لقد كان حقا آخر الرجال المحترمين عن جدارة!

تغير مسار ما كنت قد خططت لهذا الأسبوع، والسبب هو خبر وفاة الكاتب الصحافي الكبير عبد العظيم مناف (أبو الوليد)؛ وقد ودعته مصر والوطن العربي، بعد أن أسلم الروح يوم الأربعاء الماضي.. وشُيع إلى مثواه الأخير الخميس أول أمس بمسقط رأسه في قرية منشاة الحاج مركز البهنسا محافظة بني سويف.. والراحل الكبير صاحب قامة وقيمة صنعتها مواقفه وصلابته وإخلاصه لوطنه وأمته وللمبادئ التي نذر نفسه لها.. ودفع ثمن كل ذلك عن رضا وقناعة.
وكان الراحل الكبير يتحلى بصفات ومناقب قل أن توجد في إنسان هذا الزمان؛ كان عزيز النفس.. صلبا.. جسورا.. مجاهدا.. قوي الإرادة.. من ذوي العزائم.. مضيافا.. نبيلا وعظيما ومخلصا. وكان وفيا لكل ما آمن به؛ مضحيا بما يملك؛ فداء له. ونعاه يحيى قلاش، نقيب الصحافيين المصريين، فكتب: «توفي إلى رحمة الله الأستاذ عبد العظيم مناف، رئيس مجلس إدارة وتحرير الموقف العربي وصوت العرب بعد صراع قصير مع المرض، رحمه الله وأدخله فسيح جناته على قدر ما أعطى للمهنة، وعلى قدر ما أخلص في مواقفه التي انحاز فيها لوطنه وأمته العربية». ونعى علماء ومفكرون وسياسيون وكتاب وصحافيون الراحل الكبير. وقررت نقابة الصحافيين إقامة تأبين له الأسبوع المقبل بمقر النقابة بوسط القاهرة.
ونعى الائتلاف الوطني للمرأة المصرية والعربية والاتحاد الدولي للمرأة الأفريقية والآسيوية ورابطة نساء مصر ومجلس سيدات مصر والشرق الأوسط؛ نعى كل هؤلاء الصحافي والكاتب الكبير عبد العظيم مناف، ووصفنه في بيانهن الصحافي المشترك (الأربعاء الماضي) بآخر الرجال المحترمين وجاء فيه: «رحل آخر الرجال المحترمين.. عبد العظيم مناف تاركا خلفه أجيالا متتالية تتلمذت على يديه، وتاريخا ناصع البياض يفتخر به المختلفون معه، قبل المتحاكين بنبل أخلاقه وشجاعته وعبقريته المتفردة، حتى أصبح «طاقة نور» في شارع الصحافة والسياسة المعتم».
ويواجه منذ السبعينات معارك متصلة لا تتوقف، وكان دوره الوطني والقومي والإنساني قد بدأ واستمر في مناخ غير موات.. ومع حلول حقبة شهدت أخطر التراجعات، التي نقلت مصر من الاستقلال إلى التبعية؛ بأشكالها وأنواعها المتنوعة والمتعددة.. وفيها فرط السادات في حق لا يملكه ومنحه لمن لا يستحق.. وهي الإدارة الأمريكية حيث أهداها 99٪ من الأوراق السياسية.. ونقل البلاد من رحابة الانفتاح على العرب، وسعة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وفضاء التعاون الدولي المتكافئ، إلى الضيق الانعزالي، والتآكل الطائفي، والاقتتال المذهبي، وذل الحاجة وخذلان التبعية.. ووُضِعت مصر في ظروف لم تجربها من قبل.. وكان ذلك تمهيدا مطلوبا وأوراق اعتماد يحتاجها الزحف الصهيوني في تسلله إلى قصور الحكم والمُلك العربية، وفي اختراقه الأجهزة الحكومية واستقطاب جماعات المال والسماسرة وعصابات تبديد الأصول وسرقتها وتصفية الاقتصاد الوطني والقضاء عليه، وطمس الانجازات الاشتراكية، وأي توجه نحو العدل الاجتماعي، وأي محاولات للوحدة الوطنية.
وأنتُزِع المجهود الرسمي وأضيف عمقا ورديفا للنشاط الصهيو رأسمالي؛ مع سحب الدور المصري من دوائره العربية والافريقية والإسلامية واللاتينية والتحررية.. وذلك هو المناخ الذي عمل فيه عبد العظيم مناف، وأسس «دار الموقف العربي للطباعة والنشر»، وقد صدرت عنها مجلة «الموقف العربي» الشهرية.. وشقيقتها صحيفة «صوت العرب» الاسبوعية، وإذا بها منابر قومية حقيقية؛ احتضنت ورعت كتابا وصحافيين شبابا؛ أصبحوا ملء السمع والبصر في ميادين الثقافة والإعلام والصحافة والفكر.. بجانب قدرتها على الاستعانة بقامات صحافية وفكرية عالية، كانت لها مكانة بارزة في عالم الصحافة الوطنية والعربية؛ منهم المفكر الراحل محمد عودة، والكاتب الراحل محمود المراغي.. والصحافية الكبيرة نجاح عمر.. ونماذج أخرى فاقت الحصر استمرت قابضة على جمر الاستقلال الوطني والعروبة والعدل والتقدم.
كتب حسن هيكل ابن الاستاذ الراحل محمد حسنين هيكل يقول: قرأت مذكرات شعراوي جمعه علي صفحات «الموقف العربي» وكتابات عادل الجوجري والفريق محمد فوزي متحدثا عن حرب الاستنزاف، اما كتابات حروب عبد الناصر لامين هويدي فقد كانت من ابداعات «دار الموقف العربي».. ويسترسل؛ كانت «صوت العرب» اول جريده قَصَف اقلام كتابها صفوت الشريف.. كان محمود المراغي رئيس التحرير، وكانت نجاح عمر رئيسه قسم الاخبار، وكان عبد الله السناوي ومحمد حماد واسامه عفيفي وسيد زهران وطبعا عبد الحليم قنديل من كتاب «صوت العرب» واهدى صفوت الشريف وحسني مبارك إغلاق الجريده ارضاء للسعودية.
وأُغلقت «صوت العرب» و بقيت «الموقف العربي». ولم يكن نشاط «دار الموقف العربي» قاصرا على الإصدار الصحافي بل طبعت ونشرت ووزعت أهم المؤلفات والدراسات الوطنية والقومية، وغطت الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه.. وصدرت عنها دراسات وكتب علمية وفكرية وتاريخية وفلسفية عن الوطن العربي ومستقبله.. وكانت أول من أنتج الكتاب المسموع ونجحت في استقطاب العلماء والأكاديميين والمفكرين والكتاب والنقاد والأدباء والصحافيين العرب.
وجاء الإغلاق الأول للدار «عربون ود» لأول زيارة رسمية للملك فهد بن عبد العزيز لمصر في سنة 1989. وهي السنة التي ضاقت فيها مصر، وأصبحت لا تتسع لحسني مبارك ولا الملك فهد أو عبد العظيم مناف.. وقرر الرحيل من مصر.. وجاء إلى لندن يحمل معه مشروع إعادة إصدار صحيفة «صوت العرب» منها.. وقد صاحبته خلالها.
وفي لندن فُتحت أمامه جسور التواصل بسياسيين وكتاب وصحافيين وفنانين مصريين وعرب؛ منهم السياسي الراحل عبد المجيد فريد وكاتب المسرح الشهير الفريد فرج وزوجته الفنانة ثريا العجيزي.
ومن الصحافيين المخضرمين كانت ثريا حمدي وعبد الله حمودة وحسن عامر وحسين قدري والناشر الراحل منير موافي والناشط القومي أمين الغفاري.. وعدد من فناني ورسامي ومخرجي ومنفذي الصحف والمجلات والمطبوعات؛ عادل نعمان وفكري عياد ومحمد كامل مطاوع ومعتز توفيق.
والغريب أن سنة 1989 هي نفس السنة التي قررت فيها إنهاء حالة المنفي التي عشتها بعيدا عن مصر لمدة سبعة عشر عاما.. وأذكر حين اتصلت بالفقيه القانوني والمفكر القومي الراحل د. عصمت سيف الدولة لاستطلاع رأيه.. قال لي أنني سأواجه متاعب، وهل أنا استعداد لها؛ أجبته بنعم.. مضيفا إن لم أضع نهاية لحياة المنفى فمن يضعها غيري.. وقدم كل ما استطاع من عون.. وحضرت إلى القاهرة وواجهت متاعب ومضايقات وحجز ومنع من السفر.. وحين عدت للندن كان عبد العظيم مناف يستعد للمغادرة عائدا للقاهرة.
ومع استفحال الأخطار الانعزالية والطائفية والمذهبية لم يتزحزح عبد العظيم مناف قيد أنملة عن طريقه.. ووقفت مجلة «الموقف العربي» وصحيفة «صوت العرب» في تحد واضح تقاوم التطرف والإنكفاء والتطبيع، وتتحدى المفسدين والطغاة.. وكان كل ذلك لدى أبو الوليد خط أحمر لا يجب تجاوزه.. وكان يعلم أن هنك ضريبة واجبة الدفع ثمنا للتصدي لأولئك الذين ملأوا الأرض جورا وفسادا.. وكان يدفعها راضيا وقانعا فكان يعتبر ما يقوم به فرض عين لا فكاك منه.
ودخل معتقلات السادات ضمن قادة الفكر والسياسة في مذبحة أيلول/ سبتمبر 1981، التي أطلق عليها موسى صبري ثورة سبتمبر، وكانت قبيل «حادث المنصة»، الذي اغتيل فيه السادات بشهر!..
خسارتنا في فقدك يا أبو الوليد فادحة؛ فمن ذا الذي يعوضها.. ونحن في مسيس الحاجة إليك، فوطننا العربي يتمزق ويتقسم ويستنزف ويُباد سكانه ويهجرون عنوة لتطمس معالمه؛ من العراق حتى ليبيا والبقية تنتظر الدور.
ويبقى أبو الوليد حاضرا.. وتبقى روحه وذكراه العطرة معنا.. فالنبلاء والأوفياء لا يغيبون.. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.. وحشره مع الصديقين والأولياء والصالحين.. وحسن أولئك رفيقا.

٭ كاتب من مصر

لقد كان حقا آخر الرجال المحترمين عن جدارة!

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية