كلما بدت للكثيرين منا تناقضات موقف أو تصرف أو شخص ما استدعينا بيت الشعر المشهور للصحابي الأسود بن أبي الأسود النهدي، الذي ينسبه البعض لأبي الأسود الدؤلي أيضا: لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم يتبدى هذا التناقض المشين بين الأقوال والأفعال أكثر ما يتبدى في عالم السياسة، ويتفاقم هذا التناقض عندما تدعي هذه السياسة استنادها إلى منظومة أخلاقية، أو عندما تستخدم ديباجة دينية. اليوم يعاني السوريون من مواقف بعض الدول والجماعات والأحزاب بل وحتى الأشخاص مما يحدث في بلدهم الذبيحة، سأحاول فيما يلي رصد بعض هذه المواقف. إذ كم يبدو رائعا احتفال الإيرانيين قبل بضعة أيام بديمقراطيتهم التي تمكنهم من اختيار رئيس للبلاد يأتي للحكم عبر صناديق الاقتراع، رئيسٍ من بين عدة مرشحين يقدمون للناخب الإيراني برامجهم وخططهم للسنوات الأربع القادمة، في ما لو اكتسبوا ثقة المواطن، وربما لا يكون برنامجه الانتخابي على توافق تام مع السلطة الدينية، أليس من أجل بعض ذلك خرج السوريون بمطالب الحرية والكرامة؟ ألا يرى الإيرانيون قباحة موقفهم بالوقوف بكل ما أوتوا من قوة إلى جانب نظامٍ يقتل مواطنيه ويدمر بلادهم وحضارتهم وتاريخهم، لأنهم حلموا بممارسة عملية انتخابية لا تأتي عدة مرات متتابعة بالقائد الفذ وبنسبة 99.99′ أو أقل بقليل، على الرغم من الفشل الممنهج الذي يرفدهم به. ربما يكون الموقف الروسي، الوحيد من بين القوى الداعمة بكليتها للنظام السوري، الذي يتصرف بانسجام تام مع طبيعة حكمه وبنيته، وهو مازال يترنح بين بقايا ذكريات الوريث السوفييتي ومحاولات وُلوجِه العهد الليبرالي، لتكون النتيجة خليطا من الدكتاتورية والتفاوت الطبقي، وبروز الأوليغارخيا المتوحشة، إذ عندما يتم باسم الدستور والتقيد به انتخاب رئيس للبلاد لمدتين رئاسيتين، ثم يتبادل هذا الشخص المنصب مع رئيس الوزراء لمدة أربع سنوات ليعود بعدها إلى القصر الرئاسي، لأن الدستور لا يسمح بأكثر من فترتين رئاسيتين متتابعتين، أظن أن مثل هذه الديمقراطية، ومثل هذا التداول للسلطة يشكل وصمة على غرار تعديل الدستور السوري عام 2000. رائعٌ هو أيضا انتقاد وسائل الإعلام ردة فعل الحكومة التركية على المعتصمين في ساحة تقسيم، ورائعة التغطية الإعلامية والتضامن منقطع النظير مع المتظاهرين ضد حكومة أردوغان الغاشمة، أليس من أجل هذا الحقوق خرج السوريون على نظام الفساد والاستبداد في دمشق؟ يعرف الجميع كيف وصل الزعيم التركي إلى سدة الحكم، وكيف أعيد انتخابه في ظل تجربةٍ ديمقراطيةٍ ناجحة واقتصادٍ نام بمعدلات غير مسبوقة في مرحلة ركود اقتصادي عالمي. كما يعرف الجميع كيف وصل الرئيس السوري إلى كرسي الحكم بتعديل دستوري سيبقى عارا في تاريخ سورية، كما يتذكر الجميع مسرحيات التمديد باستفتاءٍ يخلو من المرشحين الآخرين، ولو كانوا صوريين، كما يفتقر لأدنى مستويات النزاهة والرقابة. ربما يعرف الجميع إنجازاتِه التي تؤهله وتؤهل نظامه لمتابعة رحلة الحكم، فالقضاء على ما تبقى من الطبقة الوسطى بسبب السياسات الاقتصادية التي أدت لتطبيق الليبرالية الاقتصادية المتوحشة قبل الدخول في مرحلة التحديث، ورفض مرافقة ذلك بنفس الخطوات في عالم السياسة، وارتهان المشاريع الاقتصادية المتوسطة والكبيرة لفئة المحسوبيات التي أحيلت الى طبقة المنتفعين المحيطة بأعمدة النظام، وخصخصة كل ما كان يعين الفقير على البقاء بما يسد الرمق، وتفاوت أسعار جنوني بين مستويات الدخل ومستويات المعيشة، وتخلي الحكومة عن نظام التعليم وتسليمه للقطاع الخاص بأسعار لا يستطيع تحملها إلا الحيتان والقروش الكبيرة، كل ذلك مما يحسب لهذا النظام، وكان يراد له أن يحدث تحت عنوان تحديث سورية. كذلك رائعٌ تمتعُ حزب الله في لبنان الشقيق بالحرية السياسية وبحقه في المشاركته النيابية، مع ملاحظة أنه هو وطائفته إن لم يكن أقلية، فعلى الأقل يمثل فئة كغيره من الفئات الطائفية والحزبية من الناحية العددية، أليس حرمان الأكثرية السورية، وبالطبع، السوريين على اختلاف انتماءاتهم من مُعَيْشير ما يتمتع به حزب الله في لبنان، هو الذي دفع بالسوريين للثورة ضد ديكتاتورية الأقلية؟ مع التشديد على أن الأقلية هنا ليست بالمعنى الطائفي، وإنما بمعنى طبقة المتمتعين بالمصالح والمسبحين بحمد النظام بكرة وعشيا. بكل جرأة تتحدث محطة الميادين التابعة للإعلامي القدير غسان بن جدو عن وضع الجاليتين السورية واللبنانية في البرازيل، وعن الانجازات الرائعة التي حققتاها، وعن فضاء الحريات الواسع الذي أتاح لهما الوصول إلى أعلى المناصب، أليس بعض ذلك مما يحلم به السوريون في وطنهم بعدما صبروا على حرمانهم منه لعقود؟ إذ بعد ما نحى حزب الله وزعيمه سياسة النأي بالنفس عما يحدث في سورية جانبا، وانغمس بقضه وقضيضه في معركة النظام ضد شعبه، كذلك رمت هذه المحطة، التي أراد لها الكثيرون أن تمثل واحة إعلامية متفردة في المنطقة، بعد انتصار النظام وكتائب حزب الله في القصير، كل معايير الحياد جانبا وتجلت عن محطة ناطقة باسم النظام وترديد مقولاته. كثيرا ما يردد معلقون ومحللون إعلاميون وسياسيون جملا من قبيل ’11 ايلول/سبتمبر غير ما بعدها’، بالطبيعة فإن كل لحظة زمنية ستكون مغايرة للتي قبلها، ولكن هذه المقولة تنطبق في الحالة السورية على غزوة القصير، إذ ان كلا من النظام السوري وحزب الله ومحطة الميادين التي أصبحت ناطقا رسميا باسم المعارضة التركية التي تريد الإطاحة بالزعيم التركي ‘الظالم’ الذي يطلق رشاشات الماء على المعتصمين في ساحة تقسيم بلا أدنى مشاعر الرحمة، وربما أتبعها بالقنابل المسيلة للدموع، أليس هذا ما طالب به المتظاهرون، زبانية نظام الحكم في دمشق في بدايات ثورتهم؟ ألم يرفع أهالي حمص الأبية، بروحهم الفكاهية الرائعة، لافتات يرجون فيها أجهزة القمع الوحشية معاملتهم بهذه الطريقة وبإطلاق العيارات المطاطية عليهم؟ هل يمكن للمرء العاقل أيا كان انتماؤه أن يتعرف على الفروق البسيطة بين صواريخ سكود والطيران الحربي، وبــين رشاشات المياه والطلقات المسيلة للدموع؟ هل ثمة فرق بين مظاهرات امتدت بضعة أسابيع أدت إلى مقتل أربعة أشخاص (مع إدانتنا لذلك وتمنياتنا أنه لو كان بالإمكان تجنب ذلك) وبين عداد الموت والقتل المستمر منذ أكثر من 27 شهرا، والذي وصل على أقل التقديرات الى المئة ألف شهيد؟ ألا إن بعض العدل سيعطي كل مجتهد نصيبه من الجواب الصحيح!