في حقبة الستينيات كان خطاب القائد اليميني العنصري المتطرف اينوك باول، الذي حذر فيه من ان انهار الدم ستعم بريطــــــانيا إن استمر تدفــــق المهاجرين. حينها لم يكن العداء موجهاً للاسلام، بل لكل غريب يأتي إلى بريطانيا. جاءت حقبة السبعينيات وبعدها الثمانينيات لتشهد احزاباً عنصرية صغيرة لا تأثير حقيقي لها في الشارع، سوى اعتداءات قليلة على الأجانب ومعاداة واضحة لليهود، ولم يكن المسلمون هدفاً رئيسياً لهم.
الوضع الآن اختلف جداً فموجه العداء للمسلمين زادت بصورة واضحة جداً مع إزدياد أعداد الجاليات المسلمة وامتلاكها لبعض المصالح الاقتصادية في الكثير من المدن البريطانية الرئيسية، ونجاح الأحزاب اليمينية، مثل الحزب القومي البريطاني BNP في استغلال فتره ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومن ثم تفجيرات لندن عام 2005 في حشد بسطاء وفقراء البريطانيين ضد المسلمين والاسلام بصفة عامة، إضافة إلى هذا جرائم شنيعة قام بها بعض المسلمين من أصول باكستانية، وهي ترتكب من بعض البريطانيين الأصليين ولا تحدث حولها نفس الضجة، وهي استدراج فتيات انكليزيات قاصرات وممارسة الجنس معهن، إضافة إلى بيعهن إلى من يدفع . ثلات شبكات اكتشفت في فترة زمنية لا تتعدى الثلاث سنوات في مدن كيثلي روتشدال وأكسفورد، وبالطبع كان لبعض قنوات الصحافة التي فيها الكثير ممن يعادون العرب والمسلمين يد كبيرة في تأجيج مشاعر العداء للمسلمين، بنشــــرها المستمــــر لتفاصيل القضية مع صور المتهمين الباكستانيين الملتحين على صفحاتها الأولى.
ومنذ أربع سنوات شهدت مدينة لوتون الانكليزية حدثاً كبيراً؛ ففي مهرجان الترحيب بعودة بعض الجنود البريطانيين من أفغانستان، قامت مجموعة صغيرة جداً من المتطرفين المسلمين، يسمون أنفسهم مسلمون ضد الصليبية بقيادة متطرف باكستاني اسمه أنجم تشودري (هناك من يقول أنهم عملاء مخابرات إنكليزية (بمهاجمة مسيرة الجنود والبصق عليهم والهتاف ضدهم وشتم من كانوا يستقبلونهم والتهديد بقتل كل من يعادي المسلمين. أحدث هذا غضباً شديداً بين قطاعات كبيرة من البريطانيين. بعدها قامت نفس المجموعة بتنظيم مظاهرة وحرق الورود الحمراء، وهي رمز احترام البريطانيين لذكرى جنودهم الذين سقطوا في الحروب العالمية مع هتافات ويافطات معادية. نتج عن هذا تأسيس واحدة من أخطر هذه المنظمات العنصرية وهي رابطة الدفاع الانكليزية EDL التي تعلن عداءها العلني للاسلام والمسلمين وتأييدها الواضح لإسرائيل.
العداء للاسلام والمسلمين في إزدياد مقلق للغاية. المشكلة تكمن في شقين؛ الأول وجود العنصرية لدى قطاع من الشعب البريطاني، وإن كان لا يظهره كون النظام السياسي لا يسمح بهذا. والثاني ولنقرع الجرس بكل وضوح: ممارسات البعض ممن ينتمون للمسلمين، وهم ليسوا بأي حال ممثلين لهم، ولكن وللاسف نجحت صحف التابلويد في جعل هذه القلة التي لا تتعدى بضعة الاف وكأنهم يمثلون الثلاثة مليون مسلم بريطاني. ولنتساءل هل يفيد الاسلام في بريطانيا أن تخرج جماعات في منطقة تاوار هاملت بشرق لندن للامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيوقفون من يشرب البيرة في الشارع؛ يوبخونه ويهددونه بالعقاب إن فعل هذا مرة أخرى في منطقتهم؟ أو ينهرون امرأة ترتدي لباساً قصيراً ويقولون لها: هذه مناطق مسلمة وممنوع أن ترتدي ملابس مثل هذه هنا؟ واخرون يلصقون الملصقات على الحيطان في الشوارع الرئيسية التي تقول: هذه منطقة شريعة إسلامية وعليك احترام هذا عند دخولك، ناهيك عن مخالفة القانون وتحدي الشرطة باعلاء الآذان في مناطق فيها أكثرية من المسلمين، ومطالبة مجالس المدينة بالغاء مظاهر الاحتفال باعياد الميلاد، لان هذا يؤذي مشاعر المسلمين. كل هذا يصب في مصلحة الأحزاب العنصرية التي تشهد عضويتها ازديـــــاداً ملحوظاً بعد انتشار أخبار كهذه. ولنأخذ المظاهرة المركزية لرابطة الدفاع الانكليزية في مدينة نيوكاسل بشمال إنكلترا بعد مقتل الجندي لي رجبي الشهر الماضي، على يد متطرفين اسلاميين في منطقة ووليتش، التي شهدت حضور ألف وخمسمئة عضو، وهو رقـــــم جاء صادماً لكل من يقاوم العنصرية، فهو ثلاثة أضعاف ما كان متوقعاً.
أما على شبكات التواصل الاجتماعي فقد تضخمت أعداد المؤيدين، كون الكثير يدخلون باسماء مستعارة، فبعضهم موظفون أو عمال يخشون فقدان وظائفهم إن جاهروا بانتمائهم للاحزاب العنصرية؛ وعلى سبيل المثال فقد شهد الشهر الماضي ارتفاعاً في أصدقاء رابطة الدفاع الانكليزية على الفيسبوك من عشرين الفا إلى مئتي ألف.
خطورة رابطة الدفاع الانكليزية هذه تكمن في الخطاب المضلِل الذي تتبناه على لسان قائدها الشاب تومي روبنسون، أو كما يسمونه ستيفان لينون، في كل خطاباته أو أحاديثه مع الصحافة يؤكد كذباً أنهم مسالمون وأنهم لا يدعون للعنف، بل هم ضحايا عنف المسلمين، وينفي صفة العنصرية أو الفاشية عنهم، قائلا: إن كنا عنصريين فلماذا لا نعارض الهنود، الأفارقة، اليهود أو السيخ؟ نحن فقط ضد الاسلام الذي يريد ارجاعنا إلى القرن السابع، بينما نحن في القرن الواحد والعشرين؛ لا نريد الاهانة للمرأة وتزويجها في سن المراهقة أو فرض النقاب والحجاب عليها؛ لا نريد أن نقطع الأطراف؛ لا نريد أن نرجم من يمارسون الحب؛ نرفض المحاكم الشرعية التي تظلم المرأه وتفرق بين أفراد الشعب البريطاني؛ لا نريد لبناتنا أن يقتلن على خلفية الشرف، أو ألا يكون لهن دور في اختيار شركاء حياتهن؛ لا نريد أن يفرض علينا أي أحد ما يجب أن نأكل أو نشرب أو كيف نفكر، نريد قانوناً واحداً لكل البريطانيين من دون استثناء؛ لا نريد أن ندمر الاسلام ولكن على الاسلام أن يتلاءم مع حياتنا في بريطانيا، وأن يتطور لقد تحولنا نحن الانكليز إلى غرباء في بعض أماكن بلدنا.
هذا الخطاب المختار بعناية والجذاب لقطـــاعات كبيرة من الجمهور البريطاني، بمن فيهم الطبقة العاملة التي اهملها حزب العمال، الذي من المفترض أن يكون يساريا إشتراكياً، بتبـــنيه سياسات يمينية أضرت بالطبقة العاملة بشدة منذ عهد توني بلير.
وهنا أيضاً يزايد تومي روبنسون فهو لا يتوقف عن ادعائه تمثيل قطاعات عريضة من الطبقة العاملة، وما يعطيه مصداقية بينهم أنه واحد منهم فهو يصرح دوماً: أنا من الطبقة العاملة؛ لم اذهب إلى مدارس خاصة ولم أتعلم في الجامعات؛ هذا بعكس زعيم الحزب الوطني البريطاني نيك جريفن ابن الطبقة المتوسطة وخريج جامعة كامبردج.
في مواجهة هذا الخطر المتزايد مازالت احزاب اليسار الصغيرة ومعها بعض عناصر الجاليات المسلمة (وهذا البعض قليل جداً) تعتمد سياسة موجهة هؤلاء الفاشيين بالقوة ومنعهم من التظاهر في المدن المختلفة، وهذا في رأيي أسلوب شجاع، لكنه يفتقر الحكمة في ظل ما ذكرته من كذب خطابهم وادعائهم للسلمية، وهو ما تنفيه ممارساتهم على الأرض كما شهدناها في مدينة شيفيلد، فبعد أن منعناهم من التظاهر واستغلال مقتل لي رجبي ووضع إكليل زهور على النصب التذكاري في الأول من يونيو؛ دعوا إلى مظاهرة مركزية في الأسبوع الذي يليه وخصصت الشرطة البريطانية ألف شرطي لتمكينهم من وضع الاكليل، وكان تظاهرهم بالسلمية واضحاً خلال المسيرة وعنفهم واضحاً بعد أن انتهت، فقد تحولت بعض شوارع شفيلد إلى ساحات معارك اضطررنا فيها لحماية بعض رفاقنا من عنفهم الشديد، وهاجموا فيها كل من اختلف لونه عن الأبيض وادعو في النهاية أنهم كانوا ضحية عنف اليساريين والمسلمين.
في رأيي فان مواجهتهم في الشوارع يجب أن تستمر، بتعرية عنصريتهم الواضحة بطريقة علمية عن طريق جمع الدليل الموثق بالصوت والصورة لممارساتهم العنصرية كمهاجمه المساجد وغير ذلك.
أما الدور الأهم فهو على الجالية المسلمة؛ فلا يكفي أن نقول ان تصرفات مجموعة المتطرفين المسلمين هؤلاء ليست من الاسلام؛ بل يجب مواجتهم وفضحهم وعدم السماح لهم بالتغلغل في أوساط المساجد ودروس الدين، فخطرهم على مستقبل المسلمين في بريطانيا واضح وهو ما يخدم كل القوى التي تحارب المسلمين والقضايا المرتبطة بهم سواء داخل بريطانيا أو خارجها. على قاده المنظمات الاسلامية أن يجرموا قتل الشرف وأن يثبتوا تجريمهم بخلفية دينية؛ الشيء نفسه ينطبق على الزواج المرتب الذي يثبت فشله يوماً بعد يوم. الجاليات المسلمة يجب أيضاً أن تخرج من قوقعتها، من دون التخلي عن عقيدتها وثقافتها، وأن تتفاعل مع المجتمعات الاوروبية وان تختلط بالبشر من غير المسلمين اجتماعياً وسياسياً وثقافياً؛ لا يعقل أن تتحول مجتمعات المسلمين إلى غيتوهات في كل مدينة بريطانية؛ كذلك لا يصح أن نعطي العنصريين الحبل الذي سيشنقون به ليس كل مسلم بل كل أجنبي أيضاً بالمجاهرة برفضنا الآخر وكل ما يمثل. هناك خلل واضح ولا مجال لدفن الرؤوس في الرمال وإن لم يعالج فانني اتوقع أن أنهار الدم التي تنبأ بها اينوك باول للمهاجرين الأفارقة والكاريبيين والجمايكيين ستجرف المسلمين في بريطانيا وأوروبا.
‘ كاتب وناشط سياسي من فلسطين