ماذا حدث ‘للانتلجنسيا’ العربية منذ بداية القرن العشرين؟

حجم الخط
0

يميز المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي (1927-2005) بين فئات متعددة من ‘المثقفين’، حيث يقسمهم الى اربع فئات: فئة المثقفين الملتزمين، فئة انصاف الملتزمين، فئة العاملين في حقل التعليم وفئة التكنوقراط الذين يعرفهم بالمهنيين في الصناعة والإدارة والخدمات، ويرى ان الفئتين الأكثر تأثيرا في المجتمع تتضمن الفئة الأولى والرابعة، رغم انهما على طرفي نقيض. وانطلاقا من هذا التصور يعرف شرابي الفئة الأولى، أي المثقفين الملتزمين، بالنخبة المثقفة أي ‘الانتلجنسيا’. أما الفئات الأخرى فيسميهم المثقفين وهم أصحاب الطاقة العلمية والفنية والفكرية في المجتمع.
ويعرف ‘الانتلجنسيا’ على أنهم الذين يتوفر عندهم الوعي الكامل مع الممارسة الكاملة، وهم الذين لا يمكن التفريق بين حياتهم الخاصة والعامة، حيث يشكلون الطليعة المثقفة التي تقوم بعملية التغيير الاجتماعي، وهم حسب تعريفه لا ينتمون إلى طبقة واحدة، إنما الذي يجمعهم هو الوعي الكامل لقضاياهم والممارسة الواحدة. أما المفكر الفلسطيني الراحل ادوار سعيد (1935-2003) فيعرف المثقف الملتزم على انه ‘شخص مهمته أن يطرح الأسئلة المحرجة، وأن يواجه العقائد المستقرة في التقاليد الفكرية (لا أن ينتجها) وأن يكون شخصا لا يمكن انتقاؤه بيسر من قبل الحكومات أو الشركات، وسبب وجوده هو تمثيل كل الناس والقضايا المنسية عادة أو المتقاضى عنها’، كما أنه ينتقد بشدة المثقفين الذين يلعبون دور الخدم للسلطة والعبيد أمام السلطان،’ويبررون الأفكار السائدة في مرحلة تاريخية معينة.
وقد بدا واضحا ان موضوع ‘دور النخب السياسية’ شغل المفكرين في الوطن العربي منذ عهد التنوير، الذي عرف ايضا بعصر النهضة، الذي شهد بدايات التفكير بأهمية دور النخبة في عمليات التغيير، التي تمثلت في المرحلة الاولى بمحاولات إصلاح، ثم بمحاولات التخلص من الحكم العثماني، ليس فقط لأنه تجاهل حقوق العرب، بل أيضا بسبب اعتباره حكما استبداديا وغير عادل.
وفي عملية البحث عن جذور الفكر العربي الحديث، وجدنا ان الشخصيات السياسية والمثقفة التي دعت لعقد المؤتمر العربي الأول، الذي التأم في باريس في حزيران/يونيو من عام 1913، كانت قد بدأت بتعريف نفسها عبر عدة مصطلحات، من أهمها مصطلح ‘المتنورين’ أو’العقلاء’ أو’الاذكياء’، ففي مقدمة الكتاب الذي نشر اوراق ومداخلات المؤتمر العربي الاول، كتب المصلح العربي المشهور رشيد رضا، ان العرب ‘قد عقدوا أول مؤتمر سياسي للبحث في حالتهم، وما يجب لهم على حكوماتهم’، مضيفا ان ‘بعض أهل الغيرة والاخلاص من أذكيائهم عقدوا المؤتمر فكان حجة ان في العرب عقلاء يعرفون مصلحة امتهم ودولتهم’.
وفي مقدمة أخرى للكتاب، تشمل نصا عنوانه ‘فكرة المؤتمر’ تمت صياغته في باريس في الرابع من نيسان/ابريل 1913، وختم بختم لجنة المؤتمر، قيل: ‘من مميزات النهضة العربية الحديثة ان تموجها الطبيعي نشأ عن شعور عام في طبقة المتنورين، احسوا معه بأن الحاجة ماسة الى طرح رداء الخمول والأخذ بأسباب الحياة، وتدارك الايام المارة مر السحاب، والاستفادة فيها من المدارك والقوى والخصائص، التي خص الله بها سلائل واضعي اساس الشرائع ورافعي معالم العمران، وناشري انوار التهذيب والتثقيف، وذوي النفوس الابية والأخلاق الرضية من سكان جزيرة العرب وبني عمومتهم في العراق وما بين النهرين، ووادي الاردن وسهول الشام وجبالها وسواحلها ونجودها’. مضيفا ‘وبهذا الحس العام المشترك الذي يكاد يشبه التواطؤ جمع ‘عقلاء’ الامة شملهم وبدأوا بتنظيم سيرهم’.
وفي محاولتنا السريعة لتقييم دور ‘الانتلجنسيا’ العربية خلال القرن الماضي نجد من الضروري التطرق لبعض الأفكار والتحاليل المهمة التي بلورها بعض المفكرين العرب منذ عقود، حول عملية التراجع الفكري لبعض المفاهيم التي شكلت جوهر الفكر القومي العربي الحديث، الذي نشأ في بداية القرن العشرين، مثل ‘الحداثة’ و’العقلانية’، ومن أهم المفكرين في هذا المجال المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ (1930-1978). وقد استخدم ياسين الحافظ مصطلح ‘الانتلجنسيا’ لتصنيف أجيال المفكرين العرب منذ بداية القرن العشرين، فقد اعتبر ان الجيل الأول من الانتلجنسيا العربية هو جيل ‘النهضة العربية’، وقد ذكر مثالا لهم (محمد عبده، عرابي، عبد الله نديم، مصطفى كامل، الخ)، ثم تطرق الى الجيل الثاني (الوفد في مصر، الكتلة الوطنية في سورية، الاستقلال والأهالي في العراق، الخ)، الذي حسب تحليله ‘كانت الخيبة الناجمة عن هزيمة الجيل الأول تدفعه إلى مصالحة – تسوية مع الاستعمار قبل الاستقلال، والذي تجرع ليبرالية ما جاءت بها أو فرضتها المرحلة الكولونيالية، تصالحت سياسيا مع التقليد، الذي جندلته إسرائيل، بهزيمة شنعاء عام 1948’. ويضيف ‘خلافا للجيل الثاني ذاك، جاء الجيل الثالث، مستفيدا من سياق دولي مؤات تمثل أساسا في بروز المعسكر الاشتراكي كقوة وازنة على المسرح الدولي، ليعبر على الصعيد السياسي، عن نزوع راديكالي وغير متصالح مع الاستعمار، لكن لأن الجيل الثالث كان محافظا على الأصعدة الايديولوجية والثقافية والاجتماعية، كانت قدرته على تحديث بنى المجتمع العربي، بما في ذلك الاقتصادية، محدودة جدا تارة، ومعدومة تارة أخرى، وهذا ما جعل راديكاليته السياسية المستمدة إلى بنى مفوتة، في تصديها للهيمنة الإمبريالية وإسرائيل، تأخذ طابع ‘رومانسية ثورية،’ كانت تتحول مع تأكد العجز والتآكل، كما تجلى في هزيمة حزيران وأعقابها، إلى ‘تفنيص’ ثوري (أو منفخة ثورية). ومن طبيعة الأشياء أن يتحول التفنيص الثوري بعد ارتطامه بالواقع ، إلى استسلام’.
وتكمن أهمية تحليل ياسين الحافظ في رؤيته ونقده لجيل الانتلجنسيا الثالث بشكل خاص، حيث أضاف: ‘لعل الاخفاق الأسوأ الذي مازلنا نعيش في دوامته هو إخفاق جيل الانتلجنسيا العربية الثالث، الجيل الذي أراد أن يشكل نقيض الجيل السابق المهزوم وتجاوزه، الجيل الذي تكون في الثلاثينات وأخذ يصعد في أواخر الأربعينات وبلغ أوجه في الخمسينات ثم انحدر في الستينات وسقط نهائيا في السبعينات. كما أن تجربة هذا الجيل كانت أشد تأخرا، وبالتالي، أكثر إخفاقا وعجزا’. حيث رأى ياسين الحافظ ان الفكر القومي بجميع فروعه كان فكراً ايديولوجياً، ‘يقرأ الواقع بعموميات فارغة’، كما انتقد ثورة عبد الناصر في عام 1952 على أنها ‘ثورة من فوق’، فبالتالي لم تقم نظاما ديمقراطيا، كما اتخذت منحى تجريبيا وافتقدت الى ‘النظرية’.
وقد بلور المفكر اللبناني جورج قرم، تصنيفا آخر لأنماط من الفكر الذي ساد في أوساط النخب العربية، عبر تحليل تاريخي للتعقيدات في الساحة العربية، منذ بداية القرن العشرين عندما ناضلت من أجل التحرر من الحكم العثماني، ثم من الحكم ‘الكولونيالي’ الغربي، مرورا بتطور النازية في أوروبا. وقد ركز جورج قرم على الثغرات الكامنة في التيارات الفكرية التي اعتنقها العرب منذ عام 1948، وهي الفترة التي تتطابق مع الفترة التي ترعرع فيها جيل ‘الانتلجنسيا الثالث’، حسب تحليل ياسين الحافظ.
ويرى قرم أن الفكر العربي خلال كل هذه الحقبة كان يجهل أنه قد أصيب بالمشكلة الوجودية الصهيونية، حيث كان فكرا مهزوما يقلد بشكل غير واع الفكر الذي هزمه. فمثلما ادعت الصهيونية أنها تهتم بمصير كل يهودي أينما وجد وتحاول تقوية الشعور بالهوية اليهودية عبر كل الطرق، فإن الفكر العربي أيضا انطوى على نفسه بناء على نرجسية دينية تتبنى مقاييس متطرفة في تعريفها لما هو ديني وتتعامل مع العالم الخارجي بناء عليها.
وقد تقلب الفكر العربي في هذه المرحلة حسب تحليل جورج قرم من كونه في المرحلة الاولى، ‘فكرا تنازليا بشكل كامل’ يستند الى استيراد ‘اللاسامية الأوروبية’ والمبنية على أساس مقاييس خاصة ‘بالثيولوجيا’ المسيحية، التي توجد في عدة ثقافات غربية، والتي تعتبر’ اليهود قتلة المسيح، ومضادين للدين وناشرين للسوء’، وانهم ‘متآمرون بشكل دائم ويحاولون السيطرة على الشعوب الأخرى من أجل السيطرة على البشرية ككل’، ومن أهم النصوص التي مثلت هذا الفكر ‘بروتوكولات حكماء صهيون’، وكتاب هتلر ‘ماين كامف’، التي ظهرت في المكتبات العربية منذ الخمسينيات فقط’ . ويوضح جورج قرم أن هذا النمط من التفكير ‘قد خدم الحركة الصهيونية، حيث أن المحرقة كانت قد أدت إلى نشوء شعور غربي مؤيد لليهود وللمشروع الصهيوني، وبالتالي أصبح سهلا للحركة الصهيونية أن تدعي ان القومية العربية لاسامية، مما جرد النضال العربي من أجل فلسطين من معناه الحقيقي بالنسبة للغرب، الذي تحجج بذلك لعدم دعم القضية الفلسطينية، ثم اصبح هذا الفكر حسب تسمية جورج قرم، فكرا عربيا ثوريا مبسطا يرى ان إسرائيل هي نتاج مبسط للامبريالية. وقد ركز هذا الفكر في الخمسينيات والستينيات على أن مؤامرة الغرب الاستعماري، هي وحدها مسؤولة عن نشأة إسرائيل. وقد أضعف هذا التوجه القضية العربية، لأنه تجاهل الأسباب المختلفة للدعم الموجه من قبل البلدان الغربية للمشروع الصهيوني، ومنها نجاح الحركة الصهيونية في تطوير نظريات وهمية حول ثورية واشتراكية المشروع الصهيوني. وعلى عكس هذا التيار الثاني تبلور ما يسميه قرم ‘الفكر العربي المعتدل’، الذي يعتبر ان الولايات المتحدة أسيرة اللوبي الصهيوني، والذي نشأ لمواجهة الفكر الثوري العربي، وهدف بالأساس الى التأثير على الرأي العام الغربي، خاصة الأمريكي، معتمدا على استراتيجية جديدة طالبت بعدم محاربة المصالح الأمريكية في المنطقة، بل التعامل معها، من أجل تكوين جماعات ضغط عربية في الولايات المتحدة نفسها. ولم يتمكن هذا التيار أيضا من فهم الظاهرة الصهيونية، مما جعله أسيرا للتناقضات بين الأنظمة العربية وسياساتها تجاه قضية فلسطين. أما المرحلة الأخيرة والرابعة فقد شهدت في رأيه نشوء ‘الفكر الإسلامي العربي والتقليد اللاواعي للصهيونية’، الذي تبلور بسبب فشل التيارات الفكرية الثلاثة السابقة، الذي حاول أن ينقض المنطق الصهيوني عبر الدفاع عن ‘الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني’، التي استبدلها شيئا فشيئا بـ’الحقوق إلإسلامية’، مما تطابق مع الهدف الصهيوني، الذي يطمح الى إنشاء قوميات دينية وطائفية في الشرق العربي، ليشرع وجود الدولة الإسرائيلية كدولة عنصرية ودينية، ويسمح لها بالاستمرار في علاقة مميزة مع الغرب. وقد ساهمت في نشوء هذا التيار عوامل متعددة وأهمها السياسة الأمريكية المعادية للشيوعية عبر دعمها وتقويتها للحركات الدينية التي كانت تحارب ‘الالحاد والانحراف’ الشيوعي. وبالتالي يعتبر جورج قرم أن الفكر العربي ‘تنازل’ أمام الظاهرة الصهيونية، ويقول انه يستخدم كلمة ‘تنازل’ بشكل واع ليعرف عجز الفكر العربي في مواجهة الفكر الصهيوني، حيث أن تقوية التيارات الدينية والطائفية المختلفة شكلت في الواقع أكبر انتصار تاريخي للحركة الصهيونية، حيث ارتبط توسعها وامتدادها بجو الانطواء الديني والطائفي الذي نشرته في المنطقة.
والمهم ان أفكار ياسين الحافظ وجورج قرم هذه تبلورت في الثلاثة عقود الأخيرة من القرن الماضي، ويمكننا ان نستنتج ان سياسة الاستسلام، التي تحدث عنها ياسين الحافظ، والفكر ‘التنازلي’ الذي تحدث عنه جورج قرم، تسببا في ظهور اخفاقات اخرى منذ أواخرالقرن الماضي، ومن أهمها نشوء انظمة ديكتاتورية ومستبدة تفشى فيها الجهل والاستغلال والفساد، وقد جاء الربيع العربي متأخرا من أجل انهاء هذه الحقبة التي تشكلت في ظل جيل ‘الانتلجنسيا’ العربية الثالث.
إن الوضع العربي المتدهور بشكل عام بتناقضاته الحالية التي وصلت إلى أوجها في الصراع الدامي الحاصل في سورية وحول سورية، والتي أحدثت شرخا بين المفكرين وبين النخب السياسية العربية، والتي كانت قد سبقتها أحداث أخرى ساهمت في بلورة هذا الشرخ، بدأ باتفاقيات السلام المتعددة، وأحداث العراق الدامية، قد أوضحت إنه لم يتبلور حتى الآن تيار فكري عربي حديث قادر على مواجهة المد الصهيوني السياسي والإيديولوجي، بالتلازم مع المد الرجعي والطائفي والظلامي، رغم حسن النوايا لدى بعض التيارات السياسية الناشئة ووجود عدد من المفكرين المبدعين، فالسؤال المهم الذي يبقى مطروحا هو: هل سيتمكن الشباب العربي الثائر من تشكيل أجيال جديدة من ‘الانتلجنسيا’ العربية المؤهلة للعب دور مهم وموحــد في مواجهة كل التحديات؟

‘ كاتبة فلسطينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية