الساعة الثامنة صباحاً تستيقظ الحياة في رصيف ميناء غزة، بعد ان كسته أشعة الشمس. أيمن العاصي، مهاجر فلسطيني من يافا، يجلس وفي يده صنارة خياطة. يحيك بها شِباك صيدٍ خضراءَ جديدة، بعد أنَّ استُنفدت شباكهُ القديمة آخر أنفاسها. أخذّ أيمن موقعه على أحدِ أطراف الرصيف. تأمل الأفق، وبدأ يحكي عن إحدى ذكريات الموت في رحلات الصيد. يقول أيمن: «عادةً نخرج من ساعات العصر إلى ساعات الفجر، وأحيانًا قد تمتد تلك الفترات لساعاتٍ أطول من الظهيرة». يصمت قليلاً، ثم يضيف: «وحده البحر ومزاج الأسماك هو من يحدد كل ذلك، برفقة أخوتي وأبنائهم نستقل مركبنا، نتفقد وقودنا وشباك الصيد وأضواء المركب ثم ننطلق».
يروي الشاب، انه قبل سبع سنين، وفي وقت كانت فيه غزة تعاني من أزمة وقود خانقة، «لم يكن باستطاعتنا الحصول على البنزين والسولار لتشغيل محركات المراكب. قمنا حينها بتحويل المحرك للعمل بالغاز، ولكن، وفي أثناء وجودنا في عرض البحر، وقد عزمنا وقتها على أن نرجع بعد أن قمنا باصطياد كمية وفيرة من الأسماك، كان المحرك قد تعطل. لقد كنا في مناطق لا تسمح قوات الاحتلال الإسرائيلي للصيادين بالتواجد فيها، ومكثنا مدة من الوقت لمحاولة إصلاح المحرك، ولكن دون جدوى، وما هي إلا دقائق حتى رأينا (الطراد) الإسرائيلي متجهًا إلينا.
بدأوا أولاً بإطلاق النار حولنا وفوق رؤوسنا، حمم من النار تصهل فوق الرؤوس، تجمد كل من في المركب من الخوف، استمر جحيم الرصاص لخمس دقائق، وتوقف بعدها ليبدأ الجنود بالنداء علينا، وأمرنا بخلع ملابسنا كاملة والقفز للماء، امتثلنا للأمر وقفزنا، لم نشعر بأجسامنا وقتها لشدة برودة المياه، بعدها قاموا بسحبنا إلى ظهر المركب، ومنه تم اقتيادنا إلى ميناء إسدود، وهناك تم التحقيق معنا ليوم كامل، وفي نهاية اليوم، قاموا بإلباسنا زي الجيش الإسرائيلي وتغطية أعيننا، كما عمدوا إلى تقييد أيدينا، وأقلونا في سيارة. لم نكن نعرف وقتها الوجهة التي كانوا يأخذوننا إليها، وصلنا للمكان، وأُنزلونا، أجلسونا حينها على الأرض مدة من الزمن، وأعيننا لا تزال معصوبة، ثم فتحوا باب، وتم دفعنا باتجاه الداخل، عرفنا وقتها أننا في معبر «إيرز» بعد تمكننا من إزالة ما على أعيينا من عُصب، واستمر المشي إلى وصولنا لمنطقة الارتباط الفلسطيني، وهناك بدأت رحلة أُخرى من التحقيق، بسبب ملابس الجيش الإسرائيلي التي تم إجبارنا على لبسها، هذا الحادث لا ينفك أن يذهب من ذاكرتي، كان يوم عصيب جدًا.
أيمن الذي بدأت علاقته مع البحر منذ عشرين عاماً يعتبر البحر حياته، إنه شغلهُ الشاغل، يقضي جُلَّ وقتهِ ممارسًا الصيد في مياهه. في البداية كان يعمل مع والده، والذي بدوره ورث مهنتهُ عن والده، جدِّ أيمن، هكذا هو الصيد، وراثة، أبًا عن جد.
أنهى أيمن حديثه معنا عن وضع الصيد هذه الأيام، بكل غصةً قال: «اليوم الواحد دوبه يجيب قوت يومه».
في سبيل «اللقمة»
محمد أبو جياب (22 عاماً)، منذ عمر الثانية عشرة بدأ في رحلة إغواء السمك. شق طريقه في سبر أغوار البحر، برفقة والده وأعمامه. كانت البداية أما الآن، فرفقاء الرحلة هم إخوته. الرحلة تبدأ عصر اليوم، يتفقد مع إخوته شباك الصيد، وخزان الوقود، يتبعها الانطلاق بالمركب في رحلة البحث عن لقمة العيش المرة.
محمد وكل صيادين غزة اليوم قد اعتادوا على الرشاشات الموجهة صوبهم، على تلك النيران التي تنهال عليهم يوميًا من جهة البوارج الإسرائيلية، كما اعتادوا أيضًا على ضخ المياه عليهم، ومصادرة أغراضهم، إلا أن هنالك أحداثًا لا يمكن نسيانها، يقول محمد:
قبل سنوات قليلة، وكنا وقتها نحو سبعة مراكب، في إحدى مناطق الصيد الجيدة على الحدود مع مصر، وبينما كان الجميع يردد ويغني «عندك بحرية يا ريس» ومن ثم «صلي على النبي»، هذه الأغاني التي تعتبر من طقوس الصيادين عندما يكون رزق الصيد جيدًا، إذ باغتتنا عدة مراكب تابعة للبحرية المصرية، أحاطت بنا من كل اتجاه، وبدأت تقترب أكثر فأكثر، حتى صاروا ملاصقين لمراكبنا، وقتها بدأ الجنود المصريون بالقفز إلى مراكبنا، وبدأت معركة حامية بيننا وبينهم، بعضهم في يده سلاح والبعض الآخر عصي خشبية، وانهالوا علينا ضربًا، حاولنا التصدي بكل ما يمكن للضربات، إلا أنهم تمكنوا من إخضاع واعتقال كل من في المراكب الستة الأخرى إلا مركبنا، حيث كنت أنا وعمي على ظهر المركب، فقمت بقطع شباك الصيد، وتشغيل المحرك، وعمي كان في رحاب معركة مع جنديين مصريين، ومع تشغيلي للمحرك، تمكن عمي من إلقائهم في البحر، وانطلقنا، وتمكنا من الهرب والنجاة منهم. هذه واحدة من معارك الموت التي يخوضها محمد ورفقاه في الصيد يوميًا، والتي ازدادت في الفترة الأخيرة، حيث إنه وبرفقة العديد من الصيادين، يضطرون للدخول والمخاطرة في المناطق التي لا يسمح الاحتلال للصيادين بالتواجد فيها، إلا أن لقمة العيش، هي من تدفع محمد والصيادين إلى هذه المخاطرة.
يتعرضون يوميًا لإطلاق النار، أو ضخ المياه، ومحاولات إغراق المركب، فما أن يصلوا تلك المناطق، ويبدأون برمي شباكهم، حتى يجدوا طرادات الاحتلال قد أصبحت بمواجهتهم، تبدأ بإطلاق النار حولهم، أو على محركات المراكب، ثم بعدها تبدأ بالمناداة عليهم، وأمرهم أن يلملموا شباكهم ويخلوا المكان خلال عشر دقائق، مع العلم أن عملية لمّ الشباك لوحدها تحتاج على الأقل لثلاث ساعات، فلا يكون أمامهم إلا قطع الشباك، والعودة خاليي الوفاض.
البحر على اتساعه ما هو في نظر الصياد الفلسطيني إلا قريةٌ صغيرة وجدت ليسوسها ويخوض عبابها على الرغم من كل ما يلقاه فيها. يبقى محافظًا على نزعتهِ العنيدة والتي اكتسبها من كونِهِ ابن البحر ذي الأمواج العاتية والتي تأبى التكسّر أو التراجع، إذ لا يتنازل عن حقوقهِ أو حتى عن مجرد الإبحار في مياهِ بحرهِ الذي ينتمي إليه ليعود لأولاده بخبز يومهم حتى لو كان أمامه الموت، الرشاشات وقطع الشباك.
غزة ـ محمود أبو ندى