تعيش لييبا منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي عام 2011 مخاضا طويلا وحالة من الفوضى وتتصارع على مستقبلها عدة إرادات محلية وإقليمية ودولية. ويتعدد اللاعبون في الساحة الليبية بحيث غابت الحكومة المركزية وتحولت لحكومتين في طرابلس وطبرق وحكومة الوفاق الوطني التي يقودها فائز السراج. وهي الحكومة التي ولدت بعد مفاوضات طويلة قادتها الأمم المتحدة وتحاول بسط سيطرتها على كامل البلاد. ولكنها لا تحظى حتى الآن بدعم اللاعبين المحليين خاصة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود الجيش الوطني الليبي في طبرق شرق ليبيا ويشكل عقبة كأداء للحل السلمي ومستقبل ليبيا. وبات يمثل صداعا حتى لحلفائه السابقين، أي الأمريكيين الذين لا يعرفون ماذا يفعلون معه. وكتبت ميسي رايان في صحيفة «واشنطن بوست» (17/8/2016) عن المعضلة التي بات يمثلها حفتر لاستراتيجية الغرب في ليبيا. فرفضه الإعتراف بحكومة الوفاق الوطني بددت آمال الغرب بتحقيق استقرار في بلد صار فيه النزاع داء مستفحلا.وقالت إن الغرب حاول بذل الجهود لتشكيل سياسة واضحة منذ بروز الجنرال على الساحة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة. وبحسب باراك بارفي، الباحث في مؤسسة «نيو أمريكا» فان «حفتر يهدد الكثير من المبادرات التي يدعمها الغرب لبناء قوة سياسية معترف بها» وأضاف أن «حفتر ليست لديه القوة في الميدان كي يفي بوعوده ويهزم الإسلاميين، وهو يلعب دور المخرب». ولم تحقق حملة «كرامة ليبيا» التي قادها حفتر في أيار/مايو 2014 أولا لتخليص بنغازي من الجماعات المتشددة بل تركت معظم المدينة في حالة من الفوضى وعرضت حياة المدنيين للخطر وأحدثت إنقساما بين الليبيين. وقاتل الموالون للجنرال في أكثر من مرة جماعات ليبية مدعومة من الولايات المتحدة. وفي العاصمة طرابلس ومناطق أخرى من ليبيا هناك من يعتبر حفتر أخطر من تنظيم الدولة الإسلامية الذي يخسر مدينة سرت. ورغم هذا يحظى حفتر بدعم من الإماراتيين والمصريين والروس. ويقوم الجنود الفرنسيون باستخدام قاعدة بنينا الجوية قرب بنغازي والتي تتخذها قوات حفتر مركزا لها. ولا تعرف طبيعة العلاقة مع الفرنسيين إلا أن الجنرال استفاد بالتأكيد من فكرة الدعم الخارجي. ويعلق الخبير في الشأن الليبي والباحث في وقفية كارنيغي للسلام العالمي فردريك ويهري قائلا إن حفتر استطاع استثمار أداء عسكري متفاوت في ساحات المعركة وترجمه إلى نفوذ سياسي وكان للدعم الإقليمي دور في هذا. ولهذا سيواصل عرقلة الحل السياسي. وحسب مسؤول في الخارجية الأمريكية نقلت عنه رايان «حفتر ليس معنيا بالديمقراطية، ولا أظن أنه مهتم بالسلام». ويرتبط موقف حفتر الرافض لحكومة الوفاق الوطني بترتيبات المستقبل التي قد تجرد الجنرال السابق من سلطاته العسكرية. ورغم تجنب الأمريكيين حفتر الذي كان رصيدا ثمينا لـ «سي آي إيه» في حرب الولايات المتحدة ضد نظام معمر القذافي إلا أنهم لا يرون مستقبلا لليبيا بدونه ولهذا يحاولون تأمين قيادة عسكرية جهوية له ضمن الحكومة المركزية. ومن المستبعد قبول حفتر بدور ثانوي في الحكومة وهو يرى أن فرصته قد حانت للعب دور مهم في الحياة الليبية.
وتعتبر الخلافات بين مؤيدي حفتر والفصائل الأخرى المرتبطة بحكومة الوفاق الوطني أو تلك المرتبطة بمدينة مصراتة التي تحولت إلى مدينة- دولة مشكلة تجعل من الانتصارات التي تحققها حكومة الوفاق ضد تنظيم «الدولة» في مدينة سرت تحت تهديد الخلافات المستشرية بين الفصائل المشاركة بالمعركة أو تلك التي تقاتل حكومة الوفاق والجماعات المسلحة الأخرى. ورغم أهمية المعركة على سرت التي احتلها تنظيم «الدولة» العام الماضي وكانت أهم معقل له خارج مناطق من أطلقت على نفسها «الخلافة» في العراق وسوريا إلا أن الحملة التي شنتها الحكومة باسم «البنيان المرصوص» جرى «تسييسها» كما ورد في تقرير لإريكا سولومون من صحيفة «فايننشال تايمز» (18/8/2016) في بلد تعمل فيه أكثر من حكومة وعدد كبير من الفصائل المسلحة وقبائل لدى كل منها طموح لبسط النفوذ على البلاد. وبدأت خلافات الفصائل بعد تقدم القوات التابعة للحكومة صوب المدينة. ونقلت كلوديا كازيني، الخبيرة في الشؤون الليبية بمجموعة الأزمات الدولية ببروكسل قولها «لن يساعد النصر في سرت على حل مشكلة الإنقسامات السياسية والعسكرية في البلاد» محذرة من ترك الأمور على عواهنها بشكل سيؤدي إلى تدهور الوضع بشكل كبير.
حكومة ضعيفة
فحكومة الوفاق ضعيفة وتواجه معارضة من الموالين لحفتر وطموحات كتائب مصراتة التي تعتقد أنها قدمت تضحيات وبذلت جهودا في استعادة سرت من يد تنظيم «الدولة» ولهذا ترغب في الحصول على حصة كبيرة. وحسب ماتيا تاولدو، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية فلن يغير محو خطر تنظيم «الدولة» من معادلة التنافس على الساحة الليبية و»سيتم التخلص من عقبة حالت دون الإقتتال» الداخلي. وأشار إلى الإحتراب الدائر بين قوات حفتر والميليشيات الموالية لحكومة الوفاق وقال «سؤال المليون دولار: من سيسطر على النفط؟» ويقرأ في محاولات حفتر الهجوم على موانئ النفط في السدر وراس لانوف وزويتنة محاولة للتخريب على جهود الحكومة إحياء عملية تصدير النفط باعتباره المورد الرئيسي للاقتصاد المنهار. وقدر تاولدو معدلات التصدير اليومي ما بين 0 – 300.000 برميل نفط مقارنة مع 900.000 برميل قبل عام 2014 عندما انقسمت ليبيا إلى حكومتين. ويقول «لست متأكدا من قدرة حفتر السيطرة عليها، ولا تحتاج إلا لتفجير ميناء واحد كي تقول لشركات التأمين والشحن أن عليها الإبتعاد».
غياب الوحدة
ويظل المفتاح السحري لحل كل مشاكل الدولة الليبية لما بعد الثورة هو الوحدة وحكومة مركزية وإرادة ليبية خالصة لا تتأثر بالطموحات الأجنبية. فاستمرار الفوضى يسمح للجماعات الجهادية باستغلال الفراغ وبناء قاعدة تأثير له كما فعل تنظيم «الدولة». ولا تعني هزيمة الجهاديين الذين قدر الأمريكيون عددهم في ليبيا بما بين 4000- 6000 معظهم أجانب نهاية خطره، فمن المعروف أنهم يردون بعد كل هزيمة عسكرية بعمليات تفجير كبيرة. كما أن خروج التنظيم من سرت يعني تفرق مقاتليه إلى المناطق الجنوبية القريبة من الجزائر وتونس والنيجر فيما انضم آخرون لقوافل المهاجرين نحو أوروبا. وهناك تقارير تحدثت عن تسلل بعضهم إلى السودان. وفي هذا السياق كتبت الباحثة في التاريخ العسكري الإيطالي فردريكا سيني فاسانوتي، والزميلة الباحثة في عدد من المراكز البحثية ومنها معهد بروكينغز مقترحة أن تقسيم ليبيا ربما كان الحل الوحيد لإنقاذها. ففي مقال «بيت منقسم» نشره موقع مركز بروكينغز (18/8/2016) بدأت فيه بمقارنة بين ليبيا الأمس واليوم والكيفية التي يكرر فيها التاريخ نفسه. وقالت إن ليبيا عام 1928 زمن الاحتلال الايطالي هي نفسها ليبيا اليوم. وقالت إن النزاع الذي يواجه ليبيا الحديثة، وهو نزاع ذا طابع محلي تغذيه الخلافات الداخلية وفي بعض الأحيان القبلية، ما هو إلا تكرار لشكل قديم «فكما اكتشف الطليان خلال فترة استعمارهم لليبيا وتنظيم الدولة عندما غزا سرت والمجتمع الدولي الذي اكتشف عبر عدة طرق أن ليبيا هي بلد يعاني من انقسام عميق، وبدون مدخل حقيقي يتعامل مع هذا الواقع- بما في ذلك بناء شكل كونفدرالي لليبيا- فسيظل الليبيون أسوأ عدو لأنفسهم». وتشير في هذا السياق للتجربة الايطالية (1911- 1943) التي استخدمت القوة العسكرية لتوحيد إقليم برقة وطرابلس في وحدة واحدة. وقبل العملية العسكرية التي هزمت فيها الثوار وكانت سرت العقدة التي ربطت الإقليمين اللذين كان كل منهما يملك حكومة وجيشا وإدارة خاصة. ولم يحقق الطليان هذا بسهولة، فقد واجهوا أعداء خطيرين واستخدموا كل ما لديهم من القوات البرية والجوية واستطاعوا نزع سلاح السكان وحولوا ليبيا من حكومة عسكرية إلى سياسية على حد قول الكاتبة. وما يهم في تحليل فاسانوتي هو الدرس الواجب استخلاصه من ليبيا عام 1928 وليبيا ما بعد 2011. حيث تقول «عندما حاول الطليان توحيد منطقتين في حالة انقسام عميقة، واجهوا عدوا مندفعا ولديه مقاتلون أشداء من الدرجة الأولى وخبراء يعرفون تضاريس البلد ويحظون بدعم السكان. وكان ذلك العدو يملك كل شيء لتــحــقيق الفــوز إلا شيئا واحدا وهو: الوحدة».
سرت عقدة الربط
وتعلق الكاتبة أن سرت ظلت بعد رحيل الطليان النقطة الاستراتيجية المفتاحية للبلد التي تربط الإقليمين الرئيسين فيها. وفي هذا السياق تشير للمعركة الحالية عليها والتي يتراجع فيها التنظيم قائلة إن الليبيين يربحون معركة في الحرب لا الحرب كلها. ففي ليبيا اليوم لا يمثل تنظيم «الدولة» التهديد الرئيسي، فهو لم يكن أبدا. فالمشكلة هناك كما كانت قبل قرن من الزمان وهي الخلافات الداخلية. وهناك من يرى في الوجود الأجنبي حتى لو كان حاسما في تحقيق النصر- كما في حالة سرت حيث طلبت حكومة السراج الدعم الأجنبي- كتهديد وليس تحالفا حقيقيا. وتعتقد أن الوجود الأجنبي في معركة سرت قد يترك آثاره السلبية من الناحية السياسية. وتشير أن حفتر الذي يدعمه الروس والفرنسيون والمفتي صادق الغرياني في طرابلس، اتفقا رغم العداء المستحكم بينهما على شجب التدخل الأمريكي بالإضافة لكونه لضعف السراج الذي اختير لكونه معتدلا في وقت يحتاج فيه البلد لقيادة كارزمية. وتعبر تصريحات المبعوث الدولي مارتن كوبلر في الأسبوع الماضي عن هذه الحالة عندما قال إن الدعم لحكومة الوفاق يتداعى في ظل مشاكل انقطاع التيار الكهربائي وانهيار الدينار الليبي. ويضاف إلى هذا حفتر الذي تقول فاسانوتي إن الدعم الروسي له يدفعه لعدم تغيير موقفه.
الوضع على حاله
وتعلق فاسانوتي أنه بعد عامين من الحرب الأهلية لم يتغير شيء «وهذا عرض لمرض أكبر: نزاع وطني متجذر في اقتتال محلي ورجعي». وتضيف «بدون شك كان للقذافي الكثير من أخطائه ولليبيين أيضا. وهناك ملامح مشتركة بينهم وبين القبائل قبل قرن من الزمان التي كانت في نزاع دائم للسيادة على المراعي والأرض. والنتيجة واحدة وهي أن الليبيين يواجهون بعضهم البعض على المستوى المحلي والجهوي والوطني». وكما في عام 1928هناك غياب في الإرادة للتخلي عن الطموحات الفردية من أجل الأمة الواحدة. وتقول إن الطليان انتصروا في العشرينيات من القرن الماضي لانهم قاموا بالخطوات السياسية والعسكرية الصحيحة، وهذا صحيح، إلا أنهم فازوا بسبب خلاف الليبيين «فرق تسد». وتقول «مضى قرن على ذلك، ذهب الطليان وقتل القذافي ويواجه تنظيم الدولة المصير نفسه. ومع ذلك لا يزال العدو الحقيقي في ليبيا هو نفسه: ليبيا. وسيظل الليبيون أعداء لإنفسهم حتى يقوموا وبشراكة مع المجتمع الدولي بالتفكير في نموذج سياسي يستفيد من تنوعهم أكثر من محاولة تخليصهم منه».
إبراهيم درويش