الاقتصاد تفوق على السياسة.. رجل أعمال أعاد العلاقات الروسية التركية والاقتصاد الرابح الأكبر

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: يبدو الاقتصاد الرابح الأكبر حتى الآن من إعادة العلاقات الروسية التركية لا سيما وأنه كان المتضرر الأكبر من تدهور العلاقات طوال الأشهر الماضية بعد أن تكبد البلدان خسائر وصلت إلى عشرات مليارات الدولارات، الأمر الذي دفع رجال الأعمال للتحرك من أجل العمل على الحد من هذه النتائج الكارثية.
وفي هذا الإطار، كشفت وسائل إعلام تركية عن دور جوهري وحاسم لعبه أحد كبار رجال الأعمال الأتراك في التمهيد لتطبيع العلاقات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى أن تكللت جهوده بالنجاح عقب قبول بوتين لرسالة «الحزن» أو «الاعتذار» التي وجهها أردوغان، ولقاء الزعيمين في روسيا قبل أيام عقب الاتفاق على إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الأزمة والتعاون في العديد من الملفات والمجالات الإستراتيجية.

الاقتصاد نجح بما فشلت به السياسة

الصحافي التركي مراد يتكين نقل في مقال له في صحيفة «حرييت ديلي نيوز» عن مصادر تركية رسمية ما أسماها تفاصيل وخفايا التقارب التركي الروسي، مشيراً إلى أن رجل أعمال تركيا ورئيس كازاخستان نور سلطان نزار باييف كان لهما الدور الأبرز في هذا الإطار.
وبحسب الكاتب، فإن رجل الأعمال التركي جاويد تشغلار، أحد كبار المستثمرين في مجال الأقمشة في جمهورية داغستان وله تاريخ سياسي في تركيا، تمكن من خلال علاقاته الشخصية مع رئيس الأركان التركي خلوصي أكار وأحد المسؤولين في كازاخستان من فتح قنوات اتصال مع الرئاسة الروسية والتوصل إلى صيغة الحل التي تم بموجبها إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين.
وتركزت المساعي في أيامها الأخيرة بين إبراهيم كالِن المتحدث باسم الرئاسة التركية والشخص المسؤول عن الاتصال بالدبلوماسي الروسي يوري أوشاكوف أحد مساعدي بوتين، ورجل الأعمال التركي، بوساطة شخصية من رئيس كازاخستان إلى أن توصل الجانبان إلى صيغة للرسالة التي وجهها أردوغان إلى بوتين.
وبناء على هذه الخطوة، التقى أردوغان وبوتين في روسيا، الثلاثاء، واتفق الجانبان على تجاوز الخلافات وتحسين العلاقات كما كانت عليه قبيل أزمة إسقاط الطائرة على الحدود مع سوريا، وتعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين.
تصنف روسيا على أنها ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا، كما تزود أنقرة بأكثر من 55٪ من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى أن السياحة الروسية إلى تركيا بلغت عام 2014 أكثر من 5 مليون سائح، وهي أرقام تؤشر لحجم الضرر الذي لحق بالجانبين خلال الأزمة.
بينما تعد تركيا أكبر خامس شريك تجاري لروسيا بحصة تبلغ 4.6٪ من إجمالي التجارة الخارجية الروسية، وذلك بحسب بيانات إدارة الجمارك الروسية. حيث بلغ التبادل التجاري بين موسكو وأنقرة في العام الماضي 31 مليار دولار. وتعد أنقرة ثاني أكبر مشتر في العالم للغاز الطبيعي الروسي بعد ألمانيا.
بعد الأزمة انخفض مستوى التجارة بين البلدين حيث تفيد أرقام أعلنها الكرملين أن المبادلات التجارية بين البلدين تراجعت بنسبة 43٪ إلى 6،1 مليار دولار (5،5 مليار يورو) بين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو الماضيين، وهو سبب آخر دفع روسيا التي تعاني من العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط إلى التجاوب مع المساعي التركية لإعادة العلاقات الاقتصادية إلى سابق عهدها.
وأكد وزير الجمارك التركي بولنت تفنكجي، الأربعاء، أن بلاده خسرت صادرات بقيمة مليار دولار خلال الشهور السبعة الأولى من العام بسبب الأزمة الدبلوماسية التي نشبت مع روسيا. 

التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أكد أن إعادة العلاقات التجارية بين البلدين إلى مستواها السابق سيستغرق «بعض الوقت» ويتطلب «العمل الشاق» أكد أن بلاده تتطلع إلى إلغاء سلسلة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على أنقرة، فيما أكد أردوغان أنه وبوتين جددا التزامهما بهدفهما للوصول بحجم التجارة الخارجية بين البلدين إلى 100 مليار دولار.
وفي لقاء رجال أعمال البلدين، قال: «لقد تجاوز الحجم السنوي للتبادل التجاري الثنائي بين البلدين عام 2014 أكثر من31 مليار دولار، وخلال السنوات الأخيرة ولأسباب معروفة، شهد حجم التبادل التجاري الثنائي انخفاضا كبيرا، حيث تراجع خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2016 بمقدار النصف إلى 6 مليارات دولار، وملأت الشركات الروسية والأجنبية مكان الشركات التركية التي كانت تعمل في روسيا».
وأشار إلى أن «قطاع الإنشاءات يشكل صلب العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا ومستعدون لإحياء التعاون في هذا المجال». لافتًا إلى أن الشركات التركية أنجزت خلال السنوات الـ 20 الماضية، نحو ألف و500 مشروع في السوق الروسية، بتكلفة بلغت 55 مليار دولار.
من جهته، رأى وزير الاقتصاد الروسي اليكسي يوليوكاييف أن إعادة الـــعــلاقات التــجــــارية بين البلدين إلى مستوى ما قبل الأزمة قد يستغرق عامين.
الأنباء الإيجابية انعكست مباشرة على الأسواق التركية وسعر صرف العملة، حيث حققت الليرة التركية ارتفاعا في أسعار الصرف مقابل الدولار الأمريكي، ويتوقع المحللون مواصلة انتعاش سعر الليرة أمام الدولار، متأثرا بتحسن العلاقات التركية الروسية.
والأربعاء، بدأت الخطوط الجوية التركية رحلاتها من مطار «بولكوفا» في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية إلى مدينة أنطاليا التركية في محاولة للاستفادة من قرار روسيا رفع الحظر عن السياحة إلى تركيا.
ومع بوادر تحسن العلاقات بين البلدين ألغى بوتين الحظر على توجه الروس في رحلات إلى تركيا، وأشار إلى أن موسكو ستنهي الإجراءات ضد واردات الغذاء التركية وشركات البناء. وذلك بعد أن تراجع عدد السياح الروس إلى تركيا بنسبة 93٪ في حزيران/يونيو بالمقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي.

البحث عن أسواق جديدة

في كلمة له الأربعاء أمام مجلس مصدري تركيا أكد رئيس الوزراء، بن علي يلدريم، أن «محاولة الانقلاب كشفت صديقنا من عدونا، وبان كل شيء مثل ورقة عباد الشمس؛ لذا يجب علينا إيلاء الأهمية لتنويع أسواقنا، كي لا نعيش مشاكل في المستقبل»، داعياً المصدرين الأتراك إلى البحث عن أسواق جديدة.
ويحاول أردوغان التأكيد على تعافي الاقتصاد التركي رغم الأزمات الأخيرة ومحاولة الانقلاب، وقال الخميس: «نعمل على تعزيز اقتصادنا وتطويره دون انقطاع، وفي مقدمته تعويض الانكماش الذي شهده قطاع التصدير.. حجم الصادرات خلال الأشهر الـ7 الأولــى من الـعام الحالي بلغ 80.5 مليار دولار».
كما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو: «سنمضي قدماً في اتخاذ خطوات من شأنها تعزيز علاقات البلدين التجارية، وسنزيل بعض العقبات التي كانت تقف أمام التجارة. العام الماضي انخفض مستوى تجارتنا إلى 43٪ لذا علينا رفع مستوى التبادل التجاري فيما بيننا، وهدفنا تحقيق 100 مليار في حجم علاقاتنا التجارية». لافتاً إلى أن رجال أعمال البلدين قرروا تشكيل «صندوق الاستثمار المشترك التركي- الروسي» من أجل الخوض في مشاريع ضخمة.
وأشار إلى أن رجال أعمال روس يرغبون في الاستثمار مع أقرانهم الأتراك إلى جانب أتراك يرغبون الاستثمار في روسيا، مؤكداً أن قرار زيادة تعاون بلاده مع روسيا في مجال الصناعات الدفاعية لا يعتبر خطوة ضد حلف الناتو.
وبالتزامن مع التطورات الاقتصادية مع روسيا أعلنت تركيا أنها تستعد لإنشاء أول صندوق سيادي في تاريخها، لدعم مشاريعها الإستراتيجية والتنموية طويلة الأمد، بتمويل منخفض التكاليف ويتبع مباشرة لمكتب رئيس الوزراء.

خط «تركستريم»
لنقل الغاز الطبيعي

كما أن من المفترض أن يستأنف العمل في المشاريع الإستراتيجية بين البلدين وأبرزها خط أنابيب الغاز «تركستريم» الذي يصل إلى أوروبا من تركيا، ومحطة الطاقة النووية التي تبنيها روسيا في تركيا، وهما أكبر مشروعين توقفا عقب أزمة الطائرة.
وقال أردوغان انه يريد الآن أن ينفذ مشروع «تركستريم بالسرعة الممكنة» بينما قال بوتين إن العمل في المشروع قد يبدأ «في المستقبل القريب».
وحدّدت الحكومة الروسية، النصف الثاني من عام 2019 موعدًا للبدء بإنشاء مشروع السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، وقال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، في تصريح صحافي، إن وزارته ستكون على اتصال مستمر مع نظيرتها التركية لبحث السبل التي من شأنها أن تساهم في تطوير المشروع بشكل أكثر.
وقال الوزير الروسي: «في الوقت الراهن، من المقرر أن يتضمن المشروع (السيل التركي) على خطين لنقل الغاز، ولكن كل شيء ممكن من الناحية النظرية»، في إشارة إلى إمكانية زيادة عدد الخطوط.
وكانت روسيا أعلنت أوائل كانون الأول/ديسمبر 2014، عن إلغاء مشروع خط أنابيب «السيل الجنوبي» أو «ساوث ستريم» الذي كان ينبغي أن يمر تحت البحر الأسود وعبر بلغاريا لتوريد الغاز إلى جمهوريات البلقان والمجر والنمسا وإيطاليا، وتم التخلي عن المشروع بسبب موقف الاتحاد الأوروبي الذي يعارض ما يعتبره احتكارًا للمشروع من شركة الغاز الروسية «غاز بروم» وبدلًا عنه قرر مد أنابيب لنقل الغاز عبر تركيا «السيل التركي» يصل حتى الحدود مع اليونان، على أن يتم هناك إنشاء مجمع للغاز لتوريده فيما بعد للمستهلكين جنوب أوروبا.
وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على استعداد بلاده لاتخاذ الخطوات اللازمة فيما يخص تنفيذ مشروع «السيل التركي» مذكراً بأن روسيا تمتلك الحصة الأكبر بين قائمة الدول التي تصدر الغاز الطبيعي إلى تركيا حيث استوردت 12،5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في الفترة ما بين (كانون الثاني/ يناير- تموز/يوليو) لافتا إلى أن هذه الكمية تعتبر مؤشرا على أن تركيا تعد روسيا شريكا مهما من الناحية الاقتصادية.

الاقتصاد تفوق على السياسة.. رجل أعمال أعاد العلاقات الروسية التركية والاقتصاد الرابح الأكبر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية