«كلاب الحرب».. الأقرب إلى القلب

حجم الخط
0

في مشهده الافتتاحي الأول يعرّف الفيلم الحربَ بأنها «كيان اقتصادي» تديره دول ومنظمات وصناعيون وسماسرة. من وجهة نظر هؤلاء الأخيرين، الجنديُّ هو عتادُه وهذا يساوي، بحسب رسم بياني عرض في الافتتاحية 17500 دولار.
ولمزيد من تبيان الصلة بين الحرب واقتصادها يعرض الفيلم توجّه بطليه ليقبضا ثمن صفقة «الباريتا» الإيطالية من قاعدة الجيش الأمريكي في العراق، فإذا هما أمام جدران من رزم الدولارات، وذلك في مشهد لا يمكن إلا أن يكون ساخرا وهازئا.
على أيّ حال ليس ذلك الفاصل المتعلّق بزيارة البطلين تاجري الأسلحة إلى العراق من بين الوقائع الأصلية للحكاية، التي حرص الفيلم تكرارا على التذكير بأنها جرت حقيقة. كان الشابان المغامران قد قصدا الأردن وأفغانستان وإيطاليا وألبانيا، بحسب المقالة ثم الكتاب اللذين كان أصدرهما جي لارسون عن تجارة الشابين والفضيحة التي تسببا بها، لكنهما لم يزورا العراق. أما إضافة تلك الزيارة، المتخيّلة كليا، فغرضها أن يكون العراق حاضرا، ومغذيّا الفيلم بمشاهد حربية يغلب عليها الطابع الكوميدي الفكاهي.
وليست تلك الفكاهة قاصرة على رحلة الشابين الأمريكيين إلى الفلوجة والمنطقة الخضراء في بغداد، فكل البلاد التي زاراها تبدو كأنها أعلنت إفلاسها، على مثال ما تعلن إفلاسها الشركات. في عمّان كان المهرّبون جالسين على قارعة الطريق. ذلك الرجل الذي يطلقون عليه لقب «مارلبورو» يستطيع وحده، رغم رثاثته، أن يهرّب شحنة أسلحة كاملة إلى العراق. أما العراق، ودائما في الفيلم الذي جرى تصويره في رومانيا، فيشبه ما في موجة أفلام العصابات الأمريكية عن زمن ما بعد التحضّر البشري. وفي تيرانا (ألبانيا)، التي نقلت صورها من طائرة محلّقة على ارتفاع منخفض، لم تقع الكاميرا إلا على ولدين يلعبان الكرة في أحد شوارعها. وعما تبيعه تيرانا فهو السلاح والذخيرة الباقيان من زمنها الاشتراكي، بأثمان بخسة يقبضها موظف كبير فاسد واثنان من جنرالاته. حجة هؤلاء لبيع السلاح هو أن بلدهم ألبانيا سينضم سريعا إلى حلف الناتو، وسيحصل من جراء ذلك على أسلحة متطوّرة جديدة.
كل البلاد تبيع ما لديها وما ليس لديها بما يشبه تصفية عامة. من يشتري، ودائما بحسب الفيلم، هو دائما الولايات المتحدة، وإن كان المال مجلوبا من خارجها (في مشهد جدران الدولارات المذكور أعلاه يقول الضابط الأمريكي أن هذا المال كلّه صودر من خزائن صدام حسين). والولايات المتحدة لا تشتري السلاح لتزوّد جيشها به، بل تتبرّع به للآخرين، كمثل الصفقة موضوع الفيلم، حيث كانت ذخيرة ألبانيا ستذهب للقوات الأفغانية، بتمويل أمريكي جرى تأمينه من دول مثل العراق ومن قادة أسقطوا مثل صدام حسين. إنها دورة عسكرية تقودها أمريكا في العالم الذي يبدو، كلّه، وقد قطع أشواطا نحو خرابه الأخير. ولا يقتصر الخراب على مشهد البلاد أو المدن، مثل الفلوجة وعمّان وتيرانا، بل إنه أوّلا في وجوه البشر وسلوكهم. الجميع في هذه البلدان، مدنيين وجنودا، يعرفون كيف يسيّرون هذا الخراب ويقودونه. الحاجز الذي أخذ يطلق أضواءه هناك عند الحدود الأردنية العراقية من أجل أن تتمهل شاحنة التهريب قبل توقّفها، الحاجز الذي يضم جنودا كثيرين، عرف سائق الشاحنة، مارلبورو، كيف يرشوه. لم يحتج الأمر إلى أكثر من عبوتين من السجائر التي أعطت اسمها لذاك السائق (مارلبورو). جميع من صادفهما الشابان الأمريكيان جرى تصويرهم كحثالات تعتاش من كفاءاتها ومهاراتها الفذة، لكن الرخيصة في الوقت نفسه. المبلغ الذي طلبه الرجل الألباني من أجل إعادة تعبئة ملايين الرصاصات بدا للشابين الأمريكيين مضحكا، بما ذكّرنا، نحن مشاهدي الفيلم، بعادل إمام وهو يقول في مسرحية «الواد سيد الشغال»: «أنا بعملية زي دي ما اقبلش أقلّ من عشرين جنيه».
كل شيء رخيص وفاسد وفي الدرك السفلي من الوجود الشخصي، حيث لا أحد يغضب، لا أحد يمزح، لا أحد وسيما ولا أحد قريبا إلى القلب. ما يحتوي في شخصه كل ذلك هما الشابان الأمريكيان. كانا يعبران في هذه البلدان، بكل ما فيها من مخاطر، وهما يتسلّيان بالناس، ينجزان كل شيء بالمزاح المستخف بكل ما هو حولهما. شيء يشبه روبنسون كروزو الذي، بمجرد أن رأى رجلا أسود على الجزيرة، أدرك أنه عثر على خادمه أو عبده، فيما عرف الآخر (الأسود) أنه عثر على سيده.
الشابان اللذان يسعيان لإتمام صفقة قيمتها 340 مليونا من الدولارات، مستخدمين مهارة أحدهما في البلطجة والتخلّص من المآزق، يظلان دائمي المزاح في بلدان الحروب الضارية تلك. وإذ يروح مشاهد الفيلم هنا في بيروت، مثلا، يرى مرة أخرى كيف تُنعش المخاطر المحدقة ميل الأمريكي إلى المزاح، يتراءى له أن المزاح هذا هو الصفة الثانية التي تمنحها أمريكا، لأهلها أو لقاصديها، إضافة إلى الصفة الأولى التي تعرّف أمريكا بأنها بلاد الفرص المتاحة. مع العلم أن الفيلم أراد، أساسا، أن ينقل وقائع فضيحة، بل فضائح، تجارة السلاح في أمريكا، وكيف أن بلاد الفرص المتوافرة بالغت في إتاحتها. لكن هذا بدا علاجه ممكنا بأن يُخلى سبيل أحد الشابين الشريكين ويودع الآخر في السجن لأربع سنوات يسمح له بعدها بإعادة تشغيل شركته، فيما تلك البلاد ذاتها، العراق وأفغانستان، أو ربما بلاد جديدة هي الآن في وضع المنتظر لأن يحين دورها في استقبال الحروب، تظلّ محتاجة إلى الخدمات التي تقدمها هذه الشركات.
فيلم «كلاب الحرب» مقتبس من وقائع حقيقية لسيرة شابين هما دايفيد باكوز وإفرام ديفارولي حظيا بصفقة تزيد قيمتها عن 300 مليون دولار من البنتاغون لتسليح قوات حليفة لأمريكا في أفغانستان. مخرج الفيلم هو تود فيليبس الذي شارك في كتابة السيناريو أيضا مع جايسون سميلوفيتش، وقام بدور الشابين الطموحين جوناه هيل ومايلز تللر. يذكر أن الفيلم بدأ عرضه في الصالات الأمريكية في شهر آب/أغسطس الحالي، وقد بدأ عرضه في صالات بيروت في التاريخ ذاته.
كاتب وروائي لبناني

«كلاب الحرب».. الأقرب إلى القلب
فيلم يرصد قصة تزويد حلفاء أمريكا بالسلاح
حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية