كتب الصحافي المخضرم فهمي كورو، في مدونته، مقالة بعنوان: «مر شهر على المحاولة الانقلابية الفاشلة وما زلنا نجهل ما حدث بالضبط في تلك الليلة».
كثرة الأخبار والمرويات عن ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو، تشوش الأذهان بدلاً من إنارتها. الصحف والقنوات التلفزيونية تمتلئ بحوادث تلك الليلة، من خلال شهادات شخصية أو إفادات الموقوفين المسربة سواء بسواء. من غرائب الأحداث مثلاً أن رئيس جهاز الاستخبارات القومي هاكان فيدان احتفظ بمنصبه، على رغم الانتقادات العلنية التي وجهت إلى أدائه يوم المحاولة الانقلابية، على لسان كل من رئيس الجمهورية أردوغان ورئيس الوزراء يلدرم. ففيدان الذي وصلته وشاية من قلب المجموعة الانقلابية، في الثالثة بعد الظهر، توجه إلى رئيس هيئة الأركان ليتباحث معه في كيفية المواجهة، ولم يبلغ كلاً من الرئيس ورئيس الوزراء. وقال أردوغان إنه سمع بالمحاولة الانقلابية من صهره الذي اتصل به في الثامنة مساءً، وأن كل محاولاته للاتصال بفيدان فشلت حتى العاشرة ليلاً!
قد يتطلب الأمر انتهاء عهد السلطة الحالية حتى نعرف الجواب على كثير من الأسئلة المتعلقة بغوامض تلك الليلة التركية الطويلة. أما موقف «الإجماع الوطني» الذي تجلى ضد المحاولة الانقلابية فقد ظهر فاقعاً في تلك الصورة التي جمعت أردوغان في قصره مع قادة ثلاثة أحزاب ممثلة في البرلمان: كان ثمة خمسة مقاعد، أربعة منها لضيوف القصر، بقي رابعها فارغا. فقد استثنى صاحب القصر حزب الشعوب الديمقراطي، الممثل عن الكرد وثالث أحزاب البرلمان من حيث عدد النواب، من دعوته، على رغم الموقف الصريح للحزب الكردي المندد بالمحاولة الانقلابية.
كان يمكن التقاط تلك الصورة بأربعة مقاعد فقط، هي تلك المشغولة من المضيف وضيوفه، لكن المصور كان حريصاً على إظهار المقعد الفارغ كأنما ليقول إن وحدة تركيا الوطنية لا مكان فيها لممثلي الكرد. وهكذا يكرر تاريخ الجمهورية التركية نفسه كلما تعلق الأمر بالكرد، أحد العناصر المؤسسة للجمهورية على قول مصطفى كمال أتاتورك، فيتم نبذهم خارج المشهد الوطني، ثم يُطالَبون بالولاء لـ»الدولة الواحدة والعلم الواحد والشعب الواحد والجيش الواحد» ويلامون على أنهم انفصاليون.
قد يقول قائل إن حزب الشعوب الديمقراطي مجرد واجهة سياسية لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً. هذا صحيح إلى حد كبير، لكنه لا يحجب حقيقة أنه حزب سياسي دخل البرلمان بطريقة مشروعة بواسطة أصوات الناخبين. بل إن الحكومة التركية كانت تتفاوض مع قادة حزب العمال الكردستاني نفسه، قبل بضع سنوات، بمن فيهم عبد الله أوجالان في سجنه. حتى في ذلك الوقت دأب أركان الحكومة، ورئيسها أردوغان بخاصة، على مهاجمة حزب الشعوب الديمقراطي في تصريحاته وخطاباته. ربما لأن «الواجهة السياسية» لـ»المنظمة الإرهابية» أخطر منها نفسها في عرف النظام. فالحزب السياسي الكردي هو الذي ينافس حزب العدالة والتنمية الحاكم على أصوات الناخبين الكرد، في حين يمكن مواجهة الحزب المسلح بواسطة السلاح. والحزب السياسي يحوز شرعية شعبية ودستورية، مقابل افتقاد المنظمة المسلحة لهما. والحزب الكردي، أخيراً، خرج من قوقعته الكردية، منذ عامين، وأصبح يطمح إلى أن يشكل قطب المعارضة الديمقراطية الوطنية العامة على مستوى تركيا، وسار خطوات حثيثة بهذا الاتجاه. وهو ما مكَّنَه من تجاوز حاجز العشرة في المئة ودخول البرلمان للمرة الأولى في حزيران/يونيو 2015. هذا الدخول القوي هو ما يفسر انتهاء العملية السلمية وعودة الحرب بشراسة تفوق سابقاتها في التسعينات على المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية. هذا من غير أن ننكر الأخطاء القاتلة للحزب الكردي التي سهلت تسويغ حرب الجيش على المناطق الكردية. وهي أخطاء نابعة بالضبط من تبعية قيادة الحزب الكردي لحزب العمال الكردستاني.
ساد بعد فشل المحاولة الانقلابية جو من الوئام العام والدفء بين خصوم الأمس السياسيين. سبق لرئيسي الحزبين المعارضين، الشعب الجمهوري والحركة القومية، أن عاهدا جمهورهما بالامتناع عن دخول قصر «بش تبة» الرئاسي الذي أنشأه أردوغان لرئاسته، احتجاجاً على ميوله السلطوية وتجاوزه للقصر الرئاسي التقليدي في تشانكايا الذي يعود تأسيسه إلى مؤسس الجمهورية مصطفى كمال. لكن زعيمي الحزبين المعارضين ابتلعا تعهدهما هذا وذهبا إلى خصمهما اللدود في قصره. وإذا كان من غير المتوقع من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي أن يعترض على استبعاد حزب الشعوب الديمقراطي من الدعوة الرئاسية، فليست هذه حال زعيم حزب الشعب الجمهوري الذي كان يستطيع اشتراط دعوة الحزب الثالث في البرلمان ليوافق على تلبية الدعوة. وكان من شأن عدم استبعاد الحزب الكردي أن يخلق فعلاً جو «الوحدة الوطنية» الكاملة في مواجهة المحاولة الانقلابية.
لم يكتف أردوغان بنبذ الحزب الكردي من لقاء القصر، بل نبذه أيضاً من الاجتماع الجماهيري الضخم الذي انعقد في السابع من شهر آب/اغسطس، وألقى فيه زعماء الأحزاب الثلاثة خطابات شددت على تعزيز النظام الديمقراطي. كيف يتم هذا التعزيز باستبعاد ممثلي مكون من مكونات المجتمع؟
القيادة التركية التي لم تجد أي صعوبة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد شبه قطيعة امتدت ست سنوات، ولا أي حرج في الاعتذار من روسيا على اسقاط طائرة السوخوي، تجد صعوبة بالغة في تطبيع العلاقة مع جزء من مجتمعها.
تستعد الأحزاب الثلاثة «المتآخية» (العدالة والتنمية، والشعب الجمهوري، والحركة القومية) لإقامة مهرجان خطابي مماثل لمهرجان إسطنبول المليوني، هذه المرة في ديار بكر، معقل الحزب الكردي المنبوذ. ربما الهدف من هذه الحملة هو إفهام من لم يفهم مغزى ذلك المقعد الكردي الفارغ في تلك الصورة التي التقطت في القصر الرئاسي.
كأن الكرد بحاجة إلى مسببات جديدة للشعور بالمظلومية، ذلك الشعور الذي لا يؤدي إلا إلى الرغبة في الثأر ونبذ السياسة والاعتدال.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي