«حبّ في سردينيا» للإيطالية ميلينا آغوس: عالم الشفافية الرومانسي

حجم الخط
1

 

لديهم حظوة أولئك الأشخاص الذين تربوا في كنف الأجداد، وذاقوا حلاوة الحنوّ والمداراة والتربية ولو كانت طفيفة من قبلهم. أدباء وفنانون ومبدعون كبار تحدثوا عن بيت الجد أو الجدة، ووردتْ أسماؤهم أو سيماؤهم أو أطيافهم في نتاجاتهم الفنية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر السيّاب في»منزل الأقنان»، ومن ثم رسائله التي تحدث فيها طويلاً عن جدّته وجدّه، وكيف قضى أوقاتاً ممتعة لديهم، وكذا الأمر مع البياتي ونيرودا ومحمود درويش ونزار قباني وماركيز في رائعته «مئة عام من العزلة»، ولن أنسى الحديث المشوق لتوماس ترانس ترومر الشاعر السويدي حائز جائزة نوبل، في مذكراته وأثر جدّه لأمه عليه، والحال أيضاً ينطبق على ساراماغو الروائي البرتغالي في «الذكريات الصغيرة» ونشره صوراً للأجداد في مذكراته، شارحاً أوجه الشبه بينه وبينهم.
مناسبة هذا الحديث هي قراءتي لرواية إيطالية «حبّ في سردينيا» للروائية ميلينا آغوس، ترجمها للعربية نبيل رضا المهايني، حيث تتحدث فيها الراوية عن جدتها بطريقة إغوائية، شاعرية وبنبرة رومانسية، تجسِّد أحداث أزمنة مضتْ، من منتصف القرن الماضي. الزمان هو أيام الحرب العالمية الثانية، أيام موسوليني، واشتداد ساحات الحرب وتوترها على الجبهات بين الحلفاء ودول المحور، أيام الفاشيات وصعودها الناري والجهنمي في كل من ألمانيا وإيطاليا، يقابلها في الوقت ذاته صعود جحافل المقاومة الإيطالية والفرنسية، ونضالها الضاري ضد تقدم الفاشية والنازية، في هذه البلدان المتوسطية الناعمة التي كانت تعيش في سياق من الدعة، بعد كوارث الحرب العالمية الأولى.
تدور أحداث رواية «حبّ في سردينيا»، وهي رواية ملمومة ومكثفة ومختزلة في زوايا التعبير وتقديم المَشاهد والحركات والنقلات والتوتر البلاغي الذي يُحدثه السياق، عبر عامل الوصف، ومن هنا جاء حجمها أقل من الروايات التي تتمتع بالنفس الطويل. تدور الأحداث والوقائع في جزيرة سردينيا وفي عاصمتها كالياري الصغيرة، وفي بعض المدن الإيطالية القريبة من»الجزيرة» داخل «القارّة» وهو الاسم الذي يُطلقه أهل سردينيا على كل الأراضي الإيطالية.
الزمان هو عام 1950 يوم تتعرف الجدة على الغريب، كان عمرها في الأربعين، يوم جاءت إلى المصح لغرض العلاج من داء حصى الكلى الذي منعها من الإنجاب. كانت الجدة من النساء القويات واللعوب أيضاً، تزوجت في الثلاثين وهو عمر يُعد متقدماً وقريباً من أحوال العنوسة، كون المدينة التي تسكنها مدينة ساحلية، وأهل الساحل عموماً، أناس منفتحون على الدوام، ولكن التقاليد والأهل، كانت ترى في ذلك عيباً، عيب عدم الزواج في سن يقترب من الثلاثين في تلك الأزمنة، زمن الذهاب إلى النبع وجلب مياه الشرب بجرة توضع على الكتف أو الرأس، أيام جمع الحطب لغرض التدفئة والإيقاد لتجهيز الطعام والشاي والقهوة. بقيت الجدة التي كانت تكتب الشعر سرّاً وترميه للرجال الذين يتقدمون لخطبتها عزباء لمدة طويلة بقياس ذلك الزمن، ولكنهم كانوا يهربون ولا يعاودون الكرة لرؤيتها وإكمال ما بدأوه، بسبب شعرها الإغوائي الملتهب الذي يطفح بالشغف والرغاب واللذة. كانت هي تستمتع بتلك الحيل الجمالية، وتحاول الاكتفاء بموهبتها وسر جمال شِعرها الذي تعرف به أمها، تلك التي لطالما حاولت منعها من كتابته لكيلا تطرد الرجال به عنها، فكانت توبِّخها وتنعتها بأنها عنيدة وإغوائية، وتود السقوط الأخلاقي وترغب به، لتؤدي ما يدور في ذهنها من هواجس وأوهام ورغائب.
الجدّ كان يقف إلى جانبها ولا يعير كلام الأم أذناً صاغية، حتى يأتي ذلك اليوم ليتم تزويجها،عنوة، من رجل يأتي لغرض السكنى عندهم، بعد أن قصف الأمريكان بيته الجميل، فلم يبق له في مدينته التي نزح عنها سوى حقيبته التي جاء بها، لكي تستضيفه عائلة الجدة التي كانت صبية جميلة بنهدين عامرين وشعر طويل ملفوف على شكل كعكة.
كان الرجل في الأربعين، أرمل حديثاً، شهوانيا، أكولا وشروبا وزير نساء، قضّى جلّ حياته السابقة، قبل الزواج في التردد على بيوت الدعارة، يتزوجها وترضخ الجدة لهذا الأمر، قائلة له أمام أبيها إنها لا تحبه، فيرد عليها زوجها بأنه أيضاً لا يحبها، ولكن الزواج يستمر كمقايضة من الزوج لوالدها بديلاً عن السكن الذي قدمه إليه، والطعام المبيت أيضاً، هذا عدا عن أن الزوج راح يساهم في كل الأعمال التي تقوم بها النساء، كالعمل في الحقل وتقديم بعض الخدمات المنزلية.
أمام هكذا حال، يجد الزوج أنه بعيد أشد البعد عن زرجته في زواجه هذا، فيتم النوم بينهما منفصلين، على سرير واحد، ولكنهما متباعدان، أحدهما عن الآخر، كالإخوة، حتى يصل الأمر بالجدة، حسب كلام الراوية، إلى عدم التعرّي أو كشف جسمها لزوجها الذي لا تحبه، ولا تنجب منه، بسبب معاناتها مع مرض الكلى الذي دفع بالعائلة وبزوجها، إلى إقناعها بالذهاب إلى مصح يعالجها من مرضها المزمن هذا، فتقرر في النهاية الذهاب إلى هناك، بحقيبة زوجها الذي جاء بها في المرّة الأولى إليهم، بعد قصف الأمريكان لمدينته وتدمير جميع منازل الحي الذي يسكن فيه، كانت تلك الأيام أيام حرب وشظف عيش، وموت في كل لحظة، حين وجد الجد، أي زوجها، نفسه ضيفاً مستمراً، فيقرر الابتعاد عن حي أهل زوجته، ليؤجرغرفة مؤثثة ومفروشة، في كالياري، في شارع سوليس، ضمن حمام مشترك لعوائل تسكنها أيام الحرب. فهناك كانت تجتمع النسوة في مطبخ المبنى البارد وهنَّ يستمعن إلى إذاعة لندن، ويجلين الصحون، الجدّة كانت ترتدي ثلاثة جوارب مثقبة، اتقاء للبرد، كانت الحرب قد جعلت المدينة بدون ماء وكهرباء ومجار للتصريف، وليس ثمة طعام، فالأسعار قد ارتفعت إلى ثلاثمئة في المئة، وكل النسوة كنّ زوجات لشيوعيين ومحاربين أنصار، وكنّ رغم فقرهنَّ وعوزهنَّ، كنّ يضحكن لأبسط حادث يمر أيام الحرب، وكنَّ كذلك سعيدات بفقرهنّ ومسرورات بمواظبتهنّ في مساعدة الأنصار والتقدم نحو وجود نهاية للحرب وتعجيل الانتصار على الفاشية.
تنتهي الحرب وتذهب الجدة للعلاج، وينجح علاجها وتنجب الجدة والد الراوية.
تصف الراوية جدتها الشاعرة، بوصف جميل، حين تكون الجدة في السبعين من عمرها، بشعرها الأسود، المضفور بجديلتين، ووجهها الجميل، وبيدها دفتر أشعارها الذي تدون فيه قصائدها. كانت سعيدة بجدتها التي تأتي إلى المدرسة لتأخذها منها، كون أمها وأبوها هما في سفر دائم، يجوبان العالم ويعزفان الموسيقى. تستفيض الراوية في الحديث عن جدتها، وتتحدث كيف علمت أبنتها الموسيقى والعزف على البيانو، مقابل دروس خصوصية، تدفع مقابلها نقوداً،عبر عمل تؤديه في خدمة أحد البيوتات الموسرة.
حكاية الغريب
ولكيلا ننسى الغريب منتظراً، وهو الذي تحدثنا عنه في بداية السطور، والذي يقوم عماد الرواية عليه، كثيمة فنية وموضوعية، فإن الرواية المبنية على التداعي الحر، واستخدام العودة إلى الوراء «الفلاش باك» وتقديم الحدث وتأخيره بحسب السياق والبنية المطلوبة داخل العمل، تزحُم الأحداث الحربية نسيجها، لتعطيه مدلوله ورمزه العالي في بناء الرواية، وتشييد جمالها الخاص، ألا وهو الحب والحرب، هاتان المتلازمتان الرامزتان بفعالية إلى الدوال في نسيج الرواية الداخلي، حينما يكونان داخل عمل فني عال كالذي نحن بصدده «حب في سردينيا»، والمقصود هنا هو يوم سفر الجدة للعلاج وإعجابها برجل طويل القامة، ذي شكل جميل وصدر عريض وشعر عامر وعكاز يتوكأ عليه، بسبب إصابته في الحرب. كان الرجل موسيقياً، وله دراية بنظم الشعر وكتابته، وحين يختليان كانا يغنيان، فتسمعه الجدة مقاطع اوبرالية بصوتها، وتقرأ له من دفترها الأسود ذي الحاشية الحمراء شعراً، فيداعبها أو يتوقف عند جمل معينة، أو يلاحظ بعض الأخطاء الإملائية، فيصححها لها. كانا ينامان كعاشقين على ضوء الشموع، ملاصقين لبعضهما، أحبته منذ الوهلة الأولى التي رأته فيها في بهو الفندق في كالياري، كانت تخجل من زوجها حين تتعرى، ولكنها أمام الغريب لم تفعل ذلك، لا بل تعدته أيام العلاج إلى طرح الحصى أمامه، وهو كان يتعامل معها بالمثل، بعد عودتها الى البيت. حبلت الجدة بوالد الراوية، ولم تكترث لما حصل، سوى أنها كانت تدعو ربها أن يغفر لها، ذلك الحب المثالي، وظلت تسأله في صلاتها عن السر الذي يجعل المرء يتعلق بشخص دون آخر، ويعطيه كل ما يريد، والآخر أيضاً يواجه تلك التساؤلات الوجودية التي جعلته ينجرف إلى أمراة متزوجة ويتعلق بها دون الأخريات، تساؤلات لطالما ظلت تطرحها وتطلب الغفران من ربها أن يسامحها على ذلك الحب المجنون كشخصيتها هي، وكشِعرها العاشق والمتضرع للمحبين والذي يحمل نكهة العشق والحب واللذة المتسترة خلف الكلمات، وخلف المعاني الدفينة، مع الابتهالات والتهجّدات ونشدان السماح والعفو والمغفرة وقت الخطيئة، ولكنه الحب، فهو السلاح الأقوى، تُرى: «كم كانت معجبة بكالياري والبحر وبلدتها العابقة بروائح الحطب والمواقد وروث الخيل والصابون والقمح والبندورة والخبز الساخن، لكن هذه الأشياء لا تعجبها بمقدار ما يعجبها الغريب، كان يعجبها أكثر من أيِّ أمر آخر».
وفي النهاية ترسبت تلك السويعات والأيام واللحــظــات في ذهن الجدة، كحلم غابر مرّ في حياتها، ويبدو أن الشعر الذي كانت تكتبه، كانت تكتبه إلى الغريب، لأنها في الأخير، أهدت دفتر أشعارها اليه، لأنها سوف لن يكون بمقدورها الكتابة بعد ذلك.

حب في سردينيا» « ميلينا آغوس:
ترجمة نبيل رضا المهايني
دار الساقي، بيروت 2016
صفحة 142

«حبّ في سردينيا» للإيطالية ميلينا آغوس: عالم الشفافية الرومانسي

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية