القاهرة ـ إسلام أنور: هناك ديكتاتور بالوراثة، وديكتاتور بالتطبيل، وديكتاتور عصامي يعتمد على نفسه أولا، للديكتاتور ألف شكل وأداء ورؤية، لكنهم جميعا يجتمعون على الحماقة كصفة اساسية، هذه المدونة من أجل الديكتاتور، تهدف لتصويره وتعريته وكشف ضعفه وتناقضاته ورؤيته الملتبسة. تهدف لكشف من يعيشون حوله ليصنعوا منه إلهًا أعظم. لكنها ايضًا مدونة عن خطاياه، عن ضحاياه، عن معارضيه». بهذه الكلمات أطلق الروائي والمترجم المصري أحمد عبد اللطيف بمشاركة عدد من الكتاب والمبدعين المصريين دعوة للكتابة والتدوين تحت عنوان «سرديات عن الديكتاتور» للتعبير عن آراء المبدعين المعارضين للنظام، مشترطين أن تكون الأعمال ذات جودة فنية عالية حتى لا يتحول الأمر إلى منشور سياسي بليد.
المدونة التي نشرت أول نصوصها بعنوان» أرض الدمامل « للروائي وجدي الكومي، وجدت صدى وترحيبا كبيرا في أوساط الكتاب والمبدعين الشباب ووصل عدد المتابعين لصفحتها على موقع التواصل الإجتماعي «فيسبوك» في الأيام الأولى لأطلاقها لأكثر من ألف متابع، تضم المدونة مجموعة من الأعمال المتنوعة ما بين قصصًا قصيرة وقصصًا قصيرة جدًا، ونصوصًا مفتوحة، وحوارات مسرحية متخيلة، وترجمات، وروايات عن الديكتاتور.
ترفع المدونة شعار المقاومة بالكتابة، ويطمح القائمون عليها إلى إيجاد سردية عربية تؤرخ للواقع المعاش، بعيدًا من تاريخ السلطة المزيف، كما حدث في أمريكا اللاتينية في سنوات الحكم العسكري والديكتاتورية، حيث لعب الأدب دورا مهما في التأريخ لهذه الفترة. يقول عبداللطيف: «بعد إنتهاء كل هذه الأحداث، سيجلس مؤرخو السلطة لكتابة تاريخ مزيف يخصهم. لذلك دور الأدب أن يرصد ويكتب الأحداث لكن بشروط فنية، وهذا هو الفرق بين كتابة الفن والتاريخ، ومثال على ذلك من يقرأ الآن رواية «خريف البطريرك» لماركيز سيكتشف الجمال الذي يسخر من الديكتاتورية، هذه رواية استطاعت أن تبقى كوثيقة عظيمة، وقد رحل الديكتاتور وبقي الأدب».
ويضيف عبد اللطيف في حديثه مع «القدس العربي» ان «هدف المدونة إعلان موقف صريح من الكتاب ضد السلطة والنظام السلطـــوي، وتوصيل رســـالة مفادها أننا «ضــــد القـــتل والتعذيب والمطاردات» ونستخدم وسائلنا في التعبير عن ذلك من خلال الكتابة والفن، وقد تم تشكيل مجلس تحرير للمدونة بصورة مبدئية يتكون من أحمد الفخراني وأحمد وائل وأحمد عبد اللطيف ونائل الطوخي وفي أنتظار ضم أسماء أخرى».
وأكد على أن الباب مفتوح لكل المبدعين المصريين والعرب لتطوير فكرة المدونة والمشاركة بأعمالها، مشيراً إلى أن هذه المدونة مشروع جماعي وليس حكرًا على مجموعة بعينها.
الذاكرة الحية
يقول الأديب المصري الراحل علاء الديب في كتابه الشهير «وقفة قبل المنحدر» ان «الإنسان المتحضر هو من يبقى تاريخه حياً، الأمم المتحضرة هي التي لا تدفن تاريخها ولا تكرر مآسيها»، من هذا المنطلق تبدو أهمية المدونة، بما تمثله من عملية حفظ للذاكرة التي تصر الأنظمة الديكتاتورية على محوها.
يشير عبداللطيف إلى ان المصريين يعيشون «لحظات جنونية وعبثية»، موضحاً ان «الروائي الشاب أحمد ناجي مسجون عامين بتهمة خدش الحياء العام لأنه كتب رواية أدبية، وهناك مئات الشباب المعتقل وعشرات من حالة الإختفاء القسري، بالإضافة للتعدي على الصحافيين والحقوقيين وأرهاب المواطن المصري». ومؤكداً أن القائمين على المدونة يعلمون جيدًا أنهم قد يتعرضون لمتاعب وملاحقات أمنية، مضيفًأ أن «سرديات عن الديكتاتور» صفحة ومدونة أدبية في نهاية المطاف، قررت أن «تواجه البطش بالفن، والقبح بالجمال».
وأكثر ما يميز المدونة كونها تأتي في لحظة فارقة، فبينما تستخدم السلطة المصرية كافة أشكال القمع والعنف من إعتقال وتعذيب وإخفاء قسري ضد القوى المعارضة، عبر «عسكرة» الشوارع والميادين العامة ووسائل الأعلام والجامعات وقطاعات الدولة كافة، ومطاردة الشباب في المقاهي وساحات التواصل الإجتماعي، تؤكد المدونة على إتساع دائرة المقاومة وهشاشة النظام، وتدعم حالة الحراك والتمرد التي يشهدها الشارع المصري في الأشهر الماضية ويقوده الشباب من جديد، مما يجعل رأس السلطة محاصرًا، كملك في طاولة شطرنج فقد كل خطوطه الدفاعية، وصار ينتظراللحظة التي يقول له الخصم «كش ملك».