الفلسطينيون العرب في اسرائيل، هم فلسطينيون 100 ٪، وهم عرب 100٪، وهم اسرائيليون 100٪. هكذا هم. وهكذا يتم التعامل معهم، رسميا. وعلى هذا الاساس يجدر بهم ان يتصرفوا.
يحمل كل انسان هويات عديدة، تكمّل بعضها بعضا، فتعطي للحياة طعما، وتقدم له ميزات ومنافع، كما تضع عليه اعباء والتزامات، يجدر به القبول بها، والتعايش معها، والا امضى حياته متبرّما، لا يضايق احدا في الكون اكثر مما يضايق نفسه.
بعض الهويات ثابتة، تولد مع الانسان لحظة خروجه إلى نور العالم، فتبقى راسخة ودائمة على مدى حياته كلها، وبعضها قابلة للتغيير، يمكن التخلي عنها او استبدالها. فالثابت من الهويات مثل الجنس ولون البشرة والوطنية والقومية والقارِّية وما شابه ذلك، لا سلطان للإنسان عليه. اما بعضها الآخر، وهي تلك الهويات التي تحددها بطاقات، فانها قابلة للتغيير بقرار وبقدرات صاحب العلاقة، وبالظروف الموضوعية المحيطة، او بقرار مُصدر بطاقة الهوية، وفق قوانين تحكم العلاقات في المجتمع، في كل مرحلة من مراحل التاريخ.
هكذا تبقى هوية الفلسطيني العربي الحنطي البشرة الذكر او الانثى، على ما هي عليه مدى حياته. اما الهويات التي تثبتها البطاقات، مثل الجنسية او الانتماء الحزبي او المهنة وما شابهها، فانها قابلة للتغيير، ومن مصلحة صاحب العلاقة، ان يستفيد من هوياته الثابتة والقابلة للتغيير، طالما انه يلتزم بما تفرضه عليه تلك الهوية، من تقديم خدمات للمجتمع والدائرة التي يعيش فيها، من مثل تسديد الضرائب او رسوم العضوية او الخدمة العسكرية او غيرها. من الكلام النظري نعود إلى موضوع هذا المقال، عن وطنية الفلسطيني وقوميته وجنسيته. هذه الهويات الثلاث متداخلة، يشوبها الكثير من التناقض الواضح، بين مصالح متضاربة للهوية الفلسطينية والعربية، وبطاقة الهوية الاسرائيلية. مصلحة حامل هذه الهويات، ان يبذل الجهد لتحويل التناقض والتضارب بينها إلى تعايش وانسجام وتكامل.
هذه عملية صعبة ومعقدة إلى ابعد الحدود، ولكن المصلحة الوطنية العليا، في ظل الظروف الذاتية والموضوعية الراهنة، وعلى مدى المستقبل المنظور، تجعلها عملية ضرورية جدا.
ننطلق هنا من قناعات راسخة، ان مواجهة السلطة الاسرائيلية اليمينية العنصرية واجب وطني وانساني من الدرجة الاولى، وان رأس الحربة في هذه المواجهة، هم الفلسطينيون العرب الإسرائيليون. هم الضحية، وهم الأدرى بما يعانيه ابناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، من احتلال وحصار وبطش وظلم، وما يعانيه ابناء شعبهم في دول اللجوء والشتات.
ذلك، كما سبق، ليس سهلا، ولكنه ممكن إذا تعاملت هذه الجماهير الفلسطينية العربية في اسرائيل مع بطاقة الهوية الاسرائيلية على أنها السلاح الأمضى لديهم، لخوض صراع جدي داخل اسرائيل، مع حلفاء اسرائيليين عقلاء معتدلين، رفاق درب في النضال لنيل مطالبهم العادلة في المساواة وانهاء التمييز، وفي التوصل إلى سلام مع شعبهم الفلسطيني، يقوم على اساس انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وحل قضية اللاجئين وانهاء معاناتهم، وفق معادلة: «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم».
هذا التوجه ينطلق من معرفة ان المجتمع اليهودي في اسرائيل، مثله مثل كل مجتمع آخر في العالم، يتشكل كما يريد له الطرف الاكثر قدرة على التاثير عليه. هو في ايامنا مجتمع يميني عنصري في غالبيته، بفعل سياسات تحريض وتخويف له من كل ما هو فلسطيني. ولا يجب ان ننسى هنا ان بين جماهيرنا من يوفر لهم ما يدعم تحريضهم ضد تلك الجماهير، وضد كل ابناء الشعب الفلسطيني.
ليس هناك في العالم مجتمع لا يمكن التاثير فيه. فبرغم ان المجتمع، كل مجتمع، ليس مادة سائلة تاخذ شكل الأناء الذي توضع فيه، إلا انه ليس جسما صلبا لا يمكن التأثير فيه إلا بالتكسير والتقطيع. المجتمع جسم ليِّن يمكن التاثير عليه، وهو قابل للتشكيل إذا عرف صاحب العلاقة كيف يتعامل مع المجتمع المعني.
ان مبادرات انسانية بسيطة، غير مبتذلة وغير رخيصة، يمكن لها ان تعطي مردودا ايجابيا، وان تسهم في ابطال مفعول تحريضات قادة اليمين العنصري الاسرائيلي، وان تدفع باتجاه بناء تحالفات قوية مع قطاعات واسعة، وتتسع، في المجتمع اليهودي في اسرائيل، وتخلق اوضاعا، وتوصل إلى موقع القرار في اسرائيل من هم ليسوا على شاكلة حكومتها الحالية. في هذا السياق يجدر بنا ان نتذكر، ان اسحق رابين وحكومته، لم يكونوا خيرا من حكومات اسرائيلية سابقة او لاحقة لها. لكن سياسة فلسطينية حكيمة وشجاعة، وتنسيقا وتكاملا بين جهود مكونات الشعب الفلسطيني، من مقاتلين وسياسيين وديبلوماسيين فلسطينيين، وصولا إلى عقلاء فلسطينيين في الكنيست الاسرائيلي، اثمر في ايصال اسرائيل إلى الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وبالجسم القيادي الذي يمثله.
ان الظروف التي يمر بها الشعب الفلسطيني تستدعي بذل كل جهد ممكن من كل مكونات هذا الشعب، للخروج من الحالة المزرية والخطيرة الراهنة. واول مكونات الشعب الفلسطيني التي شاءت الاقدار ان تتحمل،في هذه المرحلة، مسؤولية اعادة تشكيل ونظرة المجتمع اليهودي في اسرائيل إلى شعبنا، هم الفلسطينيون العرب الاسرائيليون، وهم مؤهلون لذلك، وقادرون على تقديم مساهمة حاسمة لانجاز هذا الهدف الوطني.
الكل يعرف صعوبة ذلك، خاصة وان مزاودين من اتجاهات عديدة، يملكون امكانية محاولة ابطال أي تاثير ايجابي على المجتمع اليهودي في اسرائيل، كما ان في الحكومة والاجهزة الاسرائيلية من لا يروقهم، ان نلعب في الساحة اليهودية الاسرائيلية كما هم يلعبون في كل ساحاتنا. ولكن قيادة وطنية عاقلة شجاعة، قادرة بالتأكيد ان تاخذ المبادرة، وان تجد لها صدى قويا في ساحة الفلسطينيين العرب في اسرائيل، وحلفاء اقوياء في المجتمع اليهودي الاسرائيلي نفسه.
لكن كل ذلك مشروط، بان يرى الفلسطينيون العرب في اسرائيل، فائدة ومنفعة انهم فلسطينيون 100٪، وعرب 100٪، واسرائيليون 100٪.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور