الثقافية التونسية والنظام الكولونيالي

حجم الخط
0

من بين التحولات الكثيرة التي عاشتها الثقافة التونسية منذ أكثر من قرنين من الصدمة الحضارية، استبدال المرحاض التقليدي، والذي اصطلح على تسميته بـ’التركي’، بالمرحاض الحديث الأكثر فاعلية وراحة للمستعمل وكفاءة صحية… لكن الحرص الخاص للإنسان التونسي المسلم على عملية الاستنجاء أضافت لهذا المرحاض المنضحة المرنة؛ وهي حنفية مجهزة بخرطوم طويل ذي قابلية عالية للثني ويمكن من رش الماء تحت الضغط بما يسهل وصول الماء لمستعمل المرحاض والقيام بالاستنجاء مع حماية من البلل وبكمية ماء أقل. وهي حنفية لم تصاحب النموذج الأصلي للمرحاض الحديث الذي يقتصر أصحابه على استعمال مناديل ورقية. ويشعر التونسي بحرج كبير عند ارتياده النزل المجهزة بمراحيض دون هذه الحنفية.
كما تسللت لثقافتنا التجهيزات الحديثة لغرفة الاستحمام: المرحاض المذكور والمغطس ومغسل اليدين وحوض الاستبراء؛ وهو شبيه بالمرحاض في شكله ولكنه مجهز بحنفية في جهته الخلفية ومخصص لاستبراء المرأة بشكل أساسي.. ولكن في تونس لم تستعمل نساؤنا هذا الجهاز وبقي مهملا لعقود، يقع تركيبه ضمن تشكيلة غرفة الاستحمام دون جدوى، ليلغى في السنوات الأخيرة من هذه التشكيلة.
هذه النماذج وغيرها كثيرة تدل على أن ‘العولمة’ و’الحداثة’ و’الكونية’ لا تستطيع أن تلغي الخصوصية الثقافية المحلية مهما قدمت من حلول ووفرت من مرونة.. وهو على ما يبدو ما يزعج إحدى آلات النظام الكولونيالي؛ ‘هيومن رايتس ووتش’ التي تؤكد في بيان أصدرته مؤخرا أن ‘من بين الفصول الأكثر إثارة للقلق في مشروع الدستور عدم الاعتراف بكونية حقوق الإنسان إلا إذا كانت تنسجم مع الخصوصيات الثقافية للشعب التونسي’.
د. ياسين الحلواني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية