ما الغريب في رواية «الغريب»؟

حجم الخط
0

أخيراً قرأت رواية الغريب. اي منذ أقل من شهرين. لكني كنت مسبقاً قد قرأت عنها كثيراً. وسمعت أكثر. فإذا: اليوم، ماتت امه. أو ربما ماتت امس، لا يدري.
هذه هي الجملة الإفتتاحية ذات النقطتين والفاصلتين التي اذهلت القراء والنقاد على حد سواء، على الأقل كل من قرأت لهم أو سمعت منهم. وانا لا ادعي اني قرأت الكثير أو سمعت الكثير عن اي شيء. وامام هذا الذهول العام كان لا بد من استنتاج ان كل القراء هم نقاد. الا انا طبعا اذ لا تنطبق علي اي من الصفتين.
فأنا اقرأ كتابا من بين كل عشرة كتب اشتريها. واشتري عشرة كتب من أصل مئة كتاب «يجب» ان أشتريه. وافعل هذا متأخرة جدا وأقرأها، كما لاحظتم، متأخرة جداً. وعندما اقرأها لا اشعر بذهول امام الجمل الافتتاحية. فأنا لا اقارن الافتتاحيات ببعضها البعض، ولا اصنف ما اقرأ. انا لا اعرف ان اصنف ما اقرأ.
انا اقرأ، عندما اقرأ. أشعر براحة أحياناً، وبإنزعاج احياناً اخرى. ابتعد عن الجمل المتعبة، والمفردات الصعبة. الإستعارات تضيّق خلقي والتشابيه الكثيرة ترهقني وبالطبع اقفز عنها إلى جمل خالية منها، من دون اي احساس بالذنب. ولا ابحث عن دروس وعبر في ما اقرأ.
اذا، قرأت مؤخراً رواية «الغريب» (وأعتذر عن هذا التأخير، الرجاء عدم معاقبتي. الرحمة). علمت ان «البطل» الذي لا اذكر اسمه الآن ولا اثناء القراءة (ولا اريد ان ابحث عنه في غوغل أو اتناول الكتاب لأتحقق منه) انما فقط اتعرف على الإسم بصرياً، بارد تجاه والدته، وغير مبال بالكثير من الامور. شعرت براحة منذ بدأت لأن الكاتب اخبرني منذ مباشرة عن وفاة والدته دون ان يرهقني بصفحات أو حتى سطور بالتعبير عن حسرة الفقدان ودون ان يمهّد لي بذكريات أو يحاول ابهاري بمشاهدات عن الطبيعة ولون السماء الذي يتحول من الأزرق إلى البرتقالي.
قرأت فأعجبتني لا مبالاته وضجره، واستغبيت تهوّره وإطلاقه الرصاص على «العربي»، وددت مدركة عدم امكان تحقق ما وددت لو كان بإمكاني ان اغريه بفكرة الذهاب إلى مكان شمسه أقل وطأة وعرض عليه شرابا في كوب مليء بمكعبات الثلج. فأنا لا احب ان يتورط من يعجبونني بجرائم قتل. قرأت دون ان تجعلني قراءة هذا الحدث ابحث عن سبب عدم اعطاء العربي اسم فعلا. ومن دون ان افترض ان الكاتب كان يخبئ سبب ذلك. كان مقنعاّ لي عدم وجود اسم لأني كقارئة ولا للحظة تساءلت عن اسمه (وان كنت لن احفظه ككافة الأسماء)، اعجبتني المحاكمة التي لاحقاً فهمت ما اعجبني فيها «عبثيتها». اعجبني ايضاً ان البطل رفض ان يعانقه الكاهن، وما قرأت اثناء موجة غضبه تجاه الكاهن. ودون ان اجد ان غضبه كان كافياً ليطهّره. واحببت انه حتى بعد الغضب شعر ان العالم شبيه به وبلا مبالاته بدل ان يشعر برغبة بأن يكون مباليا كالعالم، ولا ينقصه الا مشاهدين يتلاءم مع نهايته المناسبة للامبالاته. واعجبني انه افاق بلحظة ما «وعلى وجهه نجوم».
قرأت الرواية دون ان اجدها مميزة لدرجة تجعلها من الروايات الأشهر عالمياً. احببت ما قرأت دون ان ارى «غريباً» في هذا «الغريب». اما حين قارنت بين قراءتي للرواية وبين ما سمعته وقرأته عنها شعرت بهوة بين الاثنين. كأني اقرأ واسمع عن رواية اخرى وانني يجب ان اعيد القراءة لأفهم كيف فهموا ما فهموه وعرفوا ما عرفوه في حين احسست ما احسست.
وكيف اجمع جميع من سمعتهم وقرأتهم ممن قرأوا الرواية على آراء مهنية كباحثين في تفكيك الرواية ودراستها ونقدها ومقارنتها مع روايات عصرها.
«اليوم، ماتت امي. اليوم أو امس، لست ادري».
جملة قصيرة. مباشرة. تخبرني ان للكاتب أما. وانها ماتت. وانه لا يدري متى ماتت على وجه الدقة. وتظهر بعض اللامبالاة أو تعسر وصول المعلومة الدقيقة له.
جملة سهلة ولا صبر لدي على الجمل المربكة.
انا اقرأ، لا أنقد. ولا احتاج ان اعرف أنواع الروايات والحبكات، أو قراءة مقارنات بين روايات الحقبات نفسها. قد احتاج معرفة هذه الأمور لأسباب معرفية أخرى. ولكن ليس لأحب رواية ما.
كما أني لا أريد ان أعرف الظروف السياسية أو الإجتماعية من كتب اخرى لأتمكن من فهم كتاب بين يدي. ولا اريد ان استخدم مادة تكشف ما كتب بين السطور بحبر سري لأعرف ان اشعر اتجاه ما اقرأ.
سأكتفي بالقراءة وان سئلت ان احببتها سأقول:
انها رواية جميلة. سلسة وقصيرة. تناسب مزاجي ولا مبالاتي. هيا نذهب لنشرب القهوة.

٭ كاتبة لبنانية

ما الغريب في رواية «الغريب»؟

رولا الحسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية