قصة قصيرة للكاتب الإيطالي: أوجينيو مونتالي

حجم الخط
0

أوجينيو مونتالي شاعر إيطالي مشهور (1896 1981)، حاصل على جائزة نوبل 1975. من أعماله أربعة دواوين شعرية وترجمات للشعر والنثر وكتابان في النقد الأدبي وكتاب في السرد التخييلي. وصف الكاتب والشاعر الإيطالي فرانكو فورتيني موقعه في الشعر الإيطالي قائلا: ‘ظهر شعر مونتالي ابتداء من الستينيات بوصفه أهم شعر خلال القرن العشرين كله’. هزّ مونتالي الأعمدة التي قام عليها صرح الشعر في بلده، فرأى أن الشاعر لا يمكنه أن يقدم أجوبة، كما أن الشعر التجسيدي (تمثيل الواقع وتشخيصه) بلا مستقبل، فالشاعر لم يعد نبيا وشعره مجبول من ‘بعض المقاطع الملوية والجافة كغصن’. كتب مونتالي الشعر حتى يستطيع أن يكون نوعا من أداة أو شهادة لاستقصاء الشرط الوجودي لإنسان القرن العشرين. وعبّر شعره، بطريقة رمزية، مستثمرا نظرية المعادل الموضوعي كما بلورها ‘ت . س . إليوت’، عبّر عن السلبية الوجودية التي عاشها إنسان القرن العشرين الذي عذبته وحطمته صيرورة التاريخ (الحرب الكونية وصعود الفاشية والنازية).
تنتمي القصة المترجمة إلى ديوان نثري بعنوان ‘رحلة إلى فلورنسا جنوة’، يضم خمسة عشر نصا سرديا، كتبه مونتالي بين 1945 و1953، وظهرت ترجمته الفرنسية عام 2001، وفيه يتناول الشاعر هموم الإنسان الصغيرة بأسلوب يمزج بين الجدية والسخرية السوداء وينمّ على مهارة وحذق في كتابة السرد .

القصة المترجمة:
ذات مساء مثل شخص يدعى ‘هانس زيجلر’ أمام باب دير قرية من قرى النمسا، طالبا الحديث مع رئيس الدير. صرّح بعد إدخاله إلى غرفة الإستقبال بأنه كان قد اجتاز أزمة دينية عاصفة،فقرّ قراره أن يصبح راهبا. احتضنه الرئيس وقال له بأنه سيجد الأمان والسكينة بين جدران ديره، إلا أن عليه ،وهذا خير له، قضاء ستة اشهر في سلك الرهبنة خارج الدير، مادامت هذه الفكرة المباركة قد خطرت عليه عقب أزمة عصيبة لا بعد عملية نضج بطيئة . ينبغي التصرف بأكبر قدر من الحيطة والحذر.
– لا يا أبت، أرجوكم، أن تثقوا بأن فكرتي أنضجتها كل النضج، وأرغب في أن ألج الدير فورا.
في الواقع، كان اسم ‘هانس زيجلر’ اسما مستعارا، وكان هذا الماكر المهتدي الزائف عضوا في عصابة محكمة التنظيم، تتألف من لصوص وكاسري نوافذ البيوت، كان قد كلّف بمهمة صعبة هي سرقة صندوق الدير الذي ذاعت شهرة غناه وثروته. بيد أن هذا الشقي لم يكن يعلم ما كان ينتظره. شرع الرئيس بإخباره بأمر حشره مدة شهر في زنزانة بقبو أسفل الأرض، وهذه وسيلة ناجعة لاختبار نواياه الحقيقية بوصفه حديث العهد بالتنصر. بعد أن تنهد أعلن ‘زيجلر’ امتثاله لأوامر الرئيس (فعلى كل حال، لكي ينفذ إلى الصندوق سيتوجب عليه ،على الأقل، معرفة الكيفية التي سبق أن شيّد بها داخل هذا الدير الباروكي الغريب الذي كان من التشابه الكلي، بحيث يصير من الصعب جدا أن يعثر فيه على وجهة).
غير أن الإقامة بالزنزانة، للأسف، تقتضي الصوم أو شبهه. وفي نهاية الأسبوع الثاني، كان الرجل حانقا يقضي أياما وحيدة بلا معنى، وهو يتمتم صلوات لم يكن فيها من الورع شيء. ومع ذلك لم يكن من النوع الذي تعوزه الشجاعة. كان الأب الحارس الذي يحمل إليه كل يوم عصيدته ،يطفق في سرد قصص له لا نهاية لها، مفجرا ينابيع فصاحته التي لا تنضب، مستعملا براعة وحذلقة غرائبية، قصده من هذا تليينه وكسب مودته بألف الطرق.
– أرأيت يا أخي، إن الصوم ممتاز، ولا أحد غيري يستشعر السعادة وهو يتضور جوعا، بيد أن هذا القيد هو الذي يقلقني: لقد كنت فلاحا معتادا على الحركة والكدّ طوال اليوم، فإذا ما واصلت أن أقصى منحشرا هنا، فإني أخاف من أن تخمد جذوة الهداية الربانية بداخلي …
قال الأب الحارس:
‘ كيف لا نعمل من أجل أن نضمن للرّب حياة إنسان ضالّ؟ ‘، وبعد تردد انتهى إلى أن يقول له بأن القانون هو القانون، هذا أكيد، لكنه، في الأكثر، سيسمح بترك الباب مفتوحا خلال الليل ليكون بمقدور المترهبن أن يتجول كما يحلو له، داخل الدير أو خارجه: حذار، صمت …
توجيهات أخرى أيضا، وصار ‘زيجلر’ جاهزا، إلا أن مثله كمثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها. ذات ليلة عثر الرجل على الصندوق الذي لطالما اشتهاه، يحوي أثوابا نفيسة ومجوهرات العذراء. وإذ مرّ بأحد الأبواب جذبته رائحة عذبة بدت له كما لو طلعت مباشرة من الجنة، فتحه فتراءى له مطبخ الدير الهائل، كان به دجاجة مشوية كاملة وأنواع من الجبن وبيض ونوع من حلويات لوز كبيرة ونبيذ فاخر . كانت النتيجة أن بعد انصرام ثلاث ساعات، عاد الرهبان الأوائل وقد وجدوا مترهبنهم تحت طاولة، وقريبا منه كنز الدير كاملا غير منقوص، أنقذته هذه المعجزة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية