رغم أننا أمة تتغنى بالحب كثيرا، وأنه ليس من المستغرب أبدا طرق موضوعات الحب في عمل أدبي ما بتكثيف عال لأنه يعد من الموضوعات الحياتية المهمة والأساسية، فإن لم يكن الحب الثيمة الأساسية في العمل الأدبي، فبالتأكيد سيكون موضوعا ثانويا لهذا العمل.
كثرة ورود مواضيع الحب تثير التساؤل عن سبب هذا التكرار، هل هو تلبية لحاجة إنسانية طبيعية يعبر عنها الأدب بشكل انعكاسي لاحتياجاتنا في الحياة فلا نستطيع إنكار أن هذا الموضوع يطرق للمتعة التعبيرية، فهو بحد ذاته غاية جمالية؟ أم أنه يعرض لنا عالما آخر كبديل مثالي لواقعنا اليومي المليء بالإخفاقات والإحباطات فيذهب المبدع/ المبدعة إلى خلق عالم عاطفي مثالي يعوض معاناة الفرد في عالمه الواقعي؟ أو قد يكون العالم التخيلي لتجربة الحب غطاء ساترا لتفاصيل حياة يومية مقصية عمدا عن العرض والتمثيل تجنبا لمخاطر التمثيل الحقيقي للقضايا الاجتماعية والسياسية الشائكة؟
ولكن عند البحث العميق في جذور إشكالية الحب في العالم العربي، سنجد أن للحب مستويات دلالية متعددة في حاجة إلى سبر وتحليل كي نفهم الإشكاليات المحيطة بواقعنا اليوم والمتعلقة بشكل كبير بالماضي، وستؤثر على المستقبل إن لم يتبدل ويتحول جوهر الفكر الذي نعيشه اليوم وتتبدل طرق تعاطينا مع الموضوعات المشكلة لوعينا الإنساني والثقافي كموضوع الحب.
أكاد أزعم أن مثل الأسئلة السابقة وإجاباتها المفترضة ليست إلا إجابات سطحية لإشكالية الحب في المجتمع العربي، وطالما نحن نتعامل مع الحب بهذه الطريقة الهشة من المعالجة فلن تكون لدينا أي حركة تصحيحية لحالة خفوت الحب في الحياة العربية.
لست متأكدة إن كانت هناك قصة حب عالمية ناجحة، ولكنني أذكر جيدا تلك النهاية السعيدة لبعض النصوص الأدبية من مثل رواية «الحب في زمن الكوليرا»، حيث تزوج بطل الرواية فلورينتينو من فرمينا بعد سن متأخرة، مع بعض الهنات التي أحدثها كل منهما للآخر، زواج فرمينا من آخر، وخيانات فلورينتينو الصغيرة مع نساء عابرات في حياته، قبل موت زوج فرمينا. وهذا لا يمنع أنها في النهاية قصة تعبر عن إمكانية حدوث الحب ووجود طريق ممدود للأمل.. مثل هذا النص الأدبي قادر على أن يدرب خيالنا على الحب والجمال في هذه الحياة، ليكون في يوم ما طريقة متاحة من طرق العيش.
الحب كان موضوعا مهما عند عدد من الفلاسفة، أهمهم أفلاطون الذي كان موضوع الحب من بين الموضوعات الفلسفية المهمة التي تطرق لها.. إذ يقول: «الحب هو بحثنا عن الأنا الآخر لنا، الذي يعد جزءا منا وسوف يجعلنا كلا متكاملا مرة أخرى».. (Lydia Amir، نظرية أفلاطون في الحب) كما يرى أن الحب علاج لجرح قديم ألحق بِنَا بواسطة الآلهة، التي قسمتنا إلى اثنين عقوبة على غطرستنا. ومنذ تلك الأوقات، كما يرى أفلاطون، كل منا هو فقط نصف ذاته، يبحث دون هوادة عن الاكتمال. حديث أفلاطون يقودنا إلى أن نحلل موضوع الحب الذي رصدته عالية شعيب في مجموعتها «عطش» في ضوء نظريته في الحب، إذ تعكس المجموعة هذه الفكرة بشكل مباشر كما في الأبيات التالية:
«هل تمسك المسافة بين يدك اليسرى
واشتهاء حذائي
للمشاركة في نصك المحلق في ذهب الشروع
وجمال عدم الاكتمال؟»
تبعا للفهم الأفلاطوني، إذا كان الحب مهما لاكتشاف النصف الآخر الجيد لأي فرد منا هذا يقود إلى كيان متكامل يسعى لتجربة إنسانية ناضجة ومتكاملة، ما يحيل لسعادة الفرد في المجتمع، وخلق بؤرة لحياة إنسانية سعيدة ناقصة في مجتمعاتنا العربية لعدم تحققها، فلو بحثنا في تاريخ علاقة الرجل والمرأة في العالم العربي سنجد إنها متوترة على مر التاريخ، فإما علاقة عبودية وجوار وإماء، أو علاقة وصاية أبوية تخنق أي حركة حرة للجسد والروح في إطار هذه العلاقة، ما يعني أن المرأة والمجتمع لن ينطلقا كعناصر بناءة للفعل الحضاري إلا بتجربة الحب المكتملة المتبادلة الاحترام والمتكافئة الأطراف، مع رجل مستنير ومضيء بمعرفته وإنسانيته لتنطلق التجربة الإنسانية في بناء وإعمار الكون، وهو ما ينقصنا في العالم العربي أن توجد هذه التجربة الخلاقة في اقتصاد العلاقات الإنسانية البناءة. ومن الواضح أن المجموعة الشعرية «عشق» انطلقت من هذه العوالم أكثر من تجربة عالية شعيب الأخيرة في «قلق غزالة»، التي تعبر عن ابتعاد التجربة الشخصية عن دائرة الفعل الاجتماعي والاكتفاء بالحالات الفردية العشقية بين رجل وامرأة. فلو تأملنا جيدا مجموعتها «عشق» وحللناها في إطار الخطاب الفلسفي الأفلاطوني للحب، لوجدنا إن معظم مجموعتها تدور حول أفكار الجمال والبناء والعطاء وإعمار الكون، عندما تكون التجربة العاطفية ناجحة تكثر البوادر الإنسانية في الكون وتحلق الذات في عالم الجمال، وتكون قادرة على العطاء بدعم ومساندة النصف الآخر، الذي لن تستطيع الذات التحرك من دونه، كما سنعرض بالاقتباس التالي الذي ليس إلا مثالا من أمثلة تفيض بها المجموعة عن هذه الحالة العشقية التعبيرية:
«تنهض الحضارات برفة رمشها
تتطور المجتمعات بالتفاف ثوبها
تمشي وتتبعها الأشجار».
وتقول في نص آخر:
«اليمنى ولدي
تسميه محمدا أو.. فهدا
تنصت لحكمته الأرض
يكتب سيرة الرمل
تخرج من أصابعه الطير
تحط الفراشات على كتفيه
يحتمي الجوع بعباءته
يخاف الظلم طلته».
في المجموعة تتكرر استعارات متعددة للعينين، العنق، الفم، اليد، تخرج دلالة الجسد الفيزيائية إلى الدلالة الإيحائية المعنوية التي تؤثر في نمو العلاقات الإنسانية، وتطور المجتمعات، إذ يصبح الجسد بيتا ومدينة، وأداة خلاقة في حرث القيم الإنسانية في المجتمع، فالعين طريق الرؤى الثاقبة والخلق الإبداعي والرؤية المستقبلية بعيدة المدى، والعنق يثير حاسة الشم ويصبح رائحة القهوة والفم يتحول في غالب المجموعة إلى بيت.
التكرار المقصود لهذه الاستعارات يلعب دورا مهما في ترسيخها في الذاكرة بإيحاءاتها العميقة في أن يكون التكامل بين الذات والآخر، والتحول إلى الأفضل. إذ تصف شعيب عينيه بالآتي:
عيناك (كهرباء الإبداع، شرارة الخيال، عصارة الحبر، قمح الورق) (يقيني/ حقيقتي التي أدرك بها دوري وواجبي في هذه الحياة).
ولكن مثل أي تجربة عاطفية إنسانية لابد أن تخفت التجربة ويغيب الحب تاركا سؤالا أخلاقيا جوهريا في العلاقات الإنسانية لماذا يذهب الحب؟ الذي فسره أحد الفلاسفة بأن الحب يأتي للتكاثر في الكون، وما أن يتحقق هذا الهدف العظيم يغيب الحب. ولكن بالتأكيد هذا تفسير أحادي لفشل الحب، لأن كثيرا من قصص الحب تفشل قبل أن تبدأ بداية حقيقية في الارتباط الشرعي، هل هذا نتيجة للفتور الذي يصيب العلاقات الإنسانية بشكل عام بعد مرور الوقت، ربما يكون هناك شيء خفي كما قالت Lydia Amir:
«ليس أي شخص موعودا بالنجاح في الحب، هو أمر يعتمد على القوى الغامضة التي تتحدى الفهم الإنساني»، أو قد تكون الإجابة الأكثر منطقية أن الذات كلما اقتربت من الذات المكملة لها تصطدم بها وتكتشفها أكثر فتعيش أزمة قيود الارتباط بالآخر والالتزامات الأخلاقية التي تعيشها الذات، أمام آخر لا يتحقق فيه الشرط الجمالي، الجودة. إذ أضاف سقراط شيئا على نظرية أرسطو في الحب غير كل شيء كما يقول: نحن لا نتوق إلى النصف أو الكل إلا إذا كان جيدا. هذا يعني أن الحنين للحب هو حنين للجيد، وليس فقط للاكتمال. وهو الأمر الذي يوضح لنا تحولات «عشق» الشعورية في المجموعة من حب وتفاؤل إلى إخفاق وحسرة وألم في نهاية التجربة العاطفية.
الأسئلة المثارة أعلاه، لم تجب عليها المجموعة البارعة في التحليق، في الجوانب المعرفية والأخلاقية والجمالية لتجربة الحب في الجزء الأول من المجموعة، واكتفت في رصد الآثار النفسية للفراق في الثلث الأخير من مجموعتها، التي رتبت ترتيبا بنيويا، حيث كانت قصائد المجموعة التي تحتفي بالحب في بدايتها، وقصائدها الأخيرة تعبر عن حالة انتهاء التجربة العاطفية وترصد انكسار المشاعر وتمزق الذات وانفصالها عن آخرها، وهو أمر يتوازى مع واقع معظم قصص الحب، إذ تبدأ قوية متأججة جياشة وتنتهي نهايات سريعة وفاشلة، عبرت عنه الشاعرة في الجزء الأخير من مجموعتها. لقد عرضت لنا الشاعرة سردية عاطفية متكاملة منذ بدايتها حتى نهايتها، ولعل قصيدة «أعود» من أهم القصائد التي توضح تلك الآثار النفسية لجرح الذات العميق في انفصالها عن أناها الآخر، وعلى وجه الخصوص المرأة التي تفقد ذاتها وحرية حركتها واحتفاءها بذاتها كذات مبدعة قادرة على العطاء والفعل الاجتماعي والحضاري في سياق ثقافي عربي، إذ تصبح مجرد دمية فاقدة لهويتها وقدرتها على التعبير عن ذاتها:
«أعود..
للدمية القطنية التي صمموها
خاطوها
وطعنوا براءتها بالدبابيس
مزقوا إنسانيتها
علقوا أحلامها
وحشوها بأحلامهم
جعلوها رمزا
قدوة حلما.
عالية شعيب، «عشق» مجموعة شعرية، الولايات المتحدة الأمريكية: ايثكس لاب، الطبعة الأولى،2007.
٭ أستاذة النقد الأدبي في جامعة الكويت
سعاد العنزي