إن الأديب حين يختار أن يصبح لا مسؤولاً فإنه يؤذي القيم بقدر ما يؤذي نفسه وأدبه، فينزوي بنفسه ويضعف ويوهن قوة انصباب أدبه في النفوس ويوهي ما بينه وبين النفوس من تجاوب وتقبّل.
وهنا يخطر لي تعليل لهذا الضعف في نفوذ الأدب عندما نقول إن الناس لا يقرأون، نقول ذهب عصر الكلمة، انصرف الناس عن الشعر إلى العلم، نتساءل عن الوسائل التي تجعل اللغة العربية وسيلة أداء أطوع وأفعل كأنها ليست في اللغات من أقوى وسائل الأداء. نقول على الحكومات أن تخص الأدب بالتشجيع ولكننا ننسى على ما يبدو لي أن نفوذ الأدب إن كان رهناً برشاقة تعبير وأناقة تصوير، فهو أيضاً رهن ـ وبقدر أوفى ـ بالقيم التي يشيعها ويخلص لها، وهو أيضاً رهن بشخصية الأديب يقتضيها الصدق في المسلك والإخلاص لتلك القيم.
وهل فكرنا لماذا تمتع أبو العلاء المعري طوال هذه العصور بذلك الوقع البليغ الذي نحسه لأدبه، رغم ما يبهظه أحياناً من التكلف والقصد إلى الإغراب؟
هل خطر لنا أن جانباً كبيراً من ذلك الواقع البليغ المؤثر إنما يتصل بصدق شخصية المعري وشعورها بالمسؤولية أمام ما أخذت به ذاتها من قيم؟ وإلا فكيف نفسر أننا في أحيان نخالف المعري في الرأي، ومع ذلك يهزنا حتى هذا؟
وإذن، فنفوذ الأدب قضية لا يمكننا أن نفكها من أخلاق الأديب متقيدة بالمسؤولية، وعبثاً نرجو أن يكون لكلمة الأدب نفوذها حتى يكون لنا أدباء مسؤولون يعيشون الكلمة التي يقولونها ويستشهدون في سبيلها، فينسجم أدبهم وشخصياتهم، وتفضي شخصياتهم على أدبهم جمالاً وإشراقاً يكسبانه بأثير فوق ما يكسبه وغير ما يكسبه محض التصوير والتعبير بالغين ما بلغاه من الأناقة والرشاقة. ما معنى أن نحلم الأحلام متصلة بالحق والخير والجمال؟ ما معنى أن نتغزل بالحرية والاستقلال؟ ما معنى أن نتناول الحكام الفاسدين بالنقد والتقريع ثم نبيع ذلك كله بفتات عن مائدة أولئك الحكام؟
وربما كان في هذا تضييق شديد على الأدب والأدباء، فمن اين يعيشون؟
والجواب: إن من يلزم نفسه خدمة الحرية هو اول من يوشك أن يحرم حريته الفردية، تحرمه إياها طبيعة الخدمة للحرية وما تقيده به من قيود.
ولم يؤذ الأدب العربي في ماضيه آفة كآفة التكسب. ولئن اختلفت صور التكسب اليوم، فإنه ما زال ينال الأدب العربي بالأذى، وبقدر من الأذى إن لم يكن أشد فليس أخف ولا أقل خبثاً. إن الأديب لا حق له أن يرتزق بأدبه. إنه مسؤول عن رسالة يفي بها، والرزق هو من هذه الأشياء التي تعطى له وتزاد، وإلا فليصبر، أو فليلتمس رزقاً من وجه غير وجه المساومة في أدبه.
أجل، إن أدبنا العربي لن يكون له نفوذه قبل أن يعيش أدباؤنا ويموتوا مسؤولين عن قيم، وشهداء لقيم!
على أن ثمة قيمة أخرى، وهذا يخرج بنا إلى ماهية القيم التي يجدر بالأدب أن يسأل عنها وبالأديب أن يلتزمها، بل إن هذا يدور بنا إلى حيث بدأنا حديثنا، فلا نرى أقرب ولا أصح ولا أوجب من ان نقول إن هذه القيم التي يجدر بالأدب أن يسأل عنها وبالأديب أن يلتزمها، إنما هي القيم النابعة من الرسالة القومية العربية التحررية، القيم المشتقة من الطموح الشعبي الأصيل إلى العدل والحرية، إلى الخير والجمال، إلى الحق والسعادة.
ولكن لما كان العدل والخير والجمال والحق والسعادة أشياء غير قارة ولا جامدة ولا رُسم لها معنى عملي يصح في العصور كلها، وإنما تختلف باختلاف دور عن دور، وتتشكل صوراً بين طور وطور، فإن الأديب ليس مسؤولاً فقط عن الوفاء للقيم الفضلى التي اصطفاها، وإنما هو مسؤول أيضاً عن معرفة المعنى العملي لهذه القيم في عصره بالذات. وقد حاولت جهد الطاقة أن ألم بمعنى عملي يصح في عصرنا هذا لهذه القيم الفضلى حين عددت الركائز السبع التي تنهض عليها رسالة القومية العربية التحررية، وخلاصتها: محاربة الاستعمار والدس الطائفي، وتحقيق الاستقلال الوطني، وترسيخ قواعد الحرية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإقامة التعاون التام بين الدول العربية، ونفي العدوان. فهذا في رأيي هو المعنى العملي للقيم التي يطالب بها الأدب العربي والأديب العربي في عصرنا، وهي كلها توجب المعرفة الدقيقة المعمقة.
فليس بمغني الأديب، ولاسيما في عصرنا، أن تكون عدته تعبيراً طلياً وشعوراً متحفزاً، وخيالاً متحفزاً ـ على شدة الحاجة إلى هذه العدة كلها، وإنما ينبغي فيه أن يأخذ من المعرفة الدقيقة المعمقة بالنصيب الأوفر، فمجرد التعلق بالقيم الفضلى، والفنية في التعبير، وقوة الخيال والشعور، لا تعصم الأديب من الشطط في ممارسة مسؤوليته الكبرى، ولا تدله بوجه عملي كيف يجعل أدبه وثيق الصلة حميم التفاعل بالطموح الشعبي إلى العدل والحرية، إلى الخير والجمال، إلى الحق والسعادة. المعرفة وحدها هي التي تعصمه هذه العصمة، وترشده هذا الإرشاد، لأنها تساعده على أن يفهم المعنى العملي لهذا العدل والحرية والخير والجمال والحق والسعادة، فلا يُخدع بالمظاهر، ولا يتفاءل التفاؤل الأحمق، ولا ييأس اليأس الأشد حمقاً، بل يميز بإدراك واقعي وروح نضالية قوى البناء الناشئة وقوى الهدم المتقهقرة، وإن بدت غالبة. وهنا فلنتخذ لنا مثلاً أديباً مرموقاً كولي الدين يكن. فمن ذا الذي يشك في أن الرجل قد شغف حباً بقيمة من القيم العليا هي الحرية، وتحدى السلطان عبد الحميد وحمل عليه بقلمه حملات شعواء وذاق في حربه مرّ الاضطهاد والحرمان. من ذا يشك في أن ولي الدين يرغب صادقاً في أن يسلك معركة الحرية مسلك الجندي الأمين المسؤول عن قضية يقدسها، ثم من يشك فيما أوتي ولي الدين من حظ في رونق التعبير ونشاط الخيال وزخر الشعور؟
ولكن مع ذلك كله كان حظ ولي الدين من المعرفة بحقيقة الحرية ضئيلاً، فهو لم يدرك مثلاً أن الحرية أعمق عمقاً وأبعد بعداً من مظاهر التنظيم والإصلاح على مصر، ولم يعلم أن هذه المظاهر في التنظيم والإصلاح لم تكن، بالدرجة الأولى، إلا لتحسين حياة المستعمرين في البلد المستعمر. كلا، ولا كانت إلا لضمان شروط أفضل للاستثمار الاستعماري والتحكم في البلد المستعمر وشعبه، فأيد ولي الدين الاحتلال الإنكليزي لمصر، وتصور مصر تصاب بكارثة من التدهور والتأخر إذا فقدت نعمة الاحتلال البريطاني. وقد يكون اعتقد جاداً، صادقاً، مخلصاً، لكن هذا لا يغير شيئاً من الواقع، وأن ولي الدين قد خُدع عن الحرية، فالحرية تأبى بطبيعتها أن تكون عطاء من الغير، فكيف إذا كان مستعمراً تأبى طبيعته أن يعطي الحرية؟ وكل أعمال التنظيم والإصلاح إذا لم يبدعها شعب مستقل بإرادته وجهده ويتصرف بخيراتها لنفسه، فلا قيمة لها ولا معنى لها سوى أنها قيد ودين يرزح تحت ثقلهما الشعب.
وهكذا نرى أن ولي الدين، على شغفه بالحرية، قد انتهى إلى موقف تنكر فيه للحرية أقبح تنكر، وأخل شرّ إخلال بمسؤولية القلم والأديب، لا لشيء إلا لأن عنصر المعرفة كان يعوزه. وآل أمره إلى ذلك القنوط الذي سحق نفسه، ودفع به إلى شكاوى جوفاء في بكائيات لا طائل تحتها، دار بها على حظ الأديب في الشرق، وعلى اليأس من الإصلاح في الشرق!
من «الأدب والرسالة القومية»، مجلة «الآداب»، أيار (مايو) 1957
عميد الأدب الملتزم
كان اللبناني (1913 ـ 1967) كاتباً متعدد الأجناس، إذْ مارس الصحافة والشعر والقصة والتدريس؛ وإنْ كان قد اشتُهر في شخصية الناقد الأدبي، الملتزم بعلاقة الفنّ بالمجتمع على نحو محدد أكثر. ويحفظ له تاريخ النقد العربي الحديث مناظرته الفريدة مع طه حسين، بدعوة من هيئة المحاضرات في كليَة المقاصد الإسلامية في بيروت، عام 1955؛ حول موضوعة «لمن يكتب الأديب؟»: للخاصة، كما ساجل طه حسين؛ أم للكافّة، كما سارت قناعة خوري، الذي بدا أمام عميد الأدب العربي وكأنه عميد الأدب الملتزم!
حصل على بكالوريوس في الأدب العربي وتاريخ الآداب الشرقية من الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1932، ثمّ اشتغل بالصحافة، وكان أحد أعمدة مجلة «الآداب»، صحبة صاحبها ورئيس تحريرها سهيل إدريس؛ كما أسس، مع عمر فاخوري وأنطون تابت، «عصبة مكافحة النازية والفاشستية»، التي أصدرت مجلة أخرى شهيرة هي «الطريق». كذلك مارس خوري مهنة تدريس الأدب واللغة العربية، بين لبنان وسوريا، وظلّ مواظباً على موقعه كناشط سياسي في النطاق العربي الأوسع، وكانت مواقفه إزاء القضية الفلسطينية، ضدّ الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني في آن معاً، قد دفعت المندوب السامي إلى منعه من دخول فلسطين.
أنجز قرابة 20 مؤلفاً، بينها في الأدب والنقد والسياسة: «امرؤ القيس: نقد وتحليل»، «حقوق الإنسان»، «النقد والدراسة الأدبية»، «الفكر العربي الحديث»، «الثورة الروسية: قصة مولد حضارة جديدة»، «ديك الجن الحمصي والحب المفترس»، «أمين الريحاني وحقيقة الديمقراطية الأمريكية»، «جهاد فلسطين»، «مع العرب في التاريخ والأسطورة»، التعريف في الأدب العربي»، و«الأدب المسؤول». وله في القصة والمسرح والتمثيليات: «ثورة بيدبا»، «حبة الرمان»، «صحون ملونة»، و«الحب أقوى».
رئيف خوري