خصومة خسرها الأدب العربي

حجم الخط
1

 

كنت أتمنى لو اصطدم العقاد بطه حسين أو طه حسين بالعقاد في قضية ما، إذن لأعطت المعركة بينهما الكثير من الثمار التي كان يمكن أن يفيد منها الأدب العربي الكثير. فلا شك أن الصدام بين عميدي الأدب العربي وبين رأسين كرأسي العقاد وطه حسين، كان سيحدث ضجة لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائجها. ثمة خصومة قديمة لم تؤت ثمارها في تاريخ الأدب العربي، ألا وهي الخصومة بين أبي العلاء المعري وداعي الدعاة، انسحب منها أبو العلاء المعري لأسباب سياسية واتفق الطرفان على الصمت بعد جدل قصير، أو لعل ياقوت الراوي شاء أن يختصر الخصومة وأن يزعم أنهما اتفقا على الصمت. كم كانت هي الأخرى معركة مفيدة ومثمرة وخطيرة النتائج.
على أن الصدام بين العقاد وطه حسين كاد يحدث حين كتب العقاد عن الخيال في رسالة الغفران فقال: «.. أما أن يُنظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحي الشعري على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التى يفتن فى تمثيلها الشعراء، والقصص التي يخترعونها اختراعاً، وينظر إليها كأنها عمل من أعمال توليد الصور وإلباس المعاني المجردة لباس المدركات المحسوسة، فليس ذلك حقاً وليس في قولنا هذا غبن للمعري أو بخس لرسالة الغفران، كلا ولا هو مما يغضب المعري أن يقال هذا القول في رسالته».
هذا في نفس الوقت الذي يؤكد فيه العقاد أن رسالة الغفران «نمط وحدها في آدابنا العربية وأسلوب شائق ونسق طريف فى النقد والرواية وفكرة لبقة لا نعلم أن أحداً سبق المعري إليها، اللهم إلا إذا استثنينا محاورات لوسيان فى الأولمب والهاوية، وفذلكة جامعة لاشتات من نكات النحو واللغة. ذلك تقدير حق موجز لرسالة الغفران».
واستفزت هذه الكلمة الدكتور طه حسين البارد الأعصاب، فكتب يقول: «.. ولكن الذي أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة هو زعمه في فصل آخر أن أبا العلاء لم يكن صاحب خيال حقاً في رسالة الغفران. هذا نكر من القول لا أدري كيف تورط فيه كاتب كالعقاد. نعم إن العقاد كاتب ماهر يحسن الاحتياط لنفسه، فهو بعد أن أنكر الخيال على أبي العلاء عاد فأثبت له منه حظاً قليلاً. ولكنه يستطيع أن يخدع بهذا الاحتياط قارئاً غيري، أما أنا فلن أنخدع له، فهو ينكر على أبي العلاء أن يكون شاعراً عظيم الحظ من الخيال في رسالة الغفران، (سنة سودة) كما يقول العامة. وهل يعلم العقاد أن دانتي إنما صار شاعراً نابغة خالداً على العصور والأجيال واثقاً من إعجاب الناس جميعا بشيء يشبه من كل وجه رسالة الغفران هذه. استغفر الله إن من الأوروبيين الآن من يزعم أن شاعر فلورنسا قد تأثر بشاعر المعرة قليلاً أو كثيراً».
والسؤال هو: ما مدى التوفيق الذي أصابه كل من العقاد وطه حسين في فهم رسالة الغفران؟ هنا نموذج لإمكانية الصدام بين الطبيعة العقلانية للعقاد والطبيعة الفنية لطه حسين. ومهما يكن الأمر فإن طه حسين فنان مفكر أكثر منه مفكراً فناناً، بينما العقاد مفكر فنان أكثر منه فناناً مفكراً. وأقرب الأشياء إلى الطبائع أن يفهم العقاد ما يعجز عنه طه حسين مهما كانت الصلة النفسية والروحية بين طه حسين وأبي العلاء المعري. بل إني كثيراً ما أشك في فهم طه حسين لأبي العلاء وبالذات لرسالة الغفران، مع أن رسالة الغفران ـ وفي إحدى فقراتها على التخصيص ـ تشكل المنبع أو الأصل الذي استقى منه طه حسين فكرته في كتابه الشهير «في الأدب الجاهلي»، ومن السذاجة أن يؤخذ عمى طه حسين واشتراكه معه في محبسه أو محبسيه دليلاً على قدرة طه حسين في فهم أبي العلاء. فقد يشترك اثنان في عاهة دون أن يشتركا في الفكر. إن قراءة واحدة لـ»صوت أبي العلاء» لطه حسين تدلل على أنه أبعد كثيراً من أبي العلاء في الفكر وفي الطبيعة وفي الآفاق. لم يكن إذن طه حسين بأقدر على فهم أبي العلاء من العقاد العقلاني. ولا يمكن تخيّل أن العقاد أخطأ في فهم رسالة الغفران حيث نجح طه حسين. وفهم رسالة الغفران بالذات يحتاج إلى الطبيعة العقلانية لدى العقاد أكثر منه إلى الطبيعة الفنية لدى طه حسين، مهما كان القرب المزعوم لطه حسين من أبي العلاء المعري.
على أن العقاد باعتراف طه حسين لم ينكر تماماً الحيال في رسالة الغفران، وإنما أثبت لأبي العلاء ـ على حد تعبير طه حسين ـ حظاً منه. إنما أنكر فقط أن تكون نفحة من نفحات الوعي الشعري التي يفتن في تمثيلها، أي ليست مسرحية كما أنها ليست قصة أو رواية. ولكن العقاد في تعليقه الموجز على رسالة الغفران لم يقل لنا إذن ما هي. إنها ليست قصيدة من القصائد الكبرى (التي يفتن في تمثيلها الشعراء)، وليست قصة. نعم. ولكن يا أستاذنا العقاد ما هي؟ وما عساها أن تكون؟ هنا، كأنما اتفق العقاد مع نفسه على الصمت الذي اتفق عليه داعي الدعاة وأبو العلاء أو المؤرخ ياقوت لأسباب في نفس العقاد أو في نفس أبي العلاء أو في نفس يعقوب! فما عساها تكون بواعث هذا الصمت؟
لم يكن العقاد عاجزاً عن الرد على طه حسين، خاصة وأن طه حسين أخطأ فهم العقاد وقوّله ما لم يقل. إذن لابد أن تكون بواعث الصمت لدى العقاد أقوى من بواعث القول والإضافة والشرح، تماماً كبواعث الصمت لدى أبي العلاء، خاصة إذا تذكرنا أن أبا العلاء لم يكن يناقش داعي الدعاة بقدر ما كان ينسحب من المناقشة خطوة بعد خطوة في كل مرة تجددت الرسائل بينهما. يريد للمناقشة أن تنتهي ويريد لنفسه النجاة من الفخ المنصوب له ـ فيما كان يظن ـ ويريد لداعي الدعاة أن يتركه وحاله وألا يجره إلى حديث لا تحمد مغبته، خاصة وأن الظاهر أن داعي الدعاة قد أحسن فهم أبي العلاء.
رسالة الغفران إذن عمل سياسي قبل أن تكون شيئاً آخر والكلام فيها ضرب من السياسة وخوض في صميمها في كل عصر. ولقد قلت مراراً إنها برنامج سياسي أو خطة عمل، أو بالتعبير الحديث «مانفستو»، ومن هنا خطورتها وخطورة الحديث فيها. ومن هنا أيضاً اتفاق كل من داعي الدعاة وأبي العلاء وياقوت على الصمت، ومن هنا آخراً الفرق بين الطبيعة العقلانية والطبيعة الفنية حين تغلب الأولى الأخيرة أو العكس. وهنا يتجلى ظلم النقاد للعقاد، وما أكثر المظالم التي تعرض لها العقاد حياً وميتاً، ولكن هذا موضوع حديث آخر.

«الدوحة»، العدد 7، تموز (يوليو) 1977

آه يا ليل يا قمر…!

لعلّ الشاعر والكاتب المسرحي المصري (1932 ـ 1978) أحد ألمع النماذج على شخصية المبدع العضوي، نظير المثقف العضوي، في الثقافة المصرية الحديثة والمعاصرة؛ سواء من حيث الالتزام بالقضايا الإنسانية في السلوك والفنّ معاً، أو ربط الكتابة بالممارسة السياسية، وسداد الأثمان الباهظة لقاء الدفاع عن الحقّ والكرامة والحرية.
كان مسرحياً رفيع الموهبة، وبالتالي أتيحت له الفرصة تلو الفرصة كي يركب الموجة وينتج فناً هابطاً، أو حتى جيداً، ولكن دون المساس بالسلطة، ودون التصدّي للاستبداد والمظالم؛ كما فعل كثيرون من مجايليه، خاصة في المسرح والشعر. لكنه اختار النقيض، أي الموقع الأكثر شرفاً وصدقاً وأمانة مع الذات والوطن والأهل، فلم تقصّر الأجهزة السياسية والأمنية في التنكيل به: من إلغاء البعثة، في الاتحاد السوفييتي؛ إلى النفي القسري، في المغرب، مروراً بالسجن والاضطهاد المباشر في عهدَي جمال عبد الناصر وأنور السادات معاً؛ وصولاً إلى الزجّ في مستشفى للأمراض العقلية!
عمر قصير، بالقياس إلى إنجازات كبرى في ميدان المسرح وحده: «ياسين وبهية»، «يا بهية وخبريني»، «ألو يا مصر»، «ميرامار»، «الكلمات المتقاطعة»، «الحكم قبل المداولة»، «البيرق الأبيض»، «ملك الشحاتين»، و«آه يا ليل يا قمر»؛ بالإضافة إلى «الذباب الأزرق»، المسرحية الممنوعة التي تناولت موضوعة أيلول الأسود في الأردن. وكان ميدان التحرير، الذي صار شهيراً اليوم، قد شهد «انتفاضة» من نوع خاصّ ومختلف، حين وقف فيه ، وأدّى الدور الذي شاءت السلطات أن تمنعه من أدائه، حاملاً طفله، وهاتفاً: مين يشتري الورد منّي!
في الشعر يحفظ له مصريون كثر رباعياته الهجائية الشهيرة، التي استخدمت لغة جنسية مقذعة ومكشوفة، من باب تسمية الأشياء بأسمائها؛ كما تُحفظ له قصائد «لزوم ما يلزم»، و«بروتوكولات حكماء ريش»، و«الطوفان الكبير» و«فارس آخر زمن»، بالعامية أسوة بالفصحى. لكنه كتب في النقد الأدبي أيضاً، وله عمل متميز عن أبي العلاء المعري، وعشرات الدراسات في المسرح والممثل والدراما والآداب العربية والعالمية.

خصومة خسرها الأدب العربي

نجيب سرور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية