«الاكستريم» أفلام هدفها إثارة الانفعال الحاد لدى المشاهد

حجم الخط
0

■ «الحالات القصوى» أو ما يسمى «بالاكستريم» Extreme، هي تلك الجرعات من الصور التي تصدمنا يومياً. إنها تلك المنشطات التي تشعل فينا العواطف، ولكنها سرعان ما تنطفئ وتختفي، وهي أيضا المشاهد الفظيعة والقاسية التي تطل باستمرار من مختلف شاشات العرض الحديثة، سواء القنوات الفضائية أم هواتفنا النقالة وأجهزة حواسيبنا.
والحالات القصوى – ظاهرة تعني الخارق وغير المألوف. (سأستعمل لاحقا كلمة «اكستريم» للتوصيف، وهي مأخوذة من الأصل اللاتيني «Extreme» لأنها كلمة أصبحت شائعة في اللغة العربية وهي الأقرب لمفهوم الحالات القصوى).
يفرض «الاكستريم» سطوته، في هذا الزمن المتوتر، على مجمل أنشطتنا الاجتماعية والفنية، فيحضر في السياسة كما في الاقتصاد، في الرياضة كما في طقوس العبادة والدين، وهكذا، يصبح طاغياً في نشرات الأخبار اليومية وفي عناوين ومضامين الأفلام السينمائية والتلفزيونية.
ولكن ماذا نعني بمفهوم «الاكستريم» سينمائيا؟ وما هي مواصفات أفلام «الاكستريم» أو حتى طبيعة صورة «الاكستريم» نفسها؟ يعني صورة أو مشهد الأكستريم في السينما، تلك الصور التي تحرك فينا مشاعر حادة وفورية غالباً؛ الصورة الصادمة المتمثلة في مشاهد الحروب والقتل أو العنف بكل أشكاله، وهي تعني أيضا صور الجنس الفاضح والبورنوغرافيا.
إنها تلك المشاهد التي تذهب أبعد من تصوراتنا، أو التي لا نتوقع حدوثها على الإطلاق، وتعني أيضا، الأفلام التي تتعرض لتابوهات وحدود اجتماعية يجب عدم تجاوزها. (حاول صنّاع الأفلام في وقت مبكر من تاريخ السينما كسر التابوهات والبحث عن الصور الصادمة والمواضيع المحظورة اجتماعيا وسياسياً، حتى يومنا هذا).
رافق وما يزال مفهوم «الاكستريم» منذ ولادته السينما، وأصبح جزءاً من تقنياتها، لا بل من بنيتها الأساسية، وما قدرة الكاميرا مثلاً على تسجيل الحركة ثم إعادة عرضها ثانية، بما في ذلك قدرتها على تسجيل الزمن الحقيقي للحدث (خاصة في بداية تاريخ السينما) إلا عملاً خارقاً بحد ذاته يُشبه السحر، ويتناص مع مفهوم «الأكستريم». يقول المخرج لويس بونويل «عندما تصدر عين الشاشة الفضّية ذلك الضوء الخاص بها بشكل لائق، ينفجر الكون». لقد أدرك المخرجون الأوائل، شغف الجمهور بمشاهد صور «الاكستريم» والمشاهد الغريبة والخارقة، فبرزت وقتئذٍ أسماء عديدة لمخرجي هذه الأفلام، ميلييس وغريفت (يعود أول مشاهد لقطع الأعضاء البشرية إلى عام 1916 في فيلم «التعصب» لغريفت)، كذلك فيرتوف، أبشتاين، كما أن القائمة تضم مخرجين مشاكسين مثل (تارانتينو، أليخاندرو خودروفسكي، آندي وارهول، دوسان ماكافييف وبونويل ثم غودار وغيرهم).
علما أن خريطة «الاكستريم» لا تشمل مخرجين جادين وأفلاماً عظيمة ومهمة فحسب، إنما تتضمن كذلك العديد من الأفلام التجارية والرخيصة، التي يحتوي بعضها على أفلام صادمة شكلا ومضمونا وتُعتبر من أفلام «الأكستريم» في تجاوزها المألوف والشائع وحدود تصوراتنا. وتحتل الأفلام «التدميرية» موقعاً مهماً في هذا الجنس السينمائي الذي تمتد جذوره إلى بدايات السينما، وقد أشار الناقد الأمريكي ومدير مهرجان نيويورك سابقا، آموس فوجل في كتابه القيّم «السينما التدميرية»، إلى أن غالبية الأفلام التدميرية – وهي أفلام تحاول تهديم كل ما هو كائن من قيم ومؤسسات وقوانين ومحرمات – هي صادمة تتجاوز حدود المحرمات، كما أنها أفلام مشاكسة ذات فهم خاص للعالم.
والأفلام الصادمة كما أشرنا سابقا هي أفلام اكستريم. وقد أدرج فوجل الأفلام السريالية والدادائية والأفلام التعبيرية الألمانية (في عشرينيات القرن الماضي) ضمن قائمة الأفلام التدميرية.
كما أن هوليوود، فهمت منذ زمن طويل سايكولوجية إنجذاب المُشاهد إلى الأشياء الممنوعة اجتماعيا فأدركت مبكرا ولع الجمهور بالممنوع فركضت وراء مواضيع «الأكستريم» وهكذا، تمّ التركيز على الأفلام الصادمة خاصة في الجنس والعنف طمعاً في خلق هزات نفسية متكررة لدى الجمهور.
بعد هذا العرض السريع لظاهرة الاكستريم وتغلغلها في الفن السينمائي يجب التأكيد على أنها نزعة جمالية أخذت تحتل موقع الصدارة في مجمل الحركة الفنية العالمية.
ومن المفيد هنا، العودة إلى مؤرخ وناقد الفن الفرنسي بول آردن الذي حاول فهم هذه الظاهرة المستفحلة ودراسة مسار تطورها فذكر إن «الاكستريم» يأتي بسبب من الهزات والانكسارات وليس من الاستقرار والحياة الرتيبة.
وآردن وضع في هذا التصريح يده على عصبْ تطور هذه الظاهرة في عصرنا الحالي، الذي يُعتبر عن حق عصر الهزات والحروب الصغيرة والكبيرة المدمرة، عصر النزاعات والعنف اليومي. «فالاكستريم» بحسبه يتميز في الثقافة الغربية ليس بثبوته وإنما بتطوره، أي بتحديث تقنياته وتوجهاته.
وسينمائيا فإن مساره في تصاعد مستمر ذي ديمومة، فما أن يتم تجاوز المألوف في حالة معينة، حتى تظهر رغبة موازية في عمليات الهدم والصدمة مرة أخرى، أي إنتاج تراتيبي. وتعتمد الثقافة الغربية بحسب آردن على أن كل صورة نعرضها يجب أن تقدم لنا صورة أفضل من سابقتها وشيئا جديدا مختلفا عن الأصل، وهنا، فليس من الضروري تغيير المحتوى بل التلاعب بالشكل فقط.
لكن ثمة ملاحظة جدية وهي تخص علاقتنا الشخصية والنفسية «بالاكستريم» كمتفرجين ومستهلكين للصورة بكل أشكالها الثابتة والمتحركة، ملاحظة لا بد من دراستها والتوقف عندها طويلاً: وهي أننا أصبحنا راهناً، نطالب تدريجياً وبإلحاح وأكثر من أي وقت مضى، بشحنات متواصلة من الصدمات والهزات العاطفية المتتالية والجديدة، في عملية من الجلد الذاتي والمازوشي، لأننا صرنا -على ما يبدو- مدمنين على الصور الصادمة، الصور العنيفة والمغمسة بالدم والصور المشحونة بمشاهد الخارق. تلك التي تحرك فينا مشاعر جياشة لكنها غير عميقة بالتأكيد، مشاعر حسية غير تأملية، وصورا غير مألوفة تزرع فينا رغبة البقاء مذهولين وملتصقين بشاشات هواتفنا النقّالة وأمام الحاسوب الآلي مخدرين ومغيبين.
وعليه، فلا بدّ من بناء نظرة نقدية متأنية كي لا نستسلم لتأثير الصورة ولسحرها القوي إلى درجة نتحول إلى مجرد مستهلكين سلبيين وغير فاعلين.
صحيح أن لكل عصر متطلباته وخيالاته، والعصر الراهن هو عصر الصدمة والتجاوز، ولكن ذلك لا يعني الخضوع تلقائياً إلى الذوق الهابط والجري وراء المشاهد الحسية السريعة الزائلة.
نعم لا بد أن ينتصرالجمال.. يجب أن تنتصر المتعة الراقية على عالم الفرجة المحض.

٭ مخرج سينمائي وأكاديمي من سوريا

«الاكستريم» أفلام هدفها إثارة الانفعال الحاد لدى المشاهد

ليث عبد الأمير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية