لقد كان جلالة الملك محمد السادس صادقا بمناسبة عيد العرش الأخير حين قال: « فبمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر. والجميع حكومة وأحزابا، مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم، ويدخلون في فوضى وصراعات، لا علاقة لها بحرية الاختيار، التي يمثلها الانتخاب».
فبالفعل، فقدت بعض الدوائر السلطوية والإعلامية صوابها، وبدأت تخبط خبط عشواء « وكأنها القيامة»..ففي الوقت الذي التزمت أحزاب الأغلبية بخطاب التهدئة، والتزم رئيس الحكومة الصمت منذ خطاب العرش الأخير، مبديا قدرا كبيرا من السكينة والتعقل لا يمكن تفسيره إلا بالوثوق بالنصر يوم 7 أكتوبر القادم بحول الله، لا يكاد يمر يوم واحد حتى تطلع علينا الصحافة بما تسميه «فضيحة أخلاقية» لأحد المنتسبين لحزب العدالة والتنمية أو لإحدى الجمعيات المقربة منه، في محاولة يائسة لضرب الرمزية الأخلاقية لهذا الحزب، وتشويه صورته لدى الناخبين..
إنها القيامة الموجودة داخل مربع التحكم، بعدما تأكد لدى الجميع بأن المؤشرات الانتخابية تعطي الامتياز في الانتخابات القادمة لحزب العدالة والتنمية..
إن هذا الانزلاق الإعلامي يخفي وراءه صراعا بين إرادتين: إرادة احترام القانون وإرادة التعسف في تطبيق القانون، وهما تعبران عن عقليتين مختلفتين: الأولى تسهر على بث الشعور بالأمن وتعميق الإحساس لدى أفراد المجتمع بأن المكلفين بإنفاذ القانون يسهرون على أمنهم القانوني وأن الحقوق والحريات مضمونة بسلطة الدستور والقوانين التي تتمتع بصفة السمو، والتي لها وحدها ينبغي الاحتكام لإيقاع الجزاء بالمخالفين، أما إرادة التعسف في تطبيق القانون فهي تستبطن عقلية استبدادية تؤمن بمنطق السلطة فقط، وقد تكون مجبرة على تسويغ قراراتها السلطوية بمحاولة إضفاء «الشرعية القانونية» على قرارات غير قانونية أصلا، أو القيام بممارسات تعسفية مباشرة لخدمة قرارات سلطوية بحثة، وهو ما يساهم في بث الرعب والخوف لدى المجتمع.
السعار الانتخابي الذي أصاب بعض الجهات دفعها إلى ارتكاب الكثير من الأخطاء بغية تحقيق هدف واحد هو النيل من حزب العدالة والتنمية والتأثير في شعبيته ولو بالدوس على قواعد الشرعية القانونية؟
ما يحدث هذه الأيام، يعتبر انزلاقا خطيرا لا يمكن تبريره بحمى الانتخابات، وهو يعود على الكثير من المكتسبات بالإبطال، ويحمل في أحشائه عودة خشنة لأساليب غير مقبولة تهدد بعودة مظاهر الدولة التسلطية « l’état voyou» التي لا تلتزم باحترام قوانينها، وهو أسلوب خطير يشبه من يفكر بالربح وهو يلتهم رأس المال ولا يبالي بالعواقب..
لا أحد يشك بأن هذا السعار الانتخابي هو الذي يقف وراء الحملات الإعلامية الممنهجة التي تقودها دوائر تحكمية معروفة على لسان مجموعة من الكتبة المحسوبين زورا وبهتانا على الصحافة والإعلام، والذين يتمتعون بامتياز خط ساخن ينقل لهم جميع القضايا الموجودة في المحاكم ومخافرالشرطة والدرك التي تتعلق بأعضاء حزب العدالة والتنمية أو التوحيد والإصلاح، قبل أن يضيفوا إليها توابل الكذب والافتراء والبهتان…
الخطير أن أسلوب شيطنة الفرقاء السياسيين لأهداف سياسية حقيرة جرى اعتماده في السبعينيات والثمانينيات ضد مجموعات يسارية معارضة، أو ضد جماعات إسلامية متشددة، وكان يجري تبريره بالخوف من تيارات لها مواقف راديكالية من النظام السياسي، أما ما يجري حاليا ضد حزب سياسي قاد الحكومة لمدة خمس سنوات وتميز سلوكه بأقصى مظاهر الاعتدال والمرونة مع جميع الفرقاء السياسيين، فلا يمكن تفسيره إلا بحقيقة واحدة: وهي أن حزب العدالة والتنمية نجح في كسب معادلة الاعتدال والمرونة وفي نفس الوقت الاستقلالية والكرامة، وهو حزب عصي على التدجين والترويض.
كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين