شكوك حول شرعية التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا: أوباما لم يحصل على تفويض لخوض جبهة حرب رابعة

حجم الخط
1

واشنطن ـ «القدس العربي»: تصاعد التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا بسرعة غير مدروسة إذ انتقلت مرحلة الغارات الجوية التي بدأت قبل أسبوعين إلى حرب برية على نطاق ضيق عبر تقديم قوات العمليات الخاصة مساعدة مباشرة إلى مقاتلي حكومة الوحدة لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» ما يعني ان الولايات المتحدة قررت بالفعل خوض جبهة رابعة في الحرب ضد الجماعة المتطرفة.
وقد تنبأت «القدس العربي» مرارا في أعداد سابقة بتصاعد التدخل الأمريكي في ليبيا عبر أكثر من تقرير من واشنطن حيث تواصل إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما حروبها الطائشة بدون انتظار تفويض من الدستور أو الكونغرس أو الرأي العام. وفي الواقع، لم يعلن البيت الأبيض بشــكـــل رسمـــي المشاركة في الحرب بليبيا، تماما كما حدث في عام 2011 كمــا ادعت الإدارة الأمريكية انها ليست بحاجة لتفويض جديد لانها تعمل وفقا لاذن 2001 لاستخدام القوة العسكرية ضد الجماعات الإرهابية.
وقال بيتر كوك، السكرتير الصحافي لوزارة الدفاع الأمريكية في بيان مقتضب ان الضربات التي أذن بها أوباما في ليبيا جاءت بناء على توصية من وزير الدفاع أشتون كارتر والجنرال دانفورد وهذا يعني بطريقة محزنة ان الرئيس الأمريكي قرر اعلان حرب جديدة كاملة في عام 2016 بناء على تقديرات الرئيس وحاشيته رغم ان الدستور الأمريكي يمنح سلطة اعلان الحرب إلى الكونغرس عبر عملية تشمل مناقشات عامة وافرة وتقييمات لرغبات الناخبين، فالمواطن الأمريكي، في نهاية المطاف، هو الذي سيدفع تكاليف الحرب عبر أرواح الجنود أو أموال الضرائب إذا استبعدنا تماما رأي المجتمع الدولي في التدخلات العسكرية الأمريكية المستمرة في دول العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.
من المرجح، ان إدارة أوباما لن تحاول الحصول على تفويض في الحرب الليبية، ووفقا لأقوال العديد من الخبراء من بينهم بانوي كريستين المتخصصة في شؤون الدفاع فهي، أي الإدارة، مقتنعة بان الحرب ضد الإرهاب تمنحها نوعا من السلطة في استخدام القوة العسكرية دون العودة للكونغرس أو الرأي العام وهي مقتنعة، أيضا، بان التفويض الذي يزيد عمره عن 15 عاما يجيز اتخاذ اجراءات ضد الجماعة المتشددة رغم انها لم تكن موجودة أصلا في الوقت الذي تم فيه كتابة هذا التفويض. وهنا تبرز المفارقة، إدارة أوباما لا تقرأ الجغرافيا بشكل سليم، فالتفويض الأصلي يخولها لمحاربة تنظيم «القاعدة» في افغانستان ولكن القوات الأمريكية، الآن تحارب على بعد أكثر من 3 آلاف ميل من كابول في المدينة الساحلية سرت.
هذه التناقضات و»الإجراءات غير الشرعية» أثارت حفيظة السيناتور راند بول والسيناتور تيم كين الذي اختارته هيلاري كلينتون لمنصب نائب الرئيس في حال فوزها في الانتخابات الرئاسية إضافة إلى عدد قليل من المشرعين. وقد أعرب هؤلاء في بيان مشترك عن شكوك خطيرة للغاية حول ما إذا كانت السلطات القانونية المعمول بها حاليا تسمح للولايات المتحدة بشن حرب هجومية ضد تنظيم «الدولة» في ليبيا.
ومن الواضح ان الكونغرس قد تخلى عن صلاحياته الدستورية عندما يتعلق الأمر بالحرب ضد الجماعات المتشددة في العالم، ومن الواضح أيضا، ان الكونغرس يتحرك بطريقة أبطأ من تحرك الرئيس الأمريكي ولكن التقاعس التشريعي وفقا لعدد من المحللين الأمريكيين خطير جدا لانه سمح بتهور في السلطات التنفيذية نظرا لغياب الكونغرس من ميزان الحكم والحكمة. ووفقا لقول السيناتور بول فان تسرع الولايات المتحدة في الشأن الليبي عام 2011 بسبب عدم المداولة والنقاش حول عواقب الحرب هو الذي مهد الطريق لتوسع تنظيم «الدولة» إلى ليبيا.
سرعة التدخل الثاني في ليبيا تنذر بالخطر وهي تشير إلى تضخم متوقع للمهمة الأمريكية هناك وإعادة التجربة الافغانية، فالولايات المتحدة ما زالت متواجدة في افغانستان بعد 15 سنة من الغزو، وليس من الصعب تخيل تكرار التجربة لأن الولايات المتحدة تفوز بمعاركها العسكرية دون انتصار حقيقي في الحرب، والاحتمالات المستقبلية ردئية للغاية وهي على الأرجح تؤدي إلى خسارة الكثير من الأرواح والأموال بلا طائل ناهيك عن ان التدخل الأمريكي لم يأت بتفويض من مجلس الأمن الدولي.
هجوم الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي للإطاحة بنظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي سبب كل هذه الفوضى في ليبيا وسبب الإنفلات الأمني وصراع القيادات الفاسدة وظهور الجماعات المتشددة والإرهابية، أما مشاعر الشعب الليبي هذه الأيام حول الهجوم الجديد فهي تتلخص في أن الوجود العسكري الأمريكي والغربي سيؤدي إلى تفاقم التوترات القائمة وهناك ادراك عام بان الضربات الأمريكية ليست السبيل الوحيد للقضاء على الجماعات الإرهابية.
والمفارقة هنا ان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قال خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» قبل بضعة أشهر فقط ان التدخل العسكري في ليبيا كان «أسوأ خطأ» ارتكبه. هذا الاعتراف النادر بالفشل يثير الاهتمام ولكن ما يثير الاهتمام أكثر هو ارتكاب أوباما الخطأ نفسه مرة ثانية. فالغرض من التدخل الأمريكي في ليبيا عام 2011 لم يكن واضحا وأهداف الهجوم الجديد، أيضا، غير واضحة رغم تردد بيانات جوفاء تشير إلى ان المهمة الأمريكية هناك لمدة شهر واحد فقط من أجل القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» بناء على طلب الحكومة الليبية.
في نهاية المطاف، ينظر صناع السياسة في واشنطن إلى بنغازي كشعار يعني بان هيلاري كلينتون لا تتمتع بالثقة ولكن بنغازي مدينة حقيقية تعيش في محنة من الحرب والغارات والسيارات المفخخة، تماما مثل بقية المدن الليبية التي دمرتها الصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية، وإذا كانت بنغازي هي الرمز الذي يشير إلى أكاذيب كلينتون حول الهجمات التي تعرضت لها المنشآت الأمريكية وأدت إلى مصرع السفير الأمريكي في البلاد، هو شعار سياسي ما زال يحوم في واشنطن، فإن ليبيا أصبحت رمزا لتهور الولايات المتحدة وحروبها الطائشة وهي، أيضا، نموذج لا يمكن اغفاله، حول استمرار الحروب غير الشرعية وغير الدستورية والتي عادة ما تلد المزيد من الخراب والحروب.

شكوك حول شرعية التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا: أوباما لم يحصل على تفويض لخوض جبهة حرب رابعة

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية