناك قصص أخرى تبدو وكأنّها وحدة متراصة، ما أتاح للكاتب قاعدة ذات حجم محدود ينطلق منها. لذا تبدو القصص قصيرة وذات بعد زمني محدود أو تتطرق لقضايا متعلقة بسوء تفاهم أو لمشاعر قوية جياشة، تسلب بطل القصة هدوءه وراحته ليدخلنا في حالة من التفكير والتحليل العميق. من الواضح أنّ المشاعر المصاحبة لأبطال القصص غير مريحة وتتسبّب لهم بالقلق، مشاعر قويّة للغاية تتحوّل إلى الآلية المحرّكة للقصص، إضافة إلى تحليل جوهر المشكلة، من دون الحاجة للجوء إلى التسلسل المنطقي وتصعيد الأحداث، هذه الخاصّية وتحديدًا في قصتي «شيء يخصّني والمستهدف» تفتقدان لتمثيل أدب الرواية وتعلنان عن ذاتيهما باعتبارهما انعكاسا للسلم الجمالي المقتضب.

الفضاء والزمن في قصص جمال ناجي

لدى قراءتنا للقصص الواردة في هذا الكتاب نفاجأ بظاهرة فريدة تتمثّل بعدم تحديد الوقت والمكان بصورة حاسمة خلال تطوّر تفاصيل القصص، فهي غير مرتبطة بمكان معيّن حول العالم (ربّما باستثناء قصة ـ السترة السوداء) ومن دون تحديد مقطع زمني واضح (عدا ساعات الليل والنهار). يبدو المكان والزمان عامّين وعالميين من دون أن يفقد ذلك المواصفات والمقاييس المميزة للمشرق على الصعيد الثقافي والحياتي.

التفاصيل والأبطال

كيف يتعامل أبطال قصص هذا الكتاب وكيف يتأثرون ببعضهم بعضا؟ هذان العاملان جذريان في القصص ويعتبران مركّبين أساسيين، ويمكن القول إنّ الأبطال والتفاصيل هما الوجهان المحرّكان لهذه القصص. من جهة أخرى نجد أنّ التفاصيل هي التي تسير قدمًا، تظهر في البداية وتطغى على اهتمامنا وتقوم في الوقت ذاته برسم ملامح بطل القصة لتضيء جانبا أو آخر من خصائصه وقدراته. يعتبر عامل الملاحظة الدقيقة والقريبة لمادّة ما أو مراقبة جزء من وضعية أو موضوع وقضية – خاصيّة ومنهجا إبداعيا متميّزا للكاتب. وبما أن الأبطال في هذه القصص غير ميّالين للهذر والثرثرة ـ تتحدث التفاصيل نيابة عنهم وتبوح بما لم يقولوه في متن القصة.
وهكذا من هم أبطال قصص هذا الكتاب وما هي طبيعتهم؟ ناس تقليديون، أطفال، حيوانات، نباتات، مواد، هؤلاء هم الأبطال إذا رغبنا القيام بعملية تعميم عاجلة. الأطفال وكبار السنّ الهادئون والمفعمون بالكرامة والفخر. هم ليسوا من الأقوياء، إنّهم تلك الأهداف السهلة نظرًا لضعف ما في هذه الشخوص، نظرًا لأوضاعهم الاجتماعية وفقدانهم للسلام والهدوء الروحي والنفسي. هؤلاء الذين يظهرون في أوضاع محرجة وغبية في توقيت من سوء التفاهم، لكنّهم لا يفقدون وجههم الإنسانيّ في اللحظات العصيبة، وغالبًا ما يواجه المعنيون الموت (الموت شخصيًا، يوميات رجل مكتوف اليدين، حبّ، الليل وأشياء كثيرة، الكحلاء، شيء يخصّني)، حياتهم مشحونة بالفقر والعوز (الحزام الذهبي، عزلة الأسود، ذلك الجزّار، العود، زيارة متأخرة) وغيرهم من المتعثرين في الحياة. يمكن ملاحظة بعض الشخوص في هذه القصص المتأثّرة بالألعاب السياسية وتبعات الأنظمة الشمولية – نماذج من هذه القصص يمكن مشاهدتها في (الحزام الذهبي، الديك الآخر) ـ رموز كتبت بطريقة رمزية غير مباشرة، الأمر الذي يتطلب من القارئ الإلمام بتاريخ الشرق الأوسط، كي يتمكن من تمييز الأحداث والشخصيات السياسية في القصص الأنيقة التي تناولت الحزام غير التقليدي والطيور المنزلية المجنّحة.
نالت بعض القصص الواردة في الكتاب اهتمامي بصورة خاصّة بمحتواها النفسي مثل (ساعتان، العلبة، رجل لا يحسن الحبّ، ذلك الجزّار، العود، شيء يخصّني، قلب أخضر)، هذه القصص تتناول الصداقة والحالة الوجدانية، الحفاظ على الذوق والسلوك وصعوبة قبول انعكاس الذات «الأنا»، والدفاع عن الفخر والصبر والتحمّل والعلاقة مع المرأة ـ مشاعر وسلوكيات يمكن ملاحظتها فقط بين مواطني المشرق. قصص تتناول خصائص الشرق ـ ذاك الشرق الذي يحمل بين طيّاته الحكمة والتواضع، شرق مختلف تمامًا عمّا تحاول وسائل الإعلام تقديمه وفرضه.
مجموعة «المستهدف» كتاب هادئ قادر على احتواء النظرة الكوارثية وغير المستقرة للعالم وتقديمها بيسر، من دون إسراف بحيث تكون العائلة الكبيرة، الألوان، الحزام، الصديق، الديك، العود، الدفء للجميع في اليوم البارد، شاطئ البحر، النباتات الخضراء والساعة، جميعها كافية بحدّ ذاتها لترتيب مكان ما، مكان تحبّه وتفضّله للعيش.

٭ كاتبة بلغارية ـ ٭٭ مترجم فلسطيني
جمال ناجي ـ «المستهدف»، دار النشر «بيرغامنت»، صوفيا، 2016.

قراءة بلغارية في قصص الأردني جمال ناجي

إغليكا ديونيسييفا٭ ترجمة: خيري حمدان٭٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية