يمثل عالم اليوم مزيجاً من الارتحالات والهجرات التي بدأت تظهر مؤخراً بوصفها كابوساً ثقافياً وإنسانياً واقتصادياً. الدول التي نتجت بفعل الاستعمار فشلت في تكريس مفهوم الدولة الديمقراطية الحرة، فشلها الأكبر تمثل في عدم القدرة على توفير مجتمعات آمنة، تنعم بالرفاهية والحقوق الكاملة. مع هذا الكم من الاقتتال والتردي الاقتصادي، باتت معظم شعوب الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية في سعي محموم للهجرة إلى مناطق توفر جزءاً من مفهوم الإنسان المقيم في الدولة كما كرستها الممارسات الغربية المتقدمة.
هكذا فقد أنتج العالم أكبر موجات من النزوح والارتحال، ومع توافد البشر نحو البقاع الجديدة ثمة أيضاً ثقافة تنتقل، ومواقف تنبثق بين الماضي والحاضر، مع عين على المستقبل، ولعل هذا يستدعي تكريس أنماط من البحث في هذا التوصيف الجديد.
في كتاب Arab Voices in Diaspora Critical Perspective On Anglophone Arab literature « الأصوات العربية في الشتات: وجهة نظر في الأدب العربي الأنغلوفوني أو (المنطوق والمكتوب بالإنجليزية)
تسعى ليلى المالح إلى دراسة الأدب الذي تم إهماله، وتحديداً تجربة الكتابة ذات الأصول العربيّة، أو لنكن أكثر تحديداً الكُتّاب العرب الذي يعدون جزءاً من البنى الأنكلوفونية الثّقافيّة.
الباحثةُ تنطلقُ من مسوّغات محددة، أهمها تزايد الاهتمام بهذا الأدب في الجامعات والأكاديميات الغربية التي بدأت تعي أهمية اكتناه الآخر. وهنا نعني الآخر الذي نتج بعد جلاء الاستعمار، أو ذاك الذي أدرك حدوده الجديدة في عالم بات غير محدد. الزمان والمكان أضحيا قيمة نسبية، في حين أن المعرفة بدأت تخترق الحدود، فالتواصل الافتراضي، والأفكار لم تعد تتمركز في مواقع معينة، حيث السمة الأبرز لهذا العالم الارتحال الدائم على مستوى الإنسان والأفكار والقيم.
كما أن ثمة مواقف تستند إلى التاريخ في تشكيل وجهة نظر الشّعوب تجاه بعضها بعضا، وهذا يقود بشكل أو بآخر إلى ضرورة توفر استنادات معرفية، ومرجعيات وأرشيف. وهناك أيضاً اكتناها للمتخيل بوصفه نموذجاً مثالياً لاختبار الوعي، وما وراءه.
الدراسات والبحوث في كلا الاتجاهين من شأنها أن تسهم في توفير القدر الأقل ضرراً من تأجيج التنازعات التي تطال بقاع كثيرة من العالم.
ذاك أن الأيديولوجيات المتطرفة تنشأ من الانحرافات والتفسيرات المغلوطة للعالم التاريخي المجسّد باللغة، التي تمارس وظيفتها الأزلية في إنتاج التمثيل، والتمثيل المضاد.
استناداً إلى هذا الفعل الثقافي القائم على المعرفة المشوّهة، ينتج العالم عنفاً متزايداً، في حين تتراجع العقول والمبادئ الإنسانية تحت ركام الصراع الذي يُظهر أن البشرية لم تتقدم حضارياً، ولا سيما في بعض المناطق التي ما زالت تؤمن بالهيمنة والقوة وسيلة مثلى لإنهاء الصراعات، وهذا يعني بطريقة أو بأخرى تراجع أدوار التقدم، والإنتاج.
تنهضُ دراسة المالح على مقارنة تبدو مبررة ومعقولة، خاصة حين تشيرُ إلى الأثر الذي أحدثته الكتابة الكاريبية والهندية والأفريقية في إبراز التجارب الخاصة بها. أدب المهاجرين من وجهة نظرها يتداخل بمفاهيم أدبية متعددة، فهو يمثل قضية، أو موضوعاً أو جزءاً من مقولة عامة، وهذا يتحققُ إذا توجهنا إلى مصطلحين: هما الأدب الفرانكفوني، والأدب الأنكلوفوني. لكن الثّاني يعدّ أكثر حداثة من الناحية الزّمنية من الأول، كونه يعبرُ عن التّعددية الثّقافيّة للناطقين بالإنكليزية ، بالإضافة إلى تعالقه، أو انضوائه تحت مظلة آداب ما بعد الكولونياليّة. هو يلجأ للتّعبير عن قضايا تقعُ في صُلب الخطاب ما بعد الكولونيالي، خاصة التّوتر بين المركز والهامش، أو بين الوطن والطّيف المُضيف في قضايا منها الولاء والهويّة. هذا يحيلنا إلى كتابات هومي بابا الذي نعت هذه الممارسة بالوضعية البينيّة، كما تستشهد ليلى المالح.
تدعو مؤلفة الكتاب إلى العناية بالصّوت العربي وحضوره، عبر التوجه إلى ما يقوم به من تمثيلات نصية، وبوجه خاص في الغرب، وذلك بعد تنامي الاهتمام بالمُنتج الثقافي العربي بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر حيث تقول: «فالعرب أصبحوا مرئيين بعد هذا التاريخ، ولكن عبر بوابة الإرهاب». ومن هنا نستنتج، أن ثمّة محاولة لخلخلة هذه الوضعية عبر التوجه إلى الخطاب العربي المُنتج في البيئات الغربية ولغاتها، لا سيّما الإنكليزية منها.
لا شك أن مقاربة المالح تبدو شديدة الأهمية من حيث توجهها للكتابات العربيّة التي بدأت، أو ظهرت في الغرب، وبالتحديد المُبكرة منها. وهنا تبدو مفاهيم أدب المهجر الذي شكل ظاهرة أدبية، واتجاهاً قاراً في المشهد الأدبي من النّاحية التاريخية والفنيّة، إلا أن هذا الاتجاه عبر التمثيل الكتابي الذي اضطلع به، لا يمكن لنا أن نعدّه واقعاً في آداب ما بعد الكولونياليّة، كونه يحمل عدد من السمات، بينها السعي إلى التّماهي مع الغرب وعدم وجود قلق يتمثل بالتهديد للهوية والبنى الثّقافي وأيضا، عدم وجود تاريخ استعماري متوتر.
وهكذا نستنتج أن أدب المهجر، يتميزُ بنزوعه إلى الإبقاء على التّرابط العضوي بالمنظومة الثّقافيّة العربيّة، فهو يرى في نفسه امتداداً لها من خلال المضامين التي عبر عنها في كتابته، وإن ظهرت أحياناً قضايا فرضتها تجربة الاغتراب، ولا سيّما الحنين للأوطان، والرّؤى الفلسفية التي تنبثق نتيجة المؤثرات الغربية. لكن المتن كمياً ونوعياً، كان عميقَ الصّلة بالفضاء الثقافي العربي، باستثناء الأشكال التي أخذت تتأثر شيئاً فشيئاً بالتّجربة الغربية. هذا فرضته عدة عوامل، أهمها حداثة تجربة الاغتراب والإبقاء على الرّوابط مع الأوطان وعدم وضوح الحس القومي بمفهومه السّياسي الاجتماعي.
فالهويّة بتمظهرها السّياسي أو الاجتماعي للشعوب العربيّة، لم تكن قد تحققتْ،أو نضجت بعدُ، بالتّوازي مع وجود رغبة عميقة بالارتباط بالوطن، على الرّغم من الابتعاد عنه فيزيائياً، ولكن من دون التعمق بالهويّة، أو القلق بشأنها، أو حتى جراء تشققها نتيجة تجربة الاغتراب كما تنص دراسات ما بعد الكولونيالية وتعرفها بمتلازمة الاغتراب، التي تتموضع منهجياً في الخطاب ما بعد الكولونيالي، كما يشير بيل أشكروفت، الذي يذكر بعض الأمثلة كالفيجيين والهنود، والكنديين، والأستراليين، والنيجريين. هنا تبرز لافتة أو ثنائية السيد والعبد، وتجسدها بوضوح أعمال تشينو أشيبي، وسوينكا، واثينغو، وغيرهم.
ولعل هذا ينطبق أيضاً على الفلسطينيين الذين يعانون من هذه الظاهرة داخل فلسطين المحتلة، وغير ذلك المسائل، وقد وضحها كتاب «الإمبراطورية ترد بالكتابة».
ظاهرة الاغتراب لم تعدّ واقعاً نتج بفعل تجربة أليمة فحسب، إنما نشأ بحسبها جملة من الإشكاليات، منها، مفهوم الهويّة، وبوجه خاص في حقبة زمنية معينة مما يدفع إلى المزيد من الصّراعات والنزاعات، فالمهاجرون كانوا يمتلكون خياراتٍ متعددة كما يتضح من التّنقل (الحر) بين الأوطان الأصلية، والأوطان التي تمت الهجرة إليها.
مما لا شك فيه أن الآليات القرائية للأدب العربي، ينبغي لها أن تقترب من البحث المنهجي، وبشكل خاص اكتناه أثر الانزياحات السّكانية العابرة للجغرافيات، ومنها المسألة الفلسطينية، والسورية والعراقية والمغاربية وغيرها، فالارتحال والهجرات صاغت هذا الإنتاج في ظل تنامي هجرات الشّعوب العربيّة صوب الدول الغربية، ولا سيّما تلك التي مارست استعمارا كلاسيكياً. هذا يتضحُ بأبرز تجلياته في الهجرات المغاربية نحو فرنسا خاصة، وأوروبا عامة، وتحديداً بعد منتصف القرن العشرين. وطبعاً، ثمّة الهجرات الفلسطينيّة بعد النكبة، كما الحرب الأهلية اللبنانية، وحرب الخليج، مع الإشارة بالطبع إلى أثر العامل الاقتصادي في العديد من الهجرات الكونية.
كافة النشاطات السّكانية المرتحلة تمارس نوعاً من الكتابات أو (الصيغ الجديدة) التي جاءت نتيجة ظروف ينتمي معظمها إلى خارج حدود النص، بيد أن هذه المؤثرات شديدة الأهمية من حيث تحقق الأثر على التّشكيل الفني للنص؛ نتيجة عوامل التّأثر والتّأثير، والتّلاقح الثّقافي المستمر، كل ما سبق يقع ضمن فضاءات مُتهاجنة، وهنا نصيب شيئاً من التّداخل بين هذا المستوى من الكتابة، وبين الأدب المقارن بيد أن أدب الشّتات أكثر تعقيداً، كونه ينطلق من رؤى أيديولوجية مُهيمنة. هو بذلك يستوي مع ما أشار له «هومي بابا» حين وصف هذه النصوص بالبينية، أي لكونها تتوسط، أو تقع في مواقع وسطى (بينية)، أي بين ثقافات متعددة، ربما تتنازع، أو تستلفُ، كما تتأثر، وتؤثّر في الفضاء الثّقافي المحيط الذي أنتجتْ فيه، أو أنتجت من خلاله.
ولكنها في الوقت ذاته، ما زالت حاملة في داخلها منظومات من ثقافة أصيلة متمرسة في الوعي، ومنها نموذج يسعى إلى التّقويض، وتدمير خطاب الآخر، أو الاستثمار عبر نسقه التاريخي كما نشهد في الخطاب اليهودي الذي تمظهر في خطابٍ وممارسة واعية ما جعله قادراً على استثمار هذا الحدث التاريخي على أكثر من مستوى، وهذا يحتاج إلى المزيد من الاختبار والعناية البحثية.
كاتب فلسطيني أردني
كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب