في أيار/مايو 2012 كان يسكن الضفة الغربية 265729 فلسطينيا، كما تُبين وثيقة للادارة المدنية وصلت الى صحيفة ‘هآرتس’. والى ذلك تشير الوثيقة الى زيادة عدد الفلسطينيين منذ سنة 2000 بـ29 في المئة. ونشب في السنوات الأخيرة صراع قوي حول عدد الفلسطينيين الذين يسكنون المناطق، وتحاول مجموعة باحثين اسمها ‘الفريق الامريكي ـ الاسرائيلي للديمغرافيا’ منذ ثماني سنوات ان تبرهن ان الفلسطينيين قد نجحوا في حنكة كبيرة بأن يزيدوا عددهم نحوا من مليون انسان آخرين. ورغم أنه لا يوجد لادعاءات هذه المجموعة أدلة من خبراء علم السكان في البلاد وفي العالم، الا انها تحظى بالرعاية الكبيرة من المتحدثين والساسة في اليمين. يزعم الفريق الامريكي الاسرائيلي انه يعيش في الضفة مليون ونصف مليون فلسطيني. وهناك ادعاء آخر لا يقل أهمية عند الفريق وهو أن الوقت والديمغرافيا يعملان في مصلحة اسرائيل، لا في مصلحة الفلسطينيين. وتبنى هذا المعطى أجزاء من اليمين من رئيس البيت اليهودي نفتالي بينيت الى عضو الكنيست تسيبي حوتوبيلي (الليكود) الى موشيه آرنس. واستنتاجهم هو انه اذا كان يوجد مليون ونصف مليون فلسطيني فقط، والشبح الديمغرافي غير موجود فلا حاجة الى دخول تفاوض في انشاء دولة فلسطينية، وقد حان الوقت للحديث عن صورة ضم المناطق والسكان. تؤمن عضو الكنيست حوتوبيلي بأن اسرائيل تستطيع في أمد بعيد ان تمنح الفلسطينيين جميعا في الضفة جنسية وتحافظ على هويتها اليهودية. ‘يوجد مليون ونصف مليون فلسطيني في يهودا والسامرة و400 ألف مستوطن، ولن يمضي أحد الى أي مكان’، هذا ما قاله مؤخرا بينيت في مقابلة صحافية مع صحيفة ‘واشنطن بوست’، وحينما نفحص من أين أُخذ العدد مليون ونصف المليون، نصل دائما الى المكان نفسه وهو الفريق الامريكي الاسرائيلي للديمغرافيا. ‘إن ما تفعله هذه المجموعة يبلغ حد الجريمة، فهو خدعة كبيرة’، يقول عالم الجغرافيا البروفيسور أرنون سوفير وهو أكبر منتقدي عمل المجموعة. إن أحد رؤساء الفريق هو يورام إتنغر، وهو يميني ودبلوماسي سابق. ويشارك في عضوية الفريق العلمي المسؤول عن المعطيات بينيت تسمرمان، وهو محلل في بنك استثمارات، والى جانبه مايكل زايد وهو دكتور في الفيزياء، والمؤرخة روبرتا زايد. وقد نشرت وثيقتهم قبل الانفصال في 2005 بوقت قصير، وكانت تُرى آنذاك محاولة لوقف الانفصال بضعضعة المعطيات السكانية، بالاعتراض على احصاءي عدد السكان من السلطة الفلسطينية في 1997 و2007، وهما الاحصاءان الوحيدان في المناطق منذ 1967 وتما تحت رقابة حكومة النرويج. بناء على هذين الاحصاءين يُقدر الفلسطينيون، وعلى أثرهم الجيش الاسرائيلي والامم المتحدة و’الشاباك’ وكل دول العالم وأكثر خبراء السكان في البلاد، عدد الفلسطينيين في الضفة بـ2.6 2.7 مليون نسمة. ويزعم الفريق الامريكي الاسرائيلي أن الاحصاءين مشوهان لعدة اسباب: لأن الفلسطينيين في حساباتهم، يعدون الـ300 ألف من سكان شرق القدس فلسطينيين، في حين تعدهم اسرائيل عربا في اسرائيل؛ ويزعم اعضاء الفريق ايضا ان الفلسطينيين يشملون سكانا غادروا الضفة قبل سنين كثيرة، وهم ثالثا يعرضون زيادة على عدد السكان غير مُفسرة بعدد أكبر من المواليد وعدد أقل من الوفيات. ‘ليست هذه أكاذيب بالضرورة’، يقول إتنغر، ‘لكن الفلسطينيين يُحصون بطريقة مختلفة، ليست المشكلة معهم بل المشكلة مع اولئك الذين يقبلون معطياتهم بلا فحص. ففي مسألة المواليد مثلا هناك عمل جد غير دقيق هذا اذا لم نشأ المبالغة’. ويشير ناس الفريق الى انخفاض حاد في خصوبة المجتمع العربي في الشرق الاوسط كله، ويقول إتنغر إن خصوبة المرأة اليهودية في اسرائيل أكبر اليوم من خصوبة نساء في دول مجاورة. إن البروفيسور سوفير معروف منذ سنين طويلة بأنه نبي غضب ديمغرافي. ويُعد لقاؤه لرئيس الوزراء السابق ارييل شارون في سنة 2004 علامة طريق لاستقرار رأي ارييل شارون على الخروج من قطاع غزة، وهو يرى ان الفريق الاسرائيلي الامريكي مجموعة من البهلوانات يقومون بأعمال خداع خطيرة لاسباب سياسية، وقد نشر سوفير في 2007 مع ينيف غمبيش وثيقة طويلة تحت اسم ‘أضاليل فرق المليون’ تتناول ادعاءات الفريق. وتقول هذه الوثيقة التي تنزلق احيانا الى لغة غير اكاديمية إن الـ21 فرضا كلها في وثيقة الفريق الاسرائيلي الامريكي مُختلة علميا. ‘خُذ مثلا موضوع الوفيات’، يقول سوفير. ‘إن اليهود ينتمون الى شعب طبيعي فيه الكثير من الشيوخ ولا يوجد في السكان العرب الكثير من كبار السن ولا يموتون هناك كثيرا. في داخل اسرائيل يوجد في مقابل كل ألف انسان ستة أموات كل سنة وعند العرب 2.5’. ويوافق سوفير على وجود انخفاض في نسبة الولادة، لكن لما كانت نسبة جيل الشباب في المناطق كبيرة جدا قياسا بسائر السكان نشأ ‘تأثير ديمغرافي’، ينخفض بحسبه عدد مواليد الفلسطينيين، لكن عدد الأمهات سيكون كبيرا في السنوات القريبة بسبب نسبة الشباب العالية. ‘ويقول اعضاء الفريق ايضا انه في كل سنة يغادر البلاد بين 60 الى 80 ألف انسان. فاذا كان عندنا صبر سنرى آخر عربي سيُطفئ النور بعد بضع سنوات. صدقني كنت في جميع المعابر ولا يوجد شيء كهذا، هذه بلبلة عقل. وهم يزعمون ايضا إنه يجب ان يُطرح من الاحصاء 400 ألف فلسطيني يسكنون في الخارج، لكن ما هو عدد المولودين الاسرائيليين في البلاد الذين يسكنون نيويورك؟’. ويصب الجدل آخر الامر في سؤال عددي بسيط وهو هل توجد أكثرية يهودية بين الاردن والبحر؟ يقول إتنغر إن الأكثرية اليهودية قائمة متينة. ويقول إن نسبة اليهود من السكان بين البحر والاردن هي 66 في المئة وأهم من ذلك أن هذه الأكثرية مستقرة بسبب تغير نسب الخصوبة. ويقول: ‘لا توجد قنبلة موقوتة عربية، وتوجد ريح دعم يهودية’. إن معطيات سوفير التي يقبلها كل من يشتغل بهذا الأمر تروي قصة اخرى: يعيش في اسرائيل 6.2 مليون يهودي وآخرون؛ ويعيش في غزة 1.7 مليون فلسطيني، ويعيش في الضفة 2.5 مليون فلسطيني، ويعيش في اسرائيل 1.6 مليون فلسطيني آخرون ولا يشمل هذا الدروز، وينتج عن ذلك انه يوجد 5.8 مليون عربي و6.2 مليون يهودي. ‘أضف الى ذلك 60 ألف متسلل، و120 ألف سائح بقوا في اسرائيل، و300 ألف فلسطيني دخلوا منذ 1967 ويعيشون في اسرائيل، وعمالا اجانب لينتج أن الصحيح اليوم أننا 49 في المئة بين الاردن والبحر’. ‘لو كان ذلك جدلا اكاديميا لما كان من المجدي أن أشغل نفسي بهم’، يقول سوفير، ‘لكن بوغي (موشيه يعلون وزير الدفاع) أصبح فجأة يقول انه لا توجد عندنا مشكلة سكانية’. ‘إن التباحث في مستقبل المناطق مهم بقدر كاف كي نقيمه على أساس حقائق ومعطيات حقيقية’، يقول الدكتور آساف شارون المدير الاكاديمي لـ’موليد’ وهو معهد بحث يساري. ‘إن ‘الحقائق’ التي تقوم عليها استراتيجية اليمين الايديولوجية لا أساس لها. وينسى اليمينيون ان الأكذوبة التي يكررونها بلا توقف لا تصبح حقيقة. إن ضم المناطق يعني دولة ذات شعبين يمكن تأييد هذا ويمكن معارضته لكن لا يمكن إنكاره’.