دبابات وقوات خاصة من الجيش التركي، باسناد من سلاحه الجوي، توغلت في سوريا، لأول مرة ـ وبالتأكيد بمثل هذا النطاق وفي وضح النهار ـ منذ بدأت الحرب قبل خمس سنوات ونصف السنة. وانضم إلى قوة الغزو التركية مئات المقاتلين من منظمات الثوار، الذين دربتهم الولايات المتحدة وتركيا. وقد دخلوا امس إلى المدينة الأساس جرابلس، قرب نهر الفرات.
لقد جاء الهجوم التركي بعد بضعة أيام من قتل مخرب انتحاري بتكليف من داعش 54 تركيا كرديا في عرس، على مسافة غير بعيدة عن الحدود السورية.
ويتمتع الغزاة بمظلة جوية من طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، ويتم الهجوم التركي في اليوم الذي يزور فيه أنقرة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي أعرب عن تأييده له.
وتستهدف الزيارة أيضا نزع كل شك عن تأييد وتضامن الولايات المتحدة مع حليفتها في الناتو.
نشرت وزارة الخارجية السورية بيان تنديد بخرق السيادة من جانب تركيا، ولكن يبدو أن هذا البيان هو تعبير اكثر من أي شيء آخر عن خيبة أمل نظام بشار الأسد، الذي لا يسيطر في بلاده. ومعقول التقدير بأن الحملة التركية ما كان يمكنها ان تتحقق دون الموافقة بصمت من روسيا على الاقل، والتي هي السيد والدرع للنظام السوري.
تتاح العملية التركية في أعقاب المصالحة الاخيرة بين تركيا وروسيا. ومع ذلك، ولعله كي يسجل في البروتوكول، نشرت وزارة الخارجية في موسكو بيانا تعرب فيه عن قلقها من الخطوة التركية.
رسميا، يوجه الغزو التركي القتال ضد داعش، أما عمليا، فلتركيا تطلعات استراتيجية أكبر. هدفها هو منع تقدم القوات السورية والكردية الذين يثبتون حزاما واسعا على طول الحدود التركية، يمكنه أن يشكل قاعدة لكيان حكم ذاتي كردي في سوريا وربما حتى لدولة مستقلة.
تمتعت هذه القوات الكردية حتى الغزو بالمساعدة الجوية الأمريكية ودربتها وحدات من القوات الخاصة الأمريكية. وفقط قبل زمن غير بعيد، احتلت الوحدات الكردية، باسناد وتشجيع أمريكي، من ايدي داعش، مدينة منبج الاساسية، التي تقع على مسافة غير بعيدة من جرابلس.
لا يخفي الناطقون الاتراك طلبهم بأن تنسحب القوات الكردية من شرقي نهر الفرات، منعا لقيام الكيان الكردي على حدودهم، الأمر الذي من شأنه ان يشجع الأكراد الأتراك ايضا على اقامة دولة خاصة بهم وربما حتى دولة واحدة كاملة تضم الاكراد في العراق، في سوريا وفي تركيا.
على الولايات المتحدة ان تناور بين المصالح المتضاربة لحليفيها ـ تركيا والاكراد. ليس صعبا التقدير من تفضل واشنطن. مفهوم انها تفضل تركيا، مثلما صرح في أنقرة نائب الرئيس بايدن. ومرة اخرى تهجر الولايات المتحدة الاكراد وتخونهم، مثلما فعلت غير مرة في الماضي.
تمثل الخطوة التركية التغيير الأكبر للسياسة الخارجية والامن للرئيس رجب طيب اردوغان. فمنذ بدأت الحرب في سوريا في اذار 2011 طلبت تركيا اسقاط عدوها اللدود، الرئيس الأسد. ولغرض تحقيق هذا الهدف، ساعدت سرا من خلال أجهزتها الأمنية، إرهابيي «الدولة الإسلامية». فقد اشترت منهم النفط الرخيص الذي هربوه، زودتهم بالسلاح، وسمحت لالاف المتطوعين المسلمين من كل ارجاء العالم بالانتقال إلى اراضيها والانضمام إلى داعش في العراق وفي سوريا.
رفضت تركيا معظم الوقت الخضوع لطلب واشنطن التوقف عن مساعداتها لداعش. وقف جيشها جانبا ولم يحرك ساكنا عندما ذبح البرابرة من داعش بمنهاجية مفزعة السوريين، مهما كان انتماؤهم الطائفي او الديني. وبالعكس، املوا بأن يذبح داعش اكبر قدر ممكن من الاكراد.
غير أن السياسة التركية فشلت. فقد تنازعت مع كل جيرانها: سوريا، إيران، العراق، الاكراد بالطبع وكذا الاتحاد الاوروبي، الولايات المتحدة وروسيا. فضلا عن ذلك، ففي نهاية المطاف عادت سياسة اردوغان اليه كالسهم المرتد: الاكراد وداعش خرجوا للصراع ضده، وخرج المخربون الانتحاريون لتنفيذ العمليات، واصبحت المدن التركية في الاشهر الاخيرة ميادين تقتيل.
هكذا، حتى قبل محاولة الانقلاب الفاشلة ضده، قرر اردوغان تغيير سياسته. فقد تصالح مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد أن اعتذر عن اسقاط الطائرة الروسية. وعلى الطريق، وان لم يكن بلا صلة، تصالح ايضا مع إسرائيل.
أعلن الحرب على داعش، وهكذا يحاول التقرب إلى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. والان هو في الطريق ايضا لتحسين العلاقات مع إيران. وبعد الغزو سيلطف مطالباته بإسقاط الأسد من الحكم في دمشق.
يساهم الهجوم التركي في الانهيار المتوقع لداعش، الذي يفقد كل الوقت الاراضي التي كانت تحت سيطرته. مقاتلوه يفرون، مداخيله تتضاءل وتأييد الشباب له يتقلص. والمعركة لطرد داعش من سوريا تجري بالتوازي مع هزائمه في العراق، الذي يخطط جيشه في غضون عدة اشهر لاحتلال الموصل، المدينة الثانية في حجمها في الدولة.
بخطوته ينجح اردوغان ايضا بالمس بالتطلعات الكردية، ولكن ليس فيها بعد ما يشكل خطوة تحطم التعادل الذي يقرب انتهاء الحرب الاهلية. ربما العكس، فهي تعقد فسيفساء المصالح المتضاربة للجماعات المحلية، الدول في الشرق الاوسط والقوتين العظميين، ممن ينبشون في القدر السورية. كل هذا على ظهر ملايين السوريين ـ رجال، نساء وأطفالا ـ ممن ذبحوا، جرحوا وأصبحوا لاجئين.
معاريف 25/8/2016