بيروت «القدس العربي»: يعرف لبنان أسواقاً شعبية راسخة تجد لنفسها مساحة في المدن والبلدات الكبيرة منذ قديم الزمان. لم يكن لبيروت سوق مرتبط بيوم. فقبل الحرب الأهلية كانت تزدهر أسواق بمسميات متعددة في وسط بيروت، وأشهرها السوق الشعبي الذي جمع كافة الطبقات والذي عُرف بسوق النورية، دمره الاقتتال ومحاه الإعمار من الخريطة. مع السلام وإزالة خطوط التماس برز سوق الأحد في سن الفيل وتخصص في بيع الكثير باستثناء المواد الغذائية، وجذب الفئات الشعبية اللبنانية، العربية والأجنبية. سوق الطيب من ثمرات السلام، تخصص في المواد الغذائية والخضار العضوية وغيرها من المونة المنزلية. للسوق صيته الواسع، وبات مقصوداً من السائحين. يحتل هذا السوق مكاناً اسبوعياً كل يوم سبت في أسواق بيروت، وفي القنطاري يوم الأربعاء. صحيح أن قاصديه من الطبقة الـ»هاي» لكن مزارعيه لديهم مشروع التثبت بالأرض أو العودة إليها بعد أن هجرها جيل الأهل.
في مساحة مفتوحة في الهواء الطلق تنتصب خيم الباعة، وإلى جانبها طاولات وزبائن يتناولون طعام الفطور التقليدي منقوشة زعتر ولبنة وغيرها. هو سوق متقن التنظيم. حضور البائعات غالب. ولم يفت سيدة تعد مناقيش الزعتر على الصاج إحضار مساعدتها الأجنبية لتكون يدها اليمنى. في سوق الطيب منتجات كثيرة منسقة في أوعية زجاجية، أو أكياس بلاستيكية. تحتوي على كل ما يخطر في البال من أطايب المطبخ اللبناني من مربيات، مخلل، لبنة، كشك، برغل وغير ذلك. وللأعشاب المجففة حضورها، بعضها يزرعه الإنسان، والآخر من إنتاج الطبيعة.
مصنعو الصابون البلدي تفننوا في روائحه. مزج بالبابونج، حليب الماعز، العسل، حبة البركة، النخالة وصولاً إلى بودرة الذهب! كذلك أسهبوا شرحاً لفوائده العلاجية.
بين حلويات تيريز مرقص، المبتكرة مما كانت تصنعه الجدات، والمتناغمة مع مكافحة الكوليسترول، ومعجنات نديم روضة المصنوعة من القمح الكامل وزيت الزيتون وغيرها يتنزه المتسوقون ويستفسرون. بدأت تيريز عملها في العام الثاني للسوق. عرضت الصنوبر الذي تعمل به في بلدتها. ودخلت عالم المونة البلدية التي تتقنها. وتطورت مع الحلويات بدبس العنب والخرنوب. تقول: الحضور الدائم في السوق يؤسس لزبائن دائمين. أنشغل طيلة الأسبوع بالتحضير لسوق الطيب في الأسواق يوم السبت، وفي الجيفينور يوم الأربعاء.
عند خيمة تحمل شعار مملكة اللذاب نتوقف لنعرف موقعها؟ بعيدة مسافة نصف ساعة عن دير الأحمر في البقاع. مسافة ساعتين تقطعها الخضار المزروعة عضوياً للوصول إلى بيروت. صاحبة البسطة مارسيل جعجع تقول: مهما كان المناخ أحرص على الحضور كل يوم سبت حفاظاً على زبائني، فقد بدأت في تشرين الأول/اكتوبر 2010. أزرع ذاتياً بحثاً عن صحة عائلتي منذ زمن بعيد. ومن ثم كان سوق الطيب. العمل الزراعي يدعم البقاء في القرية ويعزز دخلنا كعائلة. أشكر سوق الطيب وإدارته، شخصياً عندي خمسة أبناء جميعهم يدرسون وأنا أرملة، وبفضل سوق الطيب تمكنت من الصمود.
من منتجات جعجع العضوية، التفاح، والكرز، والمشمش وغيره. إنتاج التفاح يذهب للتبريد ويعرض حتى حزيران/يونيو بالتدريج. وتقول جعجع: باقي الإنتاج نجففه أو نصنعه مربيات. جميع العائلة جاهزة للعمل الزراعي بعد الانتهاء من الدرس، فالمشروع الزراعي يلزمه تضافر جهود.
يسرد مدير سوق الطيب نقولا غلام تاريخ وبداية نشأة السوق سنة 2004 بمبادرة من كمال مْزوَق بهدف إيصال منتجات الريف إلى المدينة وفتح سوق تصريف للمزارعين. موقعه الأول بالقرب من متحف سرسق في الأشرفية، ثم مقابل برج الغزال، وكان الانتقال في 2012 إلى أسواق بيروت حيث نحن الآن. بلدية بيروت ترحب بنا دون ضرائب كوننا جمعية خيرية لا تبغي الربح، وهم يقدمون الأرض والكهرباء، ونحن نحضر كافة حاجاتنا اللوجستية التي يتقاسم بدلها الجميع.
في متغيرات سوق الطيب منذ 12 سنة حتى الآن أنه بدأ بيعاً للخضار، المونة والمنقوشة، ومن ثم دخلته أصناف المعاصرة كما القلوبات والحلويات العصير وغيرها. هناك اصرار على الحفاظ على الأساس مع تطويره وتحديثه من حيث عنصر الجذب. يقول غُلام: في السوق حالياً شوكولاته عضوية. وليس بالضرورة أن تكون كافة المعروضات عضوية، إنما نسبة 80 في المئة من منتجات السوق خالية من أي مواد كيميائية، وما تبقى إنتاج بلدي غير تجاري. الإعلان واضح للمستهلك بين ما هو عضوي وغير عضوي. العضوي يُعرض تحت يافطة ذات لون أخضر، والمنتجات الأخرى تحت يافطة صفراء.
انطلق سوق الطيب بخمسة يعرضون إنتاجهم، وهم الآن 110. العدد غير ثابت، فثمة مزارعون لهم منتجاتهم الموسمية. وفي الخريف يكثر العارضون والزبائن معاً في السوق. في سياق العلاقة بالسوق هناك من يتوقف عن المشاركة لثلاثة أشهر لعدم توفر الإنتاج. وفي المواسم يصل عدد المشاركين في اليوم الواحد إلى 75.
في محاولة التمييز بين الخضار العضوية وغير العضوية يشرح نقولا غُلام: غير العضوي يعتمد أساليب زراعة صحية إنما يستبدل السماد العضوي بآخر كيميائي. في الزراعة العضوية يمكن القطاف مرتين اسبوعياً، وغير العضوية ثلاث مرات. وماذا عن الأسعار؟ سوق الطيب مرتفع البدل قياساً إلى غيره. وهو في متناول أصحاب الدخل المرتفع. وليس لدى المنتجين في سوق الطيب الكثير من البضاعة بهدف تخفيض سعر القطعة. هو إنتاج يدوي لا يعرف الآلة ومن الطبيعي أن يكون بدله أغلى. يوافق غُلام أن مرتادي هذا السوق يشعرون بالتميز وهذا ما حصل بمرور الزمن وبطريقة غير مباشرة. ويؤكد رداً على سؤال أن الطبقة المرتاحة مادياً في لبنان تقصد سوق الطيب على قدميها، فلا «ديليفري» عندنا. ويقول: ليس من أهداف سوق الطيب بيع الطعام، بل جمع الناس ومن كافة مناطق لبنان، ولهذا كان هذا المكان في أسواق بيروت خيارنا. مكان يتيح التفاعل، وبدءاً من أيلول/سبتمبر يتضاعف عدد رواد السوق ومنهم من يأتي لتمضية الوقت على ترويقة مع الأصدقاء. المتسوقون يأتون باكراً ويرحلون حيث تتوافر الخضار بدءاً من الخامسة صباحاً، ويفتح السوق في التاسعة.
شابان يقبلان إلى نقولا غُلام، يقول أحدهما: غسان صاحبنا يعتمد اسلوب الزراعة عينه، وإنتاجه الليمون والموز وغيره. ويتابع غسان شرح مبتغاه: أريد عرض بعض المنتجات لديه، ومع بدء موسم الليمون سوف استأجر طاولة. سريعاً رد غُلام: يللا.
هما شابان في مقتبل العمر ليس لنا أن نقرأ فيهما عملاً زراعياً أسأل أحدهما اسمه فيقول رائد الشامي ويطلب اسمي. لماذا تزرع؟ الجواب: لأنه الحل الوحيد للعودة إلى الأرض. اسبوعياً أقصد سوق الطيب من جرود جبيل. أجدادي كانوا مزارعين، إنما جيل والديَ هجر الضيعة. أحاول بالتدريج أن يصبح وجودي راسخاً في الضيعة والأمل موجود. أما غسان السلمان من عدلون فيقول أن اسلوب الزراعة المستوحى من الطبيعة هو الذي جمعه في سوق الطيب مع رائد، أي أن الأرض تتغذى بما ينتجه ولا يدخلها أي عنصر من الخارج. وهكذا تحافظ على غذائها، وتوازن الحشرات فيها. يحمل غسان إجازة في إدارة الأعمال. يقول: عدت إلى الجامعة لدراسة الزراعة. حالياً استثمر في أربعة دونمات ونصف من الأرض هي ملك العائلة. حالي من حال رائد جيل والديَ ترك الأرض إلى المدينة حين بدأ الاقتصاد العالمي يلغي الأرض ويبحث عن وظيفة للعيش، بينما زراعة الأرض لها أن تؤمن العيش. نكافح كي نستمر، والوعي بدأ ينتشر لدى المزارعين في تغيير أسلوب الزراعة. في زراعتي أعتمد على روحي لأنجح كما اعتمد على العلم. الأرض تحتاج لمن يحبها. أنا وغيري في هذا السوق حالة فريدة. نزرع منفردين بينما غيرنا يعتمد على اليد العاملة من سوريا. المفيد في سوق الطيب أن الإنتاج يصل مباشرة من المزارع إلى المستهلك دون وساطة.
نمازح غسان 27 سنة ورائد 30 سنة بالسؤال: هل تحب الفتيات الشاب الذي يعمل في الأرض مزارعاً؟ الجواب: من تحب الأرض ستحب المزارع.
زهرة مرعي