قبل ثورة 25 يناير كانت كلمة «ديكتاتور» لا تعني سوى الإشارة إلى رئيس الدولة، وكذا كلمة «ديكتاتورية» لم يكن لها معنى غير الإلماح إلى النظام الحاكم، ومن ثم وطبقاً لهذا المفهوم انقطعت الصلة بين الجمهور وأي فيلم يشير من قريب أو بعيد إلى هذه المعاني، وبالطبع كان على الأجهزة المعنية وأد أي تجارب من شأنها كسر الحصار المفروض على السينما المتمردة حتى وإن كان التمرد مغلفاً بسولفان الكوميديا، كما هو الحال بالنسبة لفيلم «الديكتاتور» الذي تم إنتاجه قبل الثورة بفترة قصيرة جداً ولم يُرحب به في دور العرض إلا أياماً معدودة، بعدها أحيل للاستيداع داخل المخازن ولم يعرف طريقه للقنوات الفضائية كما هي عادة الأفلام التي تُنفى من دور السينما، حيث شراء مثل هذا الفيلم وعرضه كان يعني إغلاق القناة وتحويل أصحابها إلى التحقيق، لذا لم تتجرأ فضائية واحدة على شــرائه وعرضه على شاشتها إلا بعد أن قـــامــت الثورة وأصبح الكلام عن مســـاوئ النظــام السابق هو المادة الرائــجة في كل الفضائيات فأعيد اكتشاف الفيلم الذي كتب قصته وقام ببطولته الفنان خالد سرحان نجل الكاتب والمثقف الكبير الراحل سمير سرحان والذي ناقش بصراحة فكرة صناعة الديكتاتور وخص بالوصف دون مواربة شخص رئيس الجمهورية متحايلاً قليلاً على المعنى السياسي بجعل الرئيس المقصود شخصاً آخر يحكم جمهورية افتراضيه أسماها «بامبوزيا» لكي يخرج من مأزق المواجهة مع الرقابة والأجهزة الأمنية.
وبرغم تطابق الأحداث والأشخاص على ما يحدث في مصر شكلاً وموضوعاً، إلا أن الحيلة انطلت على أصحاب قرار المنع والمصادرة بالأجهزة الرقابية العديدة وسُمح بعرض الفيلم مع توصية بسيطة بضرورة تعديل السيناريو وبالتحديد مشهد النهاية، وقد كان. فرئيس الجمهورية حسن حسني المخلوع عن عرش الحكم في «بامبوزيا» عاد مرة أخرى إلى بلاط الحكم بعد قيام ثورة الشعب البامبوزي ضده، وهذا ما تم الاتفاق عليه كي يرى الفيلم طريقة إلى النور، وعلى غرابة النهاية غير المنطقية ظلت الرسالة واضحة وجلة والتفاصيل كاشفة عن المحتوى والمضمون، خاصة فيما يتعلق بغياب الحاكم وهيمنة ابنه حكيم على البلاد وتسلطه للوصول إلى كرسي الرئاسة، بينما الابن الآخر يواصل بجدارة نزواته وغزواته مع النساء بعيداً عما يشغل أخيه من شؤون السياسة، فضلاً عن اقتراب الأول من الأب وولعه بالسُلطة في إشارات كثيرة إلى الواقع الرئاسي لمصر قبل قيام الثورة، بالإضافة إلى فساد الحاشية وتواطؤ الوزراء والسفراء لقاء بقائهم في مناصبهم.
لقد ركز الفيلم على وسطاء السوء بين الرئيس والشعب وما يلعبونه من أدوار سلبية لنقل الواقع المزيف كي يبقى كل شيء على ما هو عليه. فمدير مكتب الرئيس أو ما شابه وهي الشخصية التي أداها عزت أبو عوف رجل مدلس تنحصر وظيفته في إخفاء الحقيقة وإيهام حسن حسني أو «الديكتاتور» بأن كل شيء يسير في البلاد على ما يرام، في حين تندلع المظاهرات في كل مكان وشعارات التنديد بالحكم لم تتوقف لحظة في ظل الجوع والفقر والمرض والاستبداد والفساد وهو البعد الذي أشار إليه المخرج إيهاب لمعي في أكثر من مشهد تصادمت فيه القوى الثورية مع الشرطة لبيان السُخط والعصيان وحالة عدم الرضا على ما يقترفه الرئيس وحاشيته وولداه من جرائم في حق الشعب.
تتصاعد حالة الاحتقان تبعاً لمراحل التطور الدرامي المنصوص عليها في السيناريو والرؤية الكوميدية للكاتب والمخرج، فيحدث الانقلاب وتقتحم قوات الجيش مقر الرئاسة ويتم القبض على رئيس الجمهورية وولده حكيم ويتقرر إعدامهما في ميدان عام على مرأى ومسمع من جماهير الشعب ولكن بفضل تخطيط محكم «لفلول» النظام الفاشي تحدث المفاجأة فيهرب الجانيان وهما قاب قوسين أو أدنى من حبل المشنقة، وللوهلة الأولى نظن أن من عمل على تهريبهما شخص من محبي الرئيس المخلوع، ولكن بعد لحظات نكتشف أن الذي هربهما هو واحد من عامة الشعب أدى دوره بإتقان الفنان ضياء الميرغني لرغبته في الثأر الشخصي منهما، إذ لا يكفيه تنفيذ حكم الإعدام قبل التعذيب فيقرر أن يتولى بنفــسه المـــهــمة الوطنية ليرى في عيونهما ما رآه مـلايين الناس من الضحايا، حيث الرعب والخوف والفزع والحرمان.
وبينما المتهمان الرئيسيان يلقيان مصيرهما على يد المواطن البسيط، يلقى أيضاً الابن الثاني عزيز زير النساء والدونجوان الهوان نفسه على يد بلطجي آخر يعيش في خرابة بين مجموعة من البلطجية الصغار يجردونه من ملابسه ويستولون على ما تبقى لديه من نقود فيما يشبه تصفية الحسابات بين من كان يرفل في النعيم وهؤلاء الضحايا من العوام المشردين في الأرض بلا مأوى ولا مستقبل، وهنا إشارة إلى أن الجزاء غالباً ما يكون من جنس العمل، فأطفال الشوارع والبلطجية هم وقود النار التي لابد أن تحرق الطغاة والظالمين.
تتداعي آيات القمع والقهر وما يترتب عليها لنحو ساعة ونصف الساعة من الزمن الدرامي تمثل حقبة من أحلك فترات حكم «بامبوزيا» أو حكم مصر حسب السياقات التي ورد بها اسم مصر أكثر من مره للإسقاط عليها كمسرح للأحداث الحقيقية وما كان يجري فيها من احتكار للحكم طوال ثلاثين عاماً وعمليات بغاء سياسي مارسها رجال الدولة الملتفين حول رئيسهم سنوات طويلة حتى صارت مهاراتهم تعرف بقدراتهم الفائقة على الاستمرار في القيام بهذه الوظيفة وهو ما أشار إليه كاتب القصة خالد سرحان بوضوح وعبر عنه المخرج إيهاب لمعي في المشاهد التي أداها الفنان إدوارد من خلال شخصية «شرف» مسؤول الترفيه عن ابن الرئيس عزيز ذلك الشخص الذي يؤثره جمال النساء فيعجزه عن فعل أي شيء آخر!
مناطق عديدة طرقها فيلم «الديكتاتور» كان الاقتراب منها مهمة انتحارية قبل الثورة ويحسب لكاتب القصة والسيناريست والمخرج تجاسرهم على اقتحامها وليس عيباً في مثل هذه الحالة اتخاذ الكوميديا كغطاء لتمرير المعاني التراجيدية.
كمال القاضي