بيروت ـ «القدس العربي»: منار الحركة شاب لبناني قرر خوض التحدي، فكثير من الشواهد البشرية التي فقدت خصوصيتها بفقد أطرافها شجعته. الهدف خلق ذراع بأصابع تتحرك الكترونياً. إجتهد، ثابر، بحث ونادراً ما عرف النوم على مدى ثلاثة أشهر، وكان الإنجاز. ابتكار جديد يحتاج لتطوير، فالهدف التالي لمنار ذراع تقوم بكافة مهام اليد الطبيعية بما فيها عزف الموسيقى.
عن حكاية هذا الاختراع يخبرنا منار الحركة الذي درس علوم المعلوماتية والاتصالات في الجامعة العربية المفتوحة: ركزت أفكاري عندما كنت بصدد مشروع للتخرج. ولأني أعمل في منظمة إنسانية كنت على تماس مع حالات لأطفال فقدوا أذرعهم. مزحت مع زملائي بأني سأجد حلا لهم، وسأعوض عليهم بأطراف مشابهة. كنت على حدود الزمن المتاح لي للتقدم بمشروعي عندما تباحثت مع أستاذي حول الفكرة والتي تحمل تعريف اليد الروبوتية أو «بيونيك» بالانكليزية. لم يكن استاذي يثق كفاية في قدرتي على هذا الإنجاز. قال لي بالحرف «ما راح تظبط معك». من هنا بدأ التحدي، أمام اصراري ووافق أستاذي على الفكرة وبدأت العمل.
ما هي أبرز التحديات؟ الحاجة الماسة لقراءة الكثير من الكتب، الأمر الذي سمح لي بنوم لا يزيد عن ساعتين يومياً، وهذا ما انعكس على عملي وعلى تنفيذي للمشروع. في الواقع كل من كان يعرف سبب انشغالي لم يأخذ الأمر على محمل الجد. وحدهم زملاء العمل تميزوا بالدعم انطلاقاً من كوننا نلتقي في عمل إنساني، ومشروعي يشكل أملاً للبعض. في البدايات كانت الأبحاث وجهتي الأساسية. ومن ثم طرحت السؤال كيف لليد الروبوتية أن تتشابه مع يد الإنسان؟ تمثل التحدي الأكبر في كيفية وصل تلك الذراع إلى الأعصاب، وليس على الشكل بحد ذاته. ولهذا انطلقت أبحاثي الالكترونية من هندسة الميكانيك. في البحث اكتشفت كم نحتاج لخبرات في هذا الجانب في لبنان. فالمتخرجون من الجامعات اللبنانية يتوجهون للجانب الخدماتي ويبتعدون عن الجانب الصناعي. نجد لغة الكترونية هدفها البحث عن عمل وليس الخلق. بما أن مشروعي يتضمن صناعة، فلغة البرمجة الخاصة به لم تكن موجودة في لبنان. واجهت صعوبات وجدت حلها في كتب أونلاين، قرأت الكثير منها. تعرفت إلى لغات برمجة جديدة كلياً. ومن ثم كنت في مواجهة الجانب البيولوجي أو الـ»أناتومي» أي تشريح اليد، وميكانيكية حركتها الداخلية. هذا الجانب الضروري في عملي لم يكن متوفراً بالمجان، لكن طبيباً تربطني به صلة قربى أمدني بكتب كان يحتفظ بها. التماس مع الجانب الطبي ينبئ بتعقيداته، ولماذا نفتقد لإنجاز مماثل حتى الآن. أدركت أن حركة اليد شديدة التعقيد. وأدركت أن حركة الإبهام هي سبب تطورنا كبشر، والسبب في استخدامنا للأدوات وبالتالي تحقيق تطور تكنولوجي. إنها الذراع التي تخفي خلفها بحراً من المعلومات. شُغفت جداً بالجانب الطبي. وجدت أن ما يربط الأعصاب باليدين قد انجز سابقاً إنما لهدف غير الطبي، بل لصلة قريبة من الـ»ريموت كونترول». استعنت بهذا الإنجاز وغيرت برمجته وكافة مهامه، وعملت لربطه باليد.
وكيف تمت تجاربك العملية وهي ضرورية؟ يقول منار الحركة: الشاب علي سرحان أتاح لي مشكوراً اتمام الدراسات لتطوعه سامحاً لي تجريب ما كنت أتوصل إليه خلال البحث. علي مبتور اليد من أسفل الكوع، وله أمل بالمستقبل. أصعب مرحلة في دراستي تمثلت بتحليل الأعصاب، ومن ثم تحريك اليد. فقد تمكنت المجسّات من التقاط الفولتاج الكهربائي الذي يمر داخل العصب وصولاً إلى العضل. إنما تمثلت الصعوبة في تحليل الفولتاج مع كل حركة. فهذا الفولتاج غير ثابت. تحليل الفولتاج استغرق مني شهراً كاملاً من العمل من مجمل ثلاثة أشهر ونصف استغرقها البحث.
وما هي الحصيلة النهائية لإنجاز الذراع الإلكترونية؟ يقول: يمكن لليد تنفيذ خمس حركات منفصلة تتغير بحسب رغبة صاحبها وهي: فتح وتسكير اليد. رفع الإبهام دليل التوافق. علامة النصر، والدلالة بإصبع على شيء ما. كان متاحاً بلوغ ثماني حركات، لكن احترقت اللوحة الالكترونية، ولا بديل لها عندي، ولم يسمح الوقت باستيرادها من الخارج مجدداً.
وماذا بصدد مشاعر علي سرحان؟ فرح علي والأمل الذي عاشه في اللحظات الأولى لنجاح مهمتي حمّلني الكثير من المسؤولية. نعم بت أمام مسؤولية. يجب أن أتابع أبحاثي بحيث يتحقق أمل علي وسواه. وعندما وضعت الفيديو على شبكة الإنترنت لم اتوقع له الانتشار الذي تحقق. وضعته بهدف التأكيد بأني حققت خطوة إضافية في مجال الأبحاث. لكن الاتصالات انهمرت من أشخاص يعيشون بتر اليد، ومن آخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومع كل اتصال كنت أشعر بمزيد من المسؤولية. الجميع كان يطلب المثابرة وعدم التوقف عن البحث. وبعضهم قال شكراً للأمل الذي منحتنا اياه. والشكر الأكبر كان بالدرع التكريمي الذي قلدتني اياه جمعية الأمل لذوي الاحتياجات الخاصة.
في رأيك من سيمول مشروع الأطراف الالكترونية هل هي المنظمات الإنسانية أم الدولة؟ يقول منار الحركة: لن أطلب تمويلاً من أحد. أتابع التوسع بمشروعي التالي بهدوء بعد تسليم الشق الذي أنجزته للتخرج ونيل العلامة كاملة، لكن علامة التخرج العامة تناقصت لعجزي وبسبب ضغط الوقت عن تقديم التقرير المكتوب، وفضلت التفرغ للبحث العملي.
ويقول أن تكاليف بحثه بلغت 1700 دولار من دون احتساب تكاليف الشحن، وبإضافة تلك التكاليف سيتجاوز الـ2000 دولار. ويضيف: صنعت اليد من مادة PLA وهو نوع من البلاستيك العضوي الذي لا يؤدي إلى أعراض جانبية. وفي حال الاستغناء عنه هو صديق للبيئة، يتحلل بسهولة ويتحول إلى سكر. هذه التكنولوجيا تُعرف بالطبع الثلاثي الأبعاد، وهي مادة متوفرة خارج لبنان بيسر تام، ولا تزال محتكرة عندنا. وعندما قررت انجاز هذا الطرف في لبنان بلغت الكلفة 1200 دولار. بحثت عن الكلفة خارجاً، فتناقصت لحدود 800 دولار. ولو أتيح لي تنفيذها في الولايات المتحدة أو أوروبا لتناقصت بشكل ملحوظ.
ماذا في الهدف التالي لمنار؟ أطمح الوصول إلى يد تمتاز بقدرات اليد البشرية كافة بما فيها عزف الموسيقى الذي يصنف كأمر معقد جداً. هكذا يقول منار. ويتابع: الهدف الأهم أن يكون هذا الانجاز بمتناول جميع الناس، وأن لا يكون على الاطلاق حلماً بعيد المنال لطفل صغير أو شاب يحتاجه. أبحث عن المادة الأقل سعراً وهذا يحتاج لوقت. كما يفترض بي تصنيع بعض الالكترونيات توفيراً بالكلفة، مع ضمان الجودة بكل تأكيد.
أن تتبنى شركة تصنيع ما ترغبه أنت أليس أفضل؟ مع الشركة يتبخر الحلم حسب منار. أي شركة هدفها الربح أولاً. قد ارضى بالتبني بعيداً عن أي شرط. ففي الغرب شركات تنتج أطرافاً لا تتحرك الأصابع فيها وكلفتها تفوق الـ50 ألف دولار. وهنا أقول بأن بحثي الحالي يتركز على الذراع المبتور من تحت الكوع. قد يتشابه العمل بما فوق الكوع، لكنه يختلف في التحليل وهو الأصعب في العمل. لذلك أسير خطوة بخطوة. قدمت نموذجاً، وما سأقدمه مستقبلاً لن يكون مشابهاً. التصميم المقبل سيكون يداً بشرية. رؤيتي المستقبلية إعادة الاستقلالية لكل من بترت يده. من يفقد طرفاً يفقد نمط حياة وخصوصية. والعيش معهم يقول بضرورة ايجاد الحل لهم.
هذا ما توصل إليه ويرغب فيه منار مستقبلا. هو مغرم بالتكنولوجيا منذ الصغر، يواجه التحدي المالي الكبير. التصميم الجديد لليد يتم رسمه، وفي مخيلته تصور للتحليل والحركة التي ستقوم بها الاصابع. يقول: الاختراع فكرة. أملك الفكرة، وبالتالي حدودنا مخيلتنا. بعد الانتهاء من التصميم سيتم الانتقال إلى مرحلة تحريكه كما اليد البشرية، بما فيها التماس بين الابهام والبنصر. الجديد في هذا الطرف أنه لا يحتاج مطلقاً لمساعدة طبية. فقط يُربط باليد المبتورة وتبدأ الحركة دون تدريب. يرسل الدماغ الأمر إلى الأعصاب، ومن ثم إلى العضل، وتبدأ الحركة. المهم مد الطرف بالطاقة دائماً.
زهرة مرعي