سارة

حجم الخط
0

في مكان آمن وقصي من الذاكرة، خبأت سارة وذهبت. ابتعدت ولا اعرف الآن عنها غير ما انتهيت إلى رسمه أو تخيله حين استحضرها، وكثيراً ما أفعل.
سارة، فتاة أحلام لكل ذكور الحي، وبصرف النظر عن أعمارهم أو قدراتهم على التخيل. هي أنثى الرغبات المكتومة وأيقونة ما يُشتهى ولا يُطال.. وكيف يمكن أن يُطال.
من مكان ما، قرية أو مدينة بعيدة، جاءت سارة فجأة بصحبة زوجها وسكنت بيتاً يشبه القصر، لا لأنه يحمل مواصفات القصور وبذخها العلني، بل لأنه، حين تقارنه بمحيطه العمراني الفقير، يبدو بمثابة قصر فعلي، لم يخطئ بناته باختيار موقعه المتميز في زاوية حادة تمثل نهاية حي الحسين وبداية الشارع النازل بقسوة إلى حي النزهة. هناك، حيث عشت سنواتي الأخيرة في الزرقاء. في بيت قريب من بيت سارة، قصر سارة، كما اعتدنا على وصفه في الحوارات الشيقة والشبقة، أو الحزينة التي تحتلها تلك الفتاة اللافتة.
جميلة كانت سارة.. لا، عليّ البحث عن مفردات بديلة لهذه المفردة البسيطة والمحايدة: فاتنة كانت، آسرة.. ملهمة ومثيرة..
تبدو المفردات والصفات جميعها متواضعة حين تستدعيها لوصف تلك الفتاة، تبدو بلا معنى. أنثوية تماماً، كما يحلو للقصائد أن تصف كانت هي وحزينة أيضاً.
هكذا كانت تبدو لي مراراً من خلف نافذتها التي تطل على الشارع، حيث اختارت سارة أن تقف، وفي أوقات شبه محددة دائماً: بعد التاسعة صباحاً، أي بعد خروج زوجها إلى العمل، أو في آخر الليل، بعد أن يغط في نومه على الأغلب.
وكأن طلاتها المنتظمة تلك هي وسيلتها للإعلان عن أنها لا تزال هنا، على قيد الحياة، أو أنها ترغب بالحياة ولا تستطيع؟ فبعيداً عن وقفاتها الملهمة تلك لم تكن تظهر سارة إلا وهي تسير بأناقة قطة من باب البيت إلى باب السيارة الواقفة أمامه، وهي اللحظات القليلة والسريعة التي تسمح لنا عبرها باصطياد مفاتنها كلها، وبنظرة صقرية واحدة.
حاضرة غائبة كانت سارة في ذلك الحيز الجغرافي المسكون بالرغبات واللعنات من الحي. وحاضرة على الدوام في أهواء ذكور الحي.. وربما عند نسوته كذلك.
مثل نجمة بعيدة ولكنها محورية الدور والحضور كانت تلك الفتاة التي أضاف سجنها في ذلك القصر أسباباً لا تُعد لسحرها.. سحر الفاتن البعيد سحر سارة التي لم أعرف اسمها الثاني ولا من أين جاءت ولماذا صارت سجينة هناك. ولكنني سأعرف، قبل أن أغادر الزرقاء بأسبوع واحد، وعبر ثلاث دقائق يتيمة معها، بأنها كانت ترسم.
حدث ذلك اللقاء غير المنتظر في ظهيرة ساخنة أثناء مغادرتي البيت لشراء شيء ما من البقالة المجاورة لبيت سارة التي كانت، على غير عادتها في ذلك الوقت، واقفة خلف النافذة. لمحتها على الفور، وانتبهت بدهشة إلى أنها، وعلى غير عادتها أيضاً، تحدق بي. ثم، وإمعاناً في الدهشة والإرباك، فتحت سارة باب نافذتها وأشارت بأصبعها إلى باب البيت: تعال.. ذهبت، وكانت سارة هناك، تفتح باب القصر الحديدي الكبير بمواربة وحذر، وتقول: أعتذر عن الإزعاج.. هل يمكنك شراء هذه الأشياء لي من المكتبة؟ وقبل أن أجيب مدت لي ورقة صغيرة بطلباتها وعشرة دنانير. واشتريت ما رغبت به سارة من أقلام مخصصة للرسم وبعض الأوراق وعدت مسرعاً. كان باب القصر مغلقاً، وحين اقتربت منه فتحته قليلا ومدت يدها على الفور لاستلام ما طلبت.
ـــ شكراً، قالت
ــ ترسمين؟
ـــ بخربش أحياناً، أجابت بحياء منحها فتنة مضاعفة حينها.
شكرتني مرة أخرى وأغلقت الباب. لم تمنحني فرصة للمزيد من الكلام، ولا وقتاً كنت أنشده لطرح الأسئلة.. الكثير من الأسئلة.
سوف أحلم مرات عديدة إثر ذاك اللقاء بأن سارة قد دعتني لقهوة في صالون بيتها. وبأنها قصت حكايتها عليّ. وسوف أذهب بعيداً وأخالها وهي توصد الأبواب وتراودني عن نفسي، وبأنني، على العكس من النبي الجميل، لن أرفض، ولكنها لم تفعل، شكرتني وأوصدت باب بيتها وإلى الأبد.
وسافرت، تركت سارة لأحوالها وسجنها وما تخربشه من صور على الأوراق. وحين عدت للمرة الأولى بعد سنوات ثلاث إلى الزرقاء، كانت لا تزال هناك، كما هي، خلف ستائر النافذة. في ذلك البيت الذين نسميه قصراً، وفي قلب ذات الطقوس الغامضة التي أحاطت حياتها بها.. أو أحيطت رغماً عنها بها؟ من هي تلك المرأة السجينة التي اختصرت كل الأنوثة في كائن واحد؟
سوف يرحل شريف، صديقي العتيق، عن الحياة فجأة ولن يعرف جواباً لذاك السؤال الهادر. سوف أمعن أنا في السفر ولن أعرف جوابا. وسوف أعود مرة إلى الزرقاء وأعرف بأن سارة قد غادرت وزوجها الحي إلى مكان ما.
إلى أين؟ لا يعرف أحد من سكان الحي إلى أين غادرت سارة، ومن تكون.
مثل فاكهة محرمة كانت سارة، مثل عنقود عنب توراتي في حديقة مسورة وعالية كانت تلك المرأة البعيدة والمشتهاة.. من أين جاءت تلك السجينة الفاتنة؟ إلى أين رحلت؟ ولماذا تركت كل هذا الاثر البليغ فيّ؟ لماذا حملتها في ذاك المكان الآمن والقصي من الذاكرة ولم أغامر مرة واحدة بإطلاقها من هناك.. ولماذا أرى نسوة الأرض فيها، وأراها على هيئة كل النساء؟
لا أعرف، وربما لن أعرف أبداً.

٭ كاتب فلسطيني

سارة

نائل بلعاوي *

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية