إرهاب الدولة هو الأخطر والأعنف

حجم الخط
1

يُمثل إرهاب الدولة أخطر أنواع الإرهاب وأكثره عنفاً ودموية، فضلا عن أنَّ الضالعين فيه يتمتعون بالفرصة الأكبر للإفلات من العقاب، إضافة إلى أنه المحرك الأكبر لتوليد موجات جديدة من الإرهاب التقليدي الأعمى الذي تمارسه الجماعات المتشددة، ولذلك فان على العالم التصدي له قبل غيره حفاظاً على مستقبل البشرية، وحفاظاً على السلم والأمن الدوليين.
في مصر قتل النظام السياسي خلال يوم واحد خمسة آلاف مواطن كانوا يتمترسون في مسجد رابعة العدوية، في الوقت الذي تُحرم فيه الشرائع السماوية والأرضية على حد سواء الاعتداء على دور العبادة وتمنح من فيها الحصانة حتى يغادروها. وبعد ثلاث سنوات من المجزرة المروعة التي ارتكبتها قوات نظامية كان من المفترض أنها تحمي الناس لا تعتدي عليهم، إذا بالضالعين في المجزرة يُفلتون من العقاب، بينما من أفلتوا من القتل تحت جنازير الدبابات يُعاقبون في السجون بسبب أنهم تمكنوا من الهروب من الموت!!
أما في سوريا التي لا يتوقف فيها عداد القتل، ولم تعد الآلات الحاسبة قادرة على إحصاء عدد القتلى، فان السنوات الخمس الماضية تؤكد أن إرهاب الدولة ليس أقل من إرهاب الجماعات المسلحة، وكلاهما يلتهم لحوم الأبرياء السوريين ويشرب من دمائهم، ويوسع دائرة العنف والدم والقتل.
ضحايا مجزرة رابعة أكثر من ضعف ضحايا هجمات 11 ايلول/سبتمبر، وعدد الذين سقطوا في يوم واحد برصاص النظام المصري أكثر من ضحايا كل الهجمات التي نفذها تنظيم «القاعدة» طوال العشرين عاماً الماضية في مختلف أنحاء العالم، أما ضحايا إرهاب النظام في سوريا فيفوق عددهم عشرات أضعاف الذين سقطوا في كل العمليات الإرهابية التي ارتكبها تنظيم «الدولة» حول العالم، منذ تأسسيه وحتى يومنا هذا.
إرهاب الدولة يشكل أخطر أنواع الإرهاب وهو الأكثر تناقضا مع مبادئ ومعايير القانون الدولي، وأسوأ ما في هذا النوع من الإرهاب أن من يقوم به هو الجهة المنوط بها حماية الناس، حيث أن الوظيفة الأساسية للدولة -أي دولة- هي حماية الناس، كما أن السلاح المستخدم في هذا النوع من الإرهاب هو ذلك الذي اشتراه المواطنون بأموالهم وبالضرائب التي دفعوها، فاذا به يُستخدم لترويعهم وقتلهم، أما الضالعون بهذا النوع من الإرهاب فهم الأقدر على الإفلات من العقاب، ودليل ذلك لا يقف فقط عند مجازر «رابعة» وسوريا، وإنما يمتد إلى العديد من العمليات الإرهابية والقمعية التي تتورط بها أنظمة ودول، سواء ضد شعوبها أو ضد الشعوب الأخرى، ولا نجد من يلاحق الضالعين في هذا الإرهاب.
يشير أغلب فقهاء السياسة إلى أن إرهاب الدولة هو الأكثر خطورة من الإرهاب التقليدي الذي تقوم به المنظمات والعصابات، كما أنه الأقدم تاريخياً حيث أشار له أفلاطون في كتاب الجمهورية، وعرفه أرسطو بقوله إنه «الإرهاب الذي يستخدمه الطاغية ضد رعاياه»، أما منظمة العفو الدولية فتقول إن أشكال إرهاب الدولة تتباين بين «الاحتجاز التعسفي، والمحاكمات غير العادلة، والتعذيب، و القتل السياسي أو الإعدام خارج نطاق القضاء»، أي أن إرهاب الدولة لا يشترط فقط أن يكون بصيغة عمليات قتل جماعي أو عشوائي أو هجمات عمياء حتى يتم اعتبارها إرهاباً منظماً.
وإضافة إلى كل المخاطر التي يدور الحديث عنها بشأن إرهاب الدولة فان إرهاب المنظمات والعصابات غالباً ما يتزايد رداً على إرهاب الدولة، حيث أن الإرهاب ينتج إرهاباً، والعنف يولدُ عنفاً، ولهذا فان الاعتقاد السائد هو أن تنظيم «الدولة» نتج رداً على حالة اليأس التي أصابت الراغبين في التغيير عندما كان الرصاص والقنابل بالمرصاد لمن يشارك في تظاهرات سلمية تطالب بالتغيير، أما تنظيم «القاعدة» فظهر في أعقاب فترة زمنية ساد فيها القمع والاستبداد المنطقة العربية، وكان الاعتقاد السائد أن أمريكا هي التي تدعم هذا الاستبداد، نتيجة أن الأنظمة القمعية كانت جميعها متحالفة مع الولايات المتحدة.
خلاصة القول، أن إرهاب الدولة هو أخطر أنواع الإرهاب الذي يشهده عالم اليوم، وضحاياه أكثر بكثير من ضحايا أعمال الإرهاب العشوائي التي تمارسها منظمات متطرفة، ومن يريد القضاء على ظاهرة تنظيم «الدولة» و«القاعدة» فعليه أولاً أن يقضي على ظاهرة الإرهاب المنظم الذي تمارسه بعض الأنظمة العربية من أجل التمسك بالحكم والجلوس على الكراسي.. ما عدا ذلك فنحن أمام دوامة من العنف المتواصل والمستمر، وحلقة مفرغة لا تنتهي من الدوران.

٭ كاتب فلسطيني

 

إرهاب الدولة هو الأخطر والأعنف

محمد عايش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية