بريطانيا في أزمة ونحن الآن في حاجة إلى حزب عمال قوي وموحد. لذلك نرسل اليوم هذه الرسالة إلى جيريمي كوربين: أنت رجل محترم، ولكن لمصلحة حزبك، وبلدك، ”إرحل الآن”. هكذا عنونت الصحيفة الناطقة بإسم حزب العمال افتتاحيتها في أعقاب تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. موقف الصحيفة هذا أتى مطابقا لمعظم نواب حزب العمال الذي يخوض، منذ إعلان نتائج الاستفتاء، معركة داخلية مريرة بشأن زعامته، وهويته الهيكلية والايديولوجية، مع أغلبية حريصة على التخلص من كوربين، والتي تحمله مسؤولية فشل حملة البقاء وتعتبره عاجزا عن الفوز في الانتخابات في ظـــل الانقـــسامات الداخلية التي يشهدها الحزب.
وفي حين تواجه المملكة المتحدة أكبر أزمة لها منذ عقود، ذلك هو أيضا حال حزب العمال، خاصة بعد التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي وتصويت النواب على مذكرة لسحب الثقة من كوربين واستقالة ثلثي أعضاء حكومة الظل العمالية وبينهم انجيلا ايغل. ويحاول كوربين، المنبثق من الجناح اليساري للحزب، مقاومة الضغوط المطالبة برحليه رغم وقوف غالبية نواب الحزب ضده ورفض محكمة بريطانية طعنا قانونيا على قرار الحزب السماح لزعيمه بالترشح تلقائيا في السباق المقبل. ويبرر عدد كبير من الداعين لرحيل كوربين بأن حزب العمال موجود لتحسين حياة العمال الذين يطالبون برفع الأجور وتحسين السكن والمدارس والخدمات الصحية، والمزيد من العدالة والفرص للجميع، في حين أن زعيم الحزب ”أثبت عدم قدرته على القيام بأهم واجباته، وهو قيادة حزب عمالي برلماني منظم وفاعل” بسبب اصراره على أن يكون ”يساريا أكثر من اللازم”. وكذلك هي قناعة الكثير من قيادات الحزب الذين باتوا يقولون أن ما تفتقده بريطانيا حاليا هو ”حزب وسطي كبير”، يحل محل «المحافظين» و»العمال».
ولكن لتحقيق ذلك التغيير الذي تشتد الحاجة إليه في هذا الوقت الصعب الذي تمر به بريطانيا، بعد سنوات من السياسة التقشفية لحزب المحافظين، يعتقد بعض المحللين أن الحزب يجب أن يكون في كامل قوته وأن يعكس الجو العام في بريطانيا. ويقول الإعلام المعارض لكوربين أن أولئك الذين لديهم تعاطف مع جدول جيريمي يجب أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان هو الرجل المناسب لإنقاذ بريطانيا من أزمتها الراهنة وعن السبب الذي دفع أغلبية نواب الحزب، من جميع الأطراف، للمطالبة برحيله. ويرى معارضو كوربين أن تمسكه بالسلطة على نحو متزايد يبدو عملا فارغا. ويعتقد هؤلاء أنه مع إقتراب الانتخابات العامة، فإن أفضل أمل لحزب العمال للنهوض مجددا هو اختيار زعيم جديد. ومن هذا المنطلق، يعتقد عدد من النواب أن النائب والصحافي السابق في هيئة الإذاعة البريطانية اوين سميث، يمكن أن يوفر بديلا «راديكاليا وذا مصداقية»، ويمكن أن يقود الحزب، على عكس كوربين، إلى تولي الحكومة. وسميث يتمتع بدعم عدد كبير من النواب داخل البرلمان خاصة بعد تحذيره من أن الحزب «على حافة الهاوية»، وأن الكثيرين داخل «العمال» باتوا يعتقدون أن انشقاقه بات «حتميا». ومن المقرر أن يبدأ الحزب في انتخاب زعيم جديد في وقت لاحق من الشهر الجاري.
وفي الحديث عن التحديات التي تواجه الحزب، تشكل العولمة (الاتصالات والتكنولوجيا والتجارة والمعلومات) تحديا كبيرا للعمال بعد التصويت لصالح الخروج من الإتحاد الأوروبي. ذلك أنه سيكون على البرلمان التصويت على الصفقات التجارية وقضايا الهجرة، والتي سوف تؤدي إلى تفاقم الانقسامات داخل الحزب. وتنعكس تداعيات هذا القلق في أوساط فرق الحزب الرئيسية -في لندن والمناطق التي تسكنها الطبقة العاملة في شمال ووسط البلاد – حيت بات من الواضح أن ناخبي حزب العمال في العاصمة يدعمون مزيدا من الانفتاح واستقبال أوسع للمهاجرين، في حين أن ناخبيه في الشمال هم أكثر قلقا بشأن حماية الوظائف وآثار الهجرة السلبية. وهذا الانقسام هو تحديدا أبرز ما يواجه الحزب من تحديات في أزمة هويته.
كوربين يقاوم
ويواجه كوربين الاتهامات والتحديات بتأكيده بأن لديه الحق في البقاء بتفويض من أعضاء الحزب خاصة أنه يحتفظ، مما لا شك فيه، بتأييد عدد كبير من النشطاء وأعضاء الحزب. وهو يحاول، من خلال ذلك، دعوة أعضاء حزب العمال، للتوحد ضد حزب المحافظين الحاكم مؤكدا أن الحزب قادر على الفوز في الانتخابات العامة تحت قيادته. وكشف كوربين مطلع هذا الاسبوع عن خطة بقيمة 500 مليار جنيه استرليني لـ»إعادة بناء» المملكة المتحدة قبل معركة زعامة حزب العمال. وفي كلمة ألقاها في لندن، كشف عن الخطوط العريضة لعشرة تعهدات لنموذج اقتصادي مضاد للتقشف يهدف إلى خلق مليون فرصة عمل من خلال برامج الاستثمار. كما سيعلن كوربين عن خطط استثمار بقيمة 250 مليار مخصصة لبنك الاستثمار القومي والبنية التحتية للنقل والاتصالات في المملكة المتحدة. ومن جهة أخرى، كسب خمسة أعضاء جدد في حزب العمال البريطاني الاثنين، معركة قضائية في المحكمة العليا، بشأن حقهم في التصويت في الانتخابات المقبلة على زعامة الحزب.
واتهم الأعضاء الجدد اللجنة التنفيذية العامة للحزب بـ»تجميد» تصويتهم، بطلبها منهم أن تكون لديهم عضوية مستمرة لمدة ستة أشهر، حتى 12 تموز/يوليو الماضي. وذلك على الرغم من أن الحزب كان أعطى فرصة لاعضائه بدفع 25 جنيها استرلينيا (33 دولارا) خلال الفترة بين 18و20 من تموز/يوليو الماضي، حتى يصيروا «أنصارا مسجلين» لهم الحق في التصويت. ورأى القاضي أن عدم منح الأعضاء الخمسة الحق في التصويت «سيكون غير قانوني وسيعد خرقا للاتفاق». ومن الممكن أن يمنح الحكم ما يصل إلى 130 ألف من أنصار حزب العمال الفرصة للتصويت في التنافس حول زعامة الحزب. ويعتقد أن من الممكن أن يكون الحكم الصادر، والذي من المتوقع أن يطعن عليه حزب العمال خلال الاسبوع الجاري، في صالح كوربين.
وما لا شك فيه أن حزب العمال يحتاج إلى إجراءات جديدة تتطلب زعيما سياسيا قويا. ويقول جيمس فورسيث، المحرر السياسي في «سبيكتيتور» أنه في حين تشتد حملة نواب حزب العمال ضد كوربين هذا الصيف، فإن من الضروري التذكير أن هذا الأخير يمثل أحد المشاكل التي يواجهها الحزب، وهو ليس مشكلة الحزب الوحيدة. وبالنظر إلى أن الغالبية العظمى من النواب لا تدعم كوربين، الذي كان حقق انتصارا مفاجئا في سباق التنافس على زعامة الحزب في العام الماضي، يرى بعض المحللين، كفورسيث، أن النواب الذين يعتقدون أن كوربين هو مشكلة الحزب الرئيسية، وأن استبداله قد يكون بداية للحل يخدعون أنفسهم، ومعهم الصحيفة الناطقة بإسم الحزب، «دايلي ميرور» ذلك أن مشكلة الناخبين أنهم لا يشتركون في الحساسيات الاجتماعية والقيم الليبرالية التي يتبناها حزب العمال. ويرى روي غرينسليد أستاذ الإعلام في جامعة سيتي، ورئيس تحرير صحيفة «دايلي ميرور» أن هناك عدم تطابق الآن بين ما يؤمن به كوربين وأنصاره، وبين ما يؤمن به، في المقابل، غالبية نواب حزب العمال والمجتمع الأوسع من ناخبي الحزب التقليديين.
وفي حين تنتظر بريطانيا معرفة هوية زعيم حزب العمال وما إذا كان انتخاب زعيم الحزب سيساهم في إنقاذ البلاد، أظهر استطلاع أجرته «يوغوف» لصالح صحيفة «تايمز» قبل انسحاب انجيلا ايغل، ان كوربن سيفوز بالمنصب بـ 56 في المئة من الأصوات مقابل 34 في المئة لسميث في حال تواجها.
ومن المقرر ان يبدأ التصويت يوم 22 آب/اغسطس عبر البريد والبريد الالكتروني ويغلق في 21 ايلول/سبتمبر وتعلن النتيجة في 24 ايلول/سبتمبر.
ريما شري