وأنا جالس في مقر وزارة الخارجية السودانية أنتظر تصديق إحدى الأوراق الرسمية، كان يجلس بجواري مجموعة من الأشقاء السودانيين يتبادلون أطراف الحديث، ويتحدثون بمرارة عن واقع البلد الأليم والصعب.
وما لفت انتباهي هو تشخيصهم لأسباب هذا الواقع، حيث تحدث أحدهم في ذلك بالقول: أن سبب الحصار الأمريكي على السودان هو تمسك الرئيس عمر البشير بالحكم، فلو استقال اليوم ستصبح السودان بلدا جميلا وفيه رخاء وخير كثير.
كوني ضيفا على هذا البلد التزمت الصمت، وشدني الحديث والتفاعل بينهم لدرجة أنني لم أستطع الصمت طويلاً وقررت التدخل وبدبلوماسية ناعمة وهادئة استأذنتهم بأن أبدي رأيي بعد أن عرّفتهم على إسمي وجنسيتي بأنني فلسطيني من قطاع غزة. تجدر الإشارة إلى أن كلمة السر بالسودان التي تنال عشق واحترام ولطف جميع مكونات المجتمع السوداني هي فلسطين، والمسجد الأقصى وقطاع غزة، وهذا ساهم لأن ينصت أغلب من في القاعة لحديثي.
بدأت حديثي معهم عن سبب الحصار على السودان، واستشهدت بحصار قطاع غزة متسائلاً..؟ هل سبب الحصار على قطاع غزة فوز حركة حماس بالانتخابات، أم منهج حماس المقاوم للاحتلال الإسرائيلي..؟ فقالوا جميعاً أن السبب هو مقاومة حماس وعدم اعترافها بإسرائيل، بصراحة من إجاباتهم أدركت العمق الثقافي والسياسي الذي يتمتع به المجتمع السوداني.
وجهت لهم سؤالاً ثانياً: هل تعتقدون أنه لو استقال البشير، وجئت أنا أو أنت لرئاسة السودان، هل سيرفع الحصار…؟ أحدهم قال نعم، وآخر سألني ما رأيك أنت..؟ فأجبت أنه في اليوم التالي لوصول شخص غير البشير سيأتي اتصال هاتفي مصدره البيت الأبيض لفخامة الرئيس الجديد وسيقول له: حدد موقفك من إسرائيل…؟ الموقف من إسرائيل من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية هو القبول بها كفاعل رئيس في الشرق الأوسط دون حل القضية الفلسطينية، بمعنى على حساب الدماء الفلسطينية والعربية وعلى حساب المسجد الأقصى. فإن قال فخامته، نعم. سيرفع الحصار، ولكن لن تنعم السودان بالرخاء كما تتوقعون، لأننا سنكون حينها على موعد مع جشع الرأسمالية العالمية التي ستزيد المواطن السوداني بؤساً وفقراً، وستزيد من غنى الأغنياء، صحيح قد نرى سلسلة مطاعم كنتاكي في الخرطوم، ولكننا سنرى مقابلها مزيد من الجوعى في شوارع السودان، بالإضافة إلى أشلاء الأطفال الفلسطينيين في الشوارع نتيجة بطش وإرهاب الآلة الصهيونية.
ولو قال الرئيس الجديد لا، فالرد جاهز، مزيد من الحصار واستهداف السودان.
جاءني سؤال مفاجئ من خلفي يقول ما الحل يا «زول»..؟ قلت أن الحل بيد السودانيين أنفسهم، مزيد من العمل والبناء والإرادة في بناء السودان الجديد، هذا ما سيفرض على الولايات المتحدة وغيرها بأن تأتي هي للسودان، لأن مصالح الدول الكبرى هي من تحدد سياساتها، وعليه مزيد من تطوير تقنيات الزراعة ومن جودة التعليم، ومن تعزيز ثقافة الإنتاج والعمل والنشاط، ستكون بعد سنوات قليلة مع السودان كدولة كبيرة فاعلة اقليمياً ودولياً.
لذا أقول لكم إخواني الأحبة، أشكروا الله أن لديكم رئيسا استطاع بتوفيق الله بأن يحفظ أمن السودان واستقراره، فمن ينظر للمشهد في سوريا واليمن والعراق وليبيا وغيرها من البلدان يقول الحمد لله على نعمة الأمن، فالرئيس البشير وأركان نظامه لم يبخل ولن يبخل في تحسين الظروف المعيشية للسودانيين، فإنسانيته التي عكستها قراراته في ملف استيعاب المهاجرين السوريين واليمنيين، ومعاملته طوال العقود الماضية مع الفلسطينيين حتى بتنا نعتقد أن السودان وفلسطين وطن واحد وشعب واحد. اقتنع الجلوس بالحديث، وهذا ما أسعدني أن المجتمع السوداني هو مجتمع يجيد فن الاستماع والانصات، وكل ما يريده منطق الإقناع، لا الاستعلاء، وهو ما وفقنا الله به. حفظ الله السودان، الدولة والشعب.
كاتب فلسطيني
حسام الدجني