قررت إيران تقديم قاعدة عسكرية تحت تصرف روسيا لمحاربة ما تصفها بالمنظمات الإرهابية في سوريا، وفقا لما أعلن سكرتير مجلس الأمن الوطني الإيراني علي شمخاني الثلاثاء الماضي. وفي حديث أدلى به لوكالة الانباء الإيرانية «ارنا» أشار شمخاني إلى ان التعاون بين روسيا وإيران يكتسب طابعا استراتيجيا. هذه المرة الأولى التي تسمح إيران لتواجد عسكري روسي على أرضها منذ 1946.
تعاون أم تحالف؟
وأفادت بعض المعطيات بأن أي صعوبات لم تنشأ عند اتفاق موسكو مع طهران، وتم تنسيق القضية بشكل سريع بين القيادات العسكرية والسياسية للبلدين. ويرى مراقبون دوليون ان الاتفاقية بشأن استخدام القواعد العسكرية الإيرانية ستعزز بشكل جوهري موقع روسيا في الشرق الأوسط، وتجعل من الكرملين الوسيط الرئيسي لأي اتفاقية بشأن سوريا. وتباينت مواقف المراقبين فيما إذا ستتحول مرابطة لمقاتلات الروسية إلى تحالف عسكري مع إيران، أم انها ستنحصر في التعاون الآني لبلوغ تسوية في سوريا تصب في مصلحة ورؤية البلدين؟
وحذر الكسندر اغناتينكو رئيس معهد الدين والسياسية ومؤلف كتاب «خلفاء بلا خلافة» من ان إيران بتوفيرها القواعد العسكرية قد تجر روسيا للتورط في الحرب ضد الجماعات السنية التي تنظر لها غالبية المسلمين في سوريا والعراق وجزء من تركيا، على انها المدافع عن سنة الشرق الأوسط من الهيمنة الإيرانية. وأضاف «وتكمن في هذا صعوبات بالغة».
وكانت القاصفات الروسية للتحليقات البعيدة من طراز « تو ـ 22 أم3» المؤهلة لحمل الأسلحة النووية أيضا، قد شنت لأول مرة الثلاثاء غارات على أهداف في سوريا، وقامت بالتحليق مباشرة من قاعدة همدان الإيرانية. وهذه هي أول طلعات منذ ان بدأ سلاح الجو/ الفضائي الروسي عمليته في سوريا، في ايلول/سبتمبر العام الماضي، التي استخدم خلالها فقط قاعدة حميميم.
ويؤشر مرابطة المقاتلات الروسية في قاعدة همدان إلى توسيع التعاون العسكري بين موسكو وطهران ضد المقاتلين في سوريا، لاسيما على خلفية تصعيد الأعمال القتالية في حلب. ويرى بعض المراقبين ان تواجد السلاح الجوي الروسي في إيران وخاصة في حالة تطوره إلى اقامة حلف روسي /إيراني عسكري سيقلب الموازين ويغير الوضع السياسي /العسكري ليس فقط في سوريا وعموم الشرق الأوسط وانما في الساحة الدولية بأسرها، وستكون له تداعيات من السابق لأوانه التكهن بعواقبها. ولا يستبعد المراقبون تحسين عملية استخدام الطيران العسكري الروسي المجال الجوي الإيراني لانزال الضربات بالتشكيلات المسلحة المدرجة في لائحة الأمم المتحدة للتنظيمات الإرهابية، كما ان هناك احتمالا كبيرا باستخدام القواعد العسكرية الإيرانية في حالات تعرض طائرات النقل الروسية الثقيلة لعطب فني أو سوء الأحوال الجوية وغيرها من الحالات الاستثنائية.
بيد ثمة مراقبين سياسيين روس يشككون في امكانية مضي روسيا وإيران في تطوير مستوى التطور الحالي وتحويله إلى تحالف استراتيجي. وفي هذا الصدد يقول خبير معهد الشرق الأوسط والمهتم بالشؤون الإيرانية فلاديمير ساجين ان مستوى العلاقات الروسية الإيرانية شكليا على مستوى جيد. ويضيف «لدينا عمل مشترك في سوريا لدعم نظام الأسد، بالرغم من ان الجانبين يتخذان من هذا مواقف مختلفة تماما» وعلى وفق قوله «ان العلاقات الثنائية طبيعية، ولكني لم أصفهما أبدا بالتحالفية أو حتى بالاستراتيجية». موضحا: ان مواقف البلدين تتقارب أكثر بشأن بعض القضايا، وبأقل حول البعض الآخر، ويعتقد ان روسيا وإيران لن تتمكنان من الوصول في علاقاتهما إلى المستوى الاستراتيجي نظرا «لوجود نقاط تقاطع كثيرة».
سجال غير مباشر
ويلفت مراقبون إلى ان مرابطة المقاتلات الروسة بإيران ستثير ردود فعل إقليمية ودولية حادة لاسيما من قبل دول الخليج العربية وفي الدرجة الأولى من المملكة العربية السعودية وغيرها من دول المنطقة التي تخوض حسب قولهم «مع حكومة الرئيس حسن روحاني حوارا صعبا بهدف تطبيع العلاقات».
وعلى خلفية ذلك جرى سجال غير مباشر بين موسكو وواشنطن حول مدى تطابق التواجد الروسي العسكري بإيران مع قرار مجلس الدولي. وأعربت واشنطن عن مخاوفها من تداعيات نشر المقاتلات الروسية في إيران. وأعلنت الخارجية الأمريكية انها تدرس فيما إذا كان استخدام روسيا القواعد العسكرية في إيران لشن الغارات على أهداف بسوريا ينتهك قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي يحظر بيع الأسلحة وتوريد الطائرات العسكرية من دون موافقة مجلس الأمن. بيد ان تواجد المقاتلات الروسية في إيران لن يمنع واشنطن من التعاون مع موسكو في سوريا. وعبر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في محادثة هاتفية مع نظيره الروسي لافروف عن مخاوفه بشأن استخدام روسيا القواعد العسكرية الإيرانية عند قصف الأهداف في سوريا.
بدورها ردت الخارجية الروسية بلهجة حادة على بيانات واشنطن، أعادت فيها إلى الأذهان «تاريخ الولايات المتحدة الحافل» بالتواجد العسكري في مختلف أنحاء العالم وقيامها بقصف وغزو الدول من دون ترخيص دولي، وقصف مواقع في سوريا من دون ترخيص من حكومتها التي تقول واشنطن انها فقدت الشرعية. وقال وزير الخارجية الروسي لافروف ان تواجد المقاتلات الروسية في قاعدة همدان الإيرانية لا يتناقض وأحكام قرار مجلس الأمن الدولي 2231. مشيرا إلى عدم وجود «ذرائع للاشتباه بانتهاك روسيا قرار مجلس الأمن رقم 2231. ففي هذه الحالة لم تجر عمليات توريد أو بيع او تسليم طائرات عسكرية لإيران». ولفت إلى «ان قرار مجلس الأمن الدولي يحظر بالذات توريدات وبيع الطائرات». وفي رأي لافروف ان البيانات الأمريكية تسعى إلى صرف الأنظار عن المهمة الرئيسية المتمثلة بترتيب التنسيق للتسوية السورية. منوها بمواصلة موسكو وواشنطن بحث آلية التسوية في سوريا على مستوى أجهزة الاستخبارات والعسكريين، لتطوير الأفكار التي تم التوصل لها خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري لموسكو بتاريخ 15 تموز/يوليو الماضي.
لماذا همدان؟
وهناك العديد من الأسباب المعلنة لإختيار روسيا قاعدة همدان في إيران كنقطة انطلاق لمقاتلاتها «تو ـ 22 أم 3» التي تستعمل بكثافة لقصف مواقع المقاتلين في سوريا. ونقلت صحيفة «نيزافيسما يا غازيتا» عن خبير عسكري فضل عدم ذكر اسمه اشارته إلى ان اختيار الجانب الروسي لقاعدة همدان العسكرية لم يكن صدفة، فالمقاتلات الروسية كانت تنطلق قبل ذلك إلى سوريا من قاعدة «مزدوك» في شمال القفقاز. وتطلب تحمليها لأقصى حد بالذخيرة التزود جوا بالبنزين وهذا ما عقد مهامها. والآن، وفق قوله، تغير الوضع للمقالات لأن المطار الإيراني قريب نسبيا من دمشق (900 كم) مما سيقلص المسافة ويزيد حمولة كل طائرة من القنابل، كما سيقلص الانفاق على طلعاتها. إلى جانب ان مدى الأسلحة المضادة للطائرة التي ظهرت بيد المقاتلين لن يطول الطائرات من نوع»تو ـ 22 أم3»
ويرسم قبول إيران تواجد المقاتلات الروسية في أراضيها اطر تحالف جديد لحسم الوضع في سوريا، يضم بالإضافة إلى روسيا كل من سوريا والعراق وإيران، ليكون معادلا للتحالف الدولي الذي تترأسه الولايات المتحدة، ويؤكد مجددا على تطابق موقف موسكو وطهران.
د.فالح الحمراني