يهدف القارئ من فعل القراءة- سواء أكان النص ينتمي إلى جنس الرواية أم القصة قصيرة أم القصيدة- النفاذ إلى جوهر هذه الأعمال الأدبية بما تتميز به من جماليات فنية، ساعيا إلى بناء جسر بين واقعية الواقع الذي نعيشه والخيال الذي يمنحه لنا الأدب.
وتكون نهاية فعل القراءة عبارة عن لحظة لإبداء حكم عن طبيعة هذا النص، كما أننا نتساءل دائما، عن سر استمتاعنا بهذه الرواية أو القصة أكثر من غيرهما. وتختلف درجات الاستمتاع من قارئ إلى آخر انطلاقا من تعدد الفهم وممكنات التأويل للعمل الأدبي. وتعتبر الحكاية التي تتوافق مع الواقع، أو التي تعَبر عنه هي الأكثر تأثيرا في القارئ.
وتعد رواية «انه سوء الحظ(The fault in our stars)» للكاتب الأمريكي الهندي جون غريين من بين هذه الأعمال الأدبية التي حققت لي متعة القراءة، وفي الوقت نفسه أثرت في مشاعري إلى حد إلغاء الحدود بين الواقعي والتخييلي، بل لم أعد أميز فيه بين الخيال والواقع، تحكي الرواية عن مرض السرطان بشكل مفعم بالأمل، من خلال مشاعر المشاركة في المعاناة. فبعدما أدى المرض بـ»هازل» إلى الابتعاد عن الحياة، والخضوع للآلام، والارتماء في عتمة التشاؤم، يقرر والداها مساعدتها، ويدمجانها في مركز يضم الأشخاص الذين يعانون من المرض نفسه.
رفضت «هازل» الفكرة في البداية، لكنها ستقتنع في ما بعد، عندما دخلت في تجربة المركز، وحضرت ورشة مشاركة المعاناة وإحياء الأمل، وكان كل شخص يحكي قصته مع المرض. كانت الورشة عبارة عن مجتمع مصغر، استطاعت من خلاله «هازل» مشاركة الآخرين معاناتها، وانفتاحها على معاناتهم. وستلتقي في الورشة بأغوستيس؛ تسللت عيناها إلى عينيه، فكان لقاء حب يجمع بين شخصين يعانيان من ألم المرض نفسه. تغذى حبهما بإعجابهما بالكاتب نفسه الذي اكتشفا أنهما يعشقان كتابته. بدأت «هازل» تخرج تدريجيا من عزلتها، وتقبل مرضها، بمساعدة أغوستيس الذي جعله حبه لهازل يفكر في مراسلة الكاتب من أجل لقاء يجمعه بهازل. وعلى الرغم من ضعفها وإحساسها بالألم كانت هازل تحلم بأن ترى هذا الكاتب، وتتعرف عليه، لهذا شكلت الفكرة سعادة لدى هازل، فقرر الاثنان السفر للقاء الكاتب.
شكل هذا الاهتمام بالكاتب علاجا بالنسبة إلى أغوستيس وهازل، وامتزجت روحاهما، فأصبح الاثنان واحدا.
تحقق حلم اللقاء بالكاتب، فغمرت السعادة هازل، واستمتع أغوستيس بسعادتها التي هي سعادته. تجاوز الاثنان ألم المرض بالحب الذي تذوقاه معا، فنسيا السرطان وألمه. غير أن اللقاء مع الكاتب خلق لدى هازل حالة تناقض بين كتاباته التي كانت شغوفة بها وشخصيته الواقعية المختلفة عن كتاباته وأفكاره. اكتشفت مفارقة كبيرة بين الكتابة والواقع. بين ما يكتبه الكاتب من إبداع وروايات وواقع شخصيته وأفكاره. بعدما كانت متيمة برواياته، وتحول الكاتب عند اللقاء إلى رمز للحب، ونسيان لمعاناة المرض، سيصبح في ما بعد رمزا للزيف وكأن هازل بهذا الاكتشاف تقف عند حقيقة أوهامها. يموت أغوستيس، وينقل الكاتب خبر الموت إلى هازل، فيصبح مصدر الكراهية عوض الإعجاب.
ينقلنا الكاتب الأمريكي الهندي جون غريين عبر قصة روايته «انه سوء الحظ(The fault in our stars)» إلى عالم اللونين المتعارضين، الأسود والأبيض في مشاعر الإنسان. ويرمي بنا في الرواية لكي نعيش نحن القراء هذا السفر بين اللونين. يمثل المرض والألم لون السواد الذي عاشته هازل وأغوستيس وباقي مرضى المركز، بينما يجسد اللون الأبيض الحب بين هازل وأغوستيس عندما بدأت هازل تنسى ألمها مع المرض، ثم اللقاء بالكاتب بوصفه جسرا إلى الحلم. لكن اللون الأبيض يصبح أسود عندما تجد هازل الكاتب مختلفا عن روايته، وعندما يموت أغوستيس حب هازل.
كل الأخطاء تكون نتيجة الحكم الأولي، تناقض الكاتب مع كتاباته، بعدما كان منبعا للمعرفة والمبادئ السامية أصبح منبعا للقسوة والاستهزاء، فتناقضت تصرفاته مع أفكاره. جسدت الرواية معاناة هذا المرض وعبرت عنه في قالب من المشاعر والأحاسيس المتناقضة تارة والمنسجمة تارة أخرى مظهرة تقلبات أوجه الزمن في أن يجعلنا وجها لوجه مع الحياة التي تهديك شتى الهدايا وكل هدية تختزن شتى الدروس.
٭ كاتبة مغربية
قطر الندى ديار