عمان ـ «القدس العربي»: ينبغي أن لا تصدم الوقائع الرقمية التي تعرضها منظمات غربية عن عدد الأردنيين الحقيقي في التنظيمات التي تصنفها عمان بانها «إرهابية» المؤسسات والسلطات المحلية، بقدر ما يتوجب ان تساهم هذه الأرقام في تسليط الضوء على حقيقة دور المؤسسة السلفية الجهادية في توفير الكادر البشري للعمل المقاتل في بلد مجاور مثل سوريا.
حسب دراسة ألمانية حديثة يبلغ عدد الأردنيين أربعة آلاف مقاتل في سوريا موزعين بين تنظيم «الدولة» وجبهة النصرة.
السلطات في العادة لا تعتمد رقما محددا وترفض عرض الإفصاحات.
لكن الكلام أردنيا كان دوما عن ما بين 2200- 2500 أردني يجاهدون أو يقاتلون في سوريا وهو رقم أقل من ذلك الذي استعمله مركز «فيريل» الألماني للدراسات المتخصصة في المنطقة.
فارق الرقم يبدو واضحا ولا توجد طريقة بحث يمكن ان تؤشر على أي الأرقام أكثر دقة، لكن الإنطباع في كل الأحوال ان الكادر البشري الأردني في تنظيمات جهادية مقاتلة في سوريا يبدو كبيرا ومن الصعب تجاهله والأهم يعكس وجودا قويا للحاضنة السلفية الجهادية في عمق المجتمع الأردني بل في عمق العشائر الأردنية التي ترسل مقاتلين أشداء يبحثون عن الجهاد في سبيل الله.
خلال حلقة نقاش مغلقة مع مسؤولين غربيين برعاية الحكومة الفرنسية بهدف تفعيل قوائم مقاضاة المتهمين بالإرهاب، طلب مسؤول أمني أردني من زملاء له تجنب إطلاق وصف «مجاهد» على الإرهابي المقصود معتبرا ان «الإرهابيين» عبارة عن عصابات شريرة لا يمكن تكريمهم بإطلاق وصف المجاهدين عليهم.
المسؤول نفسه لفت الأنظار عندما أبلغ ان الغالبية الساحقة من الأردنيين تحلم وتطمح بـ«الجهاد في سبيل الله» لما ينطوي عليه الأمر من تكريم عند المسلمين، لكن الإرهاب مسألة مختلفة. عليه تصبح مسألة الأعداد والأرقام منطلقة أساسا من إجتهادات في التسمية والتصنيف، لكن في كل الأحوال تعلم السلطات الأردنية ان القوة البشرية المؤهلة للأردنيين في تنظيمات مثل «الدولة» والنصرة أساسية ومركزية وفي مواقع حساسة في بعض الأحيان وتقود بشراسة واجبات القتال والحماية في الكثير من الأحيان.
عندما حصل تقارب بين الأردن وروسيا حرص زعيم جبهة النصرة ابو محمد الجولاني على ابعاد القادة الأردنيين في فصائله من باب الإحتياط الأمني في قرى درعا ومنعا لأي احتمالات.
وعندما قتل تنظيم «الدولة» الطيار الأردني معاذ الكساسبة بطريقة بشعة وجهت المرجعيات الأردنية في لقاء مغلق رسالة غامضة تتحدث عن الأردنيين في تنظيم «الدولة» على شكل «نعرفكم ونعرف أهلكم وأقربائكم جيدا».
ويثير الكادر البشري الأردني في تنظيمات مثل «الدولة» والنصرة شهية التحليل والمتابعة دوما وأن كان السياسي المخضرم عدنان أبو عودة يلمح إلى إن التعامل مع الأمر يتطلب التعاطي بالمنهج العلمي مع الوقائع الرقمية ودراسة الخلفيات.
يلمح أبو عودة إلى إن وجود «أردنيين» في مثل هذه التنظيمات قد يكون من الأمور التي تساهم في وجود بنية معلوماتية أساسية في المجال الميداني.
يعتقد وعلى نطاق واسع في الأردن أن حصة لا يستهان بها من الحصيلة الاستخبارية الأردنية المتميزة منطلقة أساسا من وجود الكادر البشري الأردني المكثف.
وفي عمق مباحثات غرف العمليات التي تتولى الأمر في سوريا تبرز دائما الخبرة الأردنية باعتبارها الأفضل خصوصا في التنظيمات الجهادية في الجانب السوري والعراقي.
وقد عبر عن ذلك الناطق الرسمي بإسم الحكومة الدكتور محمد مومني عدة مرات وهو يتحدث لـ«القدس العربي» عن اقرار الجميع في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» والإرهاب بأن المعطيات والتقديرات الأردنية كانت دوما هي الأكثر دقة والتي يعتمد عليها.
بنية المعلومات الاستخبارية سببها على الأرجح تمكن السلطات الأردنية من اختراق صفوف هذه التنظيمات خلافا إلى إن الحكومة الأردنية سبق وفي بدايات الأزمة السورية ان تراخت قليلا بشأن السماح بعبور من يبحث عن الجهاد في سوريا.
وهي التسهيلات التي دفعت دمشق لإتهام الأردن عدة مرات برعاية ارسال الإرهابيين إلى داخل سوريا وهي تهمة باطلة تماما في رأي رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبدالله النسور.
في تقييمات رئيس الوزراء الحالي الدكتور هاني الملقي الأولويات الأردنية واضحة عندما يتعلق الأمر بالشأن السوري وهي حماية الأردنيين والتراب الأردني من الاختراقات.
وفي التصنيف الرسمي يرفض المومني الحديث عن «دولة إسلامية» أو تنظيم أو جيش «الدولة» لإن المسألة في رأيه تتعلق بعصابة إجرامية ستضرب بشدة وبلا رحمة إذا ما فكرت في الإقتراب من الحدود مع الأردن.
لافت جدا ان الروايات الرسمية الأردنية لا تسلط القدر نفسه من الضوء على تنظيم جبهة النصرة بالرغم من تصنيفه ضمن مجموعات الإرهاب في سوريا والسبب حسب خبراء هو التعقل الملموس الذي يبديه الجولاني ورفاقه في عدم التحرش بالأردن ووجود بعض الاتصالات عبر وسيط ثالث في المعارضة السورية بين الحين والآخر لأغراض تجنب الصدام. الأهم وجود منظرين سلفيين مقربين جدا من جبهة النصرة في الأردن من وزن ابو محمد المقدسي وأبو قتادة وهؤلاء حريصون على عدم المواجهة مع السلطات الأردنية.
في كل الأحوال أربعة آلاف أردني في تنظيمات جهادية يموت منهم الثلث خلال السنوات الخمس عدد كبير ومقلق ويقرع جميع الأجراس ليس لإنه يشكك ضمنيا بالرقم الرسمي ولكن لإنه يغفل عدد الأردنيين النائمين أو المحتمل وجودهم من فئة «ذئاب منفردة» في حضن المجتمع الأردني.
بسام البدارين