العراق بين الاستعدادات لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» وصراع السياسة

بغداد ـ «القدس العربي»: مع مؤشرات اقتراب معركة تحرير الموصل وباقي مناطق العراق من سيطرة تنظيم «الدولة» شهدت العاصمة العراقية تجمعا دوليا لخبراء وسياسيين بحثوا كيفية مواجهة ظاهرة التنظيم فكريا وإعلاميا لحماية الشباب من الوقوع في شباكه، حيث عقد المؤتمر الدولي الثاني للعمليات النفسية والإعلامية لمواجهة تنظيم «الدولة» تحت شعار «العالم مع العراق.. لهزيمة الإرهاب».
وذكر رئيس الحكومة حيدر العبادي، خلال كلمته في المؤتمر، ان «الحرب النفسية والإعلامية جزء مهم من المعركة فنحن نحقق الانتصارات عليهم عسكرياً وهم يحاولون استغلال كل الأسلحة بما فيها الحرب النفسية والإعلامية للتغطية على هزائمهم، مستغلين حالات الاختلاف بيننا لاستمرارهم، وهناك من يساعدها بهذا الأمر».
و أكد ان «تحرير الموصل ونهاية تنظيم الدولة عسكرياً بات قريباً وسنحتفل قريباً به»، مشيراً إلى «محاولة البعض تأخيرنا عن معركة الموصل وعلينا الحذر منهم».
إلا ان أبرز ما اثير في المؤتمر هو كلمة محافظ نينوى نوفل العاكوب الذي تطرق إلى أسباب ظهور «الدولة» مؤكدا إن «الاعتقالات العشوائية ونشر سياسة العنف بين الناس هي سبب وجود التنظيم في الموصل»، وهو تشخيص دقيق يكشف جانبا من مسؤولية حكومة نوري المالكي السابقة في ارتكاب أخطاء قاتلة في التعامل مع سكان الموصل ما دفع الكثير منهم إلى محاولة الخلاص من أوضاعهم حتى ولو باللجوء إلى الشيطان مثل «القاعدة» أو «الدولة»أو غيرهما. وهذا الدرس يجب ان تتنبه له الحكومة الحالية أو أي حكومة مستقبلا في العراق، في فهم النتائج السلبية المترتبة على سوء التعامل مع الشعب.
ومع تأكيد الحكومة العراقية والتحالف الدولي، استكمال الاستعدادات لمعركة تحرير الموصل، يلاحظ المراقبون لأوضاع المناطق المحتلة من تنظيم «الدولة» شراسة بالغة وتصاعدا غير مسبوق في حجم ونوعية الجرائم التي يرتكبها التنظيم ضد المدنيين من سكان المناطق الخاضعة له من أجل ابقاءهم تحت سيطرته وتعطيل تحريرهم بقدر الامكان، بما جعل حياتهم جحيما حقــيــقــيا ودفــع الكــثـير منهم إلى محاولة الافلات متـحــدين كل المخاطر والمجازفات سواء التـعرض للاعدام المباشر من قبل التنظيم بمجرد كشف نيتهم الهرب أو عبر المجازفة بعبور الصحارى والوديان في رحلة فقد الكثير من العائلات خلالها حياتهم أما بالضياع أو بحرارة الجو اللاهبة أو بالعبوات الناسفة التي زرعها التنظيم الإرهابي في كل مكان لمنعهم من الهرب والتي أطاحت بحياة الكثير منهم.
ان نكبة سكان مدن مثل الحويجة والشرقاط والموصل والقائم، هي نموذج لحجم معاناة العيش في ظل وحشية تنظيم «الدولة» البعيدة كل البعد عن كل ما هو إنساني، مما خلق موجة واسعة هذه الأيام من المطالبات سواء من القوى السياسية أو قوى المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية، إلى ضرورة التحرك السريع للحكومة العراقية والتحالف الدولي لتحرير المناطق المحتلة وانقاذ سكانها الذين يتواصل نزيفهم مع كل ساعة يجثم فيها احتلال الإرهاب على صدورهم.
ومن جهة أخرى ضمن المشهد السياسي العراقي، لم تشكل نتائج التحقيق في الفضيحة المدوية التي أطلقها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي أثناء استجوابه في البرلمان واتهامه لرئيس المجلس سليم الجبوري ونواب آخرين بمحاولات ابتزازه والضغط عليه لعقد صفقات فساد في وزارته، مفاجأة للعراقيين الذين تعودوا منذ عام 2003 على تفجيرات الفضائح السياسية والمالية للسياسيين التي سرعان ما يتم التعتيم عليها من خلال لجان التحقيق المختلفة.
والكثير من العراقيين اعتبروا إثارة زوبعة العبيدي في فنجان البرلمان، تحركا مقصودا لتحقيق أهداف عديدة منها الاسقاط السياسي لوجبة جديدة من السياسيين من مكون معين أمام جمهورهم، أو انها صفحة ضمن الصراع السياسي على المصالح ، بينما اعتبره آخرون مسرحية أعدها التحالف الوطني (الشيعي) للتملص من تعهده بتمرير البرلمان قانون المسائلة والعدالة الذي كان المفروض ان يتم انجازه في اليوم الذي أثار فيه وزير الدفاع الفضيحة.
وبغض النظر عن الأهداف من وراء فضيحة العبيدي في البرلمان، فانها رسخت قناعة قديمة لدى العراقيين سواء حول سلوكيات الكثير من النواب والقوى السياسية أو مواقف القضاء من القضايا السياسية التي تثار على الساحة العراقية، حيث غطى غبار النسيان الكثير من القضايا الحساسة لدى القضاء ومنها مثلا التحقيق حول سقوط الموصل ومجزرة سبايكر في تكريت واختفاء مئات النازحين على يد الميليشيات وغيرها، بينما حسم قضية الفساد ضد رئيس البرلمان خلال ساعات.
وأدى عدم حسم قضايا الفساد في العراق وعدم التقرب من رؤوس الفساد وحيتانه رغم المطالبات الكثيرة، إلى ظهور حراك شعبي تمثل في التظاهرات المناهضة للفساد إضافة إلى دعوات المرجعيات الدينية، كما تم هذه الأيام تشكيل لجنة مستقلة من المحامين العراقيين لمتابعة قضايا نهب المال العام واسترداد الأموال من مافيات الفساد، في حراك يراد لهذه القضية ان لا تموت وان يتواصل اهتمام الرأي العام والقضاء بها.

العراق بين الاستعدادات لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» وصراع السياسة

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية