تغييب المسرح اليمني في زمن الحرب هو امتداد لتغييبه في زمن السلم؛ وبالتالي فتغيبيه سلماً وحرباً هو انعكاس للوعي الإداري الكافر بالفن والحرية كتوأمين؛ وبالنتيجة فإن تغييبه وتجاهله، سواء أيام السلطة الواحدة سلماً أو أيام السلطات المتعددة حرباً إنما هو لخطورة تأثيره ولتجاهل أهميته ولغياب الحرية في آن. وهو ما نفهم منه أسباب تغييب وتجاهل جميع الفنون في هذا البلد المكلوم واقتصار حضور المسرح على الهامش المناسباتي الاحتفائي، وحتى هذه الأعمال تأتي، للأسف، هزيلة من دون مستوى تاريخ الحركة المسرحية في هذا البلد.
بعد أكثر من مئة سنة على تأسيس أول فرقة تمثيل يمنية وتقديم أول عرض مسرحي في مدينة عدن؛ مازال المسرح اليمني (مستلقياً يتثاءب) منتظراً حلول الظلام وإشراقة شمس الصباح ليبدأ دورته مثل بقية مسارح الدنيا، لكنه انتظار استحال بؤساً على كوادر هذا الفن، الذين باتوا ينتظرون عاماً كاملاً حلول اليوم العالمي للمسرح 27 آذار/ مارس ليشاركوا في أعمال مناسباتية، وهي الأعمال التي اختزلت هذا العام في عمل واحد تأخر عرضه أسابيع عن موعد المناسبة العالمية.
وتمثل مسرحية «مرابيش بلا حدود» للكاتب محمد القعود والمخرج أمين هزبر آخر عمل مسرحي شهدته صنعاء تحت نير الحرب. وتُعدّ هذه المسرحية نموذجاً لمستوى الأعمال المسرحية في هذا البلد، التي يتم الإعداد لها في فترة قصيرة يتم خلالها تجاهل كثير من التفاصيل وإهمال عديد من العوامل؛ فيأتي العمل صوتياً أكثر منه معبراً عن تجربة مسرحية يمنية تجاوز عمرها المئة سنة.
اختزلت «مرابيش بلا حدود» في مشهدٍ واحد احتشد فيه خلال وقت المسرحية جميع الممثلين (15 ممثلاً وممثلة) أحدثوا تشويشاً أعاق إيصال الرسائل في ظل اختصار وحذف كثير من التفاصيل من دون معالجة مسرحية لم تتنبه لفخ المشهد الواحد وأثره في إفراغ العمل من جدواه وقيمته الفنية في مسرحيات كهذه تعالج كثيراً من قضايا الشباب مع الدراسة والعمل والبيئة الاجتماعية والتقنية وغيرها.
استمرار تقديم مثل هذه الأعمال وتواصل هذا التراكم في التجاهل والإهمال لقيمة هذا الفن صنو الحرية، يمثل في نظر مراقبين، نتيجة طبيعية لإدارة ثقافية على تعاقبها وتنوعها ظلت تعمل على تغييب هذا الفن انطلاقاً من إيمانها بدور المسرح المهم واعتقادها، في الوقت ذاته، بأن هذا الدور قد يؤذي السياسي، وبالتالي يتأثر منصبها، ما يجعلها تعمل على تغييبه دفاعاً عن مصالحها من خلال تجنب أي مواجهة مع السياسي، بدليل أن هذه الإدارة ظلت تتجنب الضغط على السياسي للاعتراف بالثقافة والفنون ضمن أولويات برامج التنمية التي ظلت تُنفق من أجلها مليارات الدولارات من دون نتائج ملموسة، بدليل ما يعيشه البلد اليوم من صراعات سببها قصور الوعي الحضاري بالسلام والبناء تحت ظلال الحرية.
ويعود تاريخ ظهور المسرح الحديث في اليمن إلى بداية القرن العشرين، حيث احتضنت مدينة عدن أول عرض مسرحي عام 1904 من خلال فرقة هندية زائرة، بينما شهدت المدينة في عام 1910 أول عرض مسرحي يمني بعنوان «يوليوس قيصر».
مر المسرح في اليمن بعدة مراحل بين مد وجزر تبلور معها كيانه وامتلك فيها كثيراً من مقوماته، وكما يؤكد المُخرج علي سُبيت لـ»القدس العربي»:» لدينا كوادر في معظم مجالات العمل المسرحي، كما لا توجد لدينا مشكلة في النصوص أو الخشبات. فقط مشكلتنا هي المال، أي أننا نفتقر للإنتاج؛ وفي هذا الجانب وزارة الثقافة لم تقم بواجبها ولم تمارس، على مدى عقود، ضغطاً حقيقياً على الحكومة بهدف انتزاع قرار يُعيد الاعتبار للمسرح، من خلال ميزانية إنتاج لائقة. نحن نتحدث عن المسرح أيام السلم أما أيام الحرب فالمبررات جاهزة وهي أن كل أبواب الانفاقات مغلقة باستثناء الرواتب».
وتشكلت أول فرقة تمثيل يمنية عام 1910، ومثَّل تأسيسها، من طلبة المدارس حينها في مدينة عدن، بداية لمرحلة مهمة شهد خلالها المسرح اليمني انطلاقة تبلورت في الخمسينيات والستينيات واتسعت وتطورت في السبعينيات والثمانينيات، حيث انتشرت الفرق وتزايد أعداد المسرحيين في المحافظات، وتعددت المسارح وتصاعدت مؤشرات العرض، فتجاوز المسرح، في هذا البلد، الكثير من المعوقات محققاً العديد من النجاحات، لتمثل تسعينيات القرن الماضي بداية مرحلة من المعاناة والتغييب والتجاهل غابت معه كثير من الكوادر والفرق، مع انحسار الأعمال المسرحية في مناسبات سنوية، حتى أن البعض يرى فيما يقدم من أعمال ليست سوى إرهاصات لمسرح لم يتجاوز مرحلة التجربة إلى مستوى الحركة… وإن كانت تجربة المسرح في مدينة عدن بقيت متطورة ومتميزة عن صنعاء، إلا أن راهن المدينة اليوم يجعل من التفاؤل بالغد هو ما تبقى من هذا التقرير.
أحمد الأغبري