بصيغة قصيرة وموضوعية بلغت قيادة البشمركا الكردية في العراق بأن قواتها أنهت هذا الاسبوع حملة عسكرية ناجحة شرقي مدينة الموصل، حيث حررت 12 قرية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية داعش وقتلت 126 من مقاتلي التنظيم. طريقة القتال، التي تتم بالتعاون مع قوات خاصة من الجيش الأمريكي بمساعدة روسية، هي جزء من تخطيط طويل المدى، بموجبه يحتل محيط الموصل بالتدريج من القوات الكردية والجيش العراقي، حتى اللحظة التي يتقرر فيها اقتحام المدينة الكبرى. وبهذا الشكل يوسع الأكراد رافعة حكمهم ويثبتون لأنفسهم المزيد من الأراضي الإقليمية في العراق.
جنوب مناطق القتال، في العاصمة بغداد، تدار دولة اخرى، وكأنها غير مهتمة بالحرب ضد الجهاديين. فالبرلمان العراقي يعيش في معمعان سياسي لا يدع رئيس الوزراء حيدر العبادي يقيم حكومة كما يرغب. وبعد اسابيع طويلة من المداولات وافق البرلمان على أن يقر هذا الاسبوع خمسة من ستة وزراء «التكنوقراطيين» الذين طلب العبادي تعيينهم، ولكن بالذات على الرجل الذي يفترض أن يدير المعركة العسكرية، وزير الدفاع، لا يوجد توافق بعد. والخلاف ليس فقط بين السنة والشيعة، بل وايضا بين الشيعة انفسهم، وبينهم بين التركمانيين الذين يشعرون بالتمييز ضدهم في تركيبة الحكومة، وبين الجميع والاكراد، الذين لا يخفون تطلعهم في أن يكون العراق دولة مقسمة يصبح فيها الاقليم الكردي دولة مستقلة.
خارج العاصمة، في لواء الانبار السني وفي مدينتي الرمادي والفلوجة اللتين حررتا من سيطرة الدولة الإسلامية، تدور رحى حرب من نوع ثالث. في هذه الاماكن تجري تصفية حسابات بين السُنة الذي عارضوا سيطرة الجهاديين والمواطنين والموظفين الذي تعاونوا معهم في الفترة التي سيطر فيها التنظيم المتطرف على هاتين المدينتين، وبين اولئك المواطنين وبين الميليشيات الشيعية التي قاتلت ضد داعش والآن اصبحت قوة الاحتلال بكل المعنى المتوحش للكلمة. اكثر من 19 الف مواطن اعتقلتهم الميليشيات حتى الآن وقتل الكثيرون او اعدموا، وبقي عشرات الالاف بلا مأوى.
هذه الميلشيات لا تتشكل من صنف واحد. بعضها، نحو 20 منها، تدربها وتسلحها إيران، ولا تخضع على الإطلاق لتعليمات الحكومة. وعندما سعى رئيس الوزراء إلى تعيين رجل شرطة كبير سابق لقيادة احدى الميليشيات، رفض قادة الميليشيات التعيين واوضحوا بأنهم لا يعتزمون اطاعة القائد الذي لم يعينوه هم. قسم آخر من الميليشيات تعد من الموالين للزعيم الشيعي، علي السيستاني، وهي تعارض سواء ايديولوجيا أم تكتيكياً طريقة الادارة الإيرانية. بعضها الثالث متفرع عن الاحزاب الشيعية في العراق، وتعلم بالتنسيق وبتوجيه من سياسيين لا ينسجمون بالضرورة مع رئيس الوزراء في رؤية اهداف القتال.
وبالتوازي مع هذه المجموعات المقاتلة، يعمل الجيش العراقي حسب اجندة خاصة به. صحيح أنه تابع لامرة الحكومة، ولكن في ظل عدم وجود وزير الدفاع تطور وحدات الجيش جدول اعمال خاص بها. وكنتيجة لذلك، فإن التعاون الخارجي لدول التحالف، ولا سيما الولايات المتحدة، يعتمد على وحدات او هيئات تعمل بشكل شبه مستقل، مثل القوات الكردية او القبائل السنية، بينما الجيش العراقي يكتفي بصيانة المنطقة.
على استراتيجية العمل العسكري ـ فضلا عن التطلع المشترك لاحتلال الموصل والقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ـ تؤثر ليس فقط القوات المحلية وانتماءهم السياسي، بل وايضا الجهود لمنع السيطرة السياسية من جانب أي من القوى العظمى المشاركة في الحرب. إيران، في هذا السياق، قلقة من أنه بعد أن سيطرت روسيا على المجال العسكري والسياسي في سوريا ستسعى إلى بناء العراق كدولة مرعية. وتسعى السعودية إلى صد النفوذ الإيراني، ولكنها عديمة الروافع الناجعة داخل العراق، وعليها ان تعتمد على التصميم الأمريكي في صد روسيا وإيران، التصميم الذي يبدو في هذه اللحظة هزيلا على نحو خاص.
وتفضل إيران وروسيا عراقا موحدا وليس دولة فيدرالية قد تتمزق إربا؛ هكذا ايضا الولايات المتحدة. ولكن هذه القوى العظمى تصطدم بالتطلعات المحلية، وليس فقط من الاكراد، بل وايضا من السنة والشيعة الذين يتحدثون عن تطلعهم لإقامة اقاليم ذات حكم ذاتي.
بشكل مفعم بالمفارقة، فإن الحرب ضد داعش بالذات تخلق قاسما مشتركا هزيلا بين القوى العظمى، ولكن كل واحدة منها تخطط منذ الان للمرحلة ما بعد القضاء على التنظيم المتطرف.
كما أن للصراع ضد التنظيم أثرا مشابها ايضا على قوى محلية كالحكومة، الاكراد والميليشيات. اما التهديد المقلق الذي يشير اليه المحللون العراقيون فهو ان الحرب ضد داعش ستتبين في النهاية بأنها «الحرب الصغرى»، التي ستأتي في اعقابها الحرب الكبيرة ـ الحرب الاهلية العراقية، التي ستكون أفظع بكثير من الحرب الاهلية في افغانستات بعد انسحاب القوات السوفييتية، في بداية التسعينيات.
هآرتس 18/8/2016