سيناريو يتكرر كل عام في السودان السيول والفيضانات تقتل عشرات الأشخاص وتدمّر مئات المنازل

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: لقي 114 شخصا مصرعهم بسبب السيول والفيضانات في السودان وتأثر 161.700 شخص. ودمرت الأمطار التي استمرت منذ بداية شهر حزيران/يونيو الماضي 14.700 منزل وتوقعت هيئة الأرصاد استمرار مخاطر الفيضان حتى أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/اكتوبر المقبلين.
وزادت مخاوف المواطنين السودانيين من حدوث فيضان غير مسبوق هذا العام وذلك بعد تواصل هطول الأمطار في العديد من الولايات والتحذير من أمطار غزيرة هطلت على الهضبة الأثيوبية، إضافة لتحذير المسؤولين عن المياه من إرتفاع مناسيب الأنهار والمجاري الموسمية.

تدابير وتحوطات

وأصدرت وزارة الموارد المائية والري والكهرباء في السودان تعميما صحافيا طالبت فيه سكان ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية اتخاذ التحوطات والتدابير اللازمة لحماية الأرواح والممتلكات، مع ارتفاع مناسيب النيل من محطة المقرن إلى دنقلا، ومحاصرة مياه الفيضان جزيرة توتي في الأسبوع الماضي، وأطلقت نداءات للموطنين عبر مكبرات الصوت في المساجد للتنبيه وطلب العون من الدفاع المدني.
وظلت الهيئة العامة للأرصاد تحذر المواطنين خلال الأيام الفائتة من ارتفاع معدل الأمطار، خاصة في ولايات سنار، جنوب النيل الأزرق، شمال وجنوب كردفان، والنيل الأبيض وغرب دارفور، وشملت تحذيرات الدفاع المدني ساكني ضفاف النيلين والجزر في ولايتي نهر النيل والولاية الشمالية.
وسجلت مناسيب نهر النيل زيادة كبيرة تجاوزت الفيضانات التي ضربت البلاد في العام 1988، وكانت نحو 15.68متر مكعب. ووفقا لنشرة صحافية أصدرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان، فإن أكثر المناطق التي تأثرت بالأمطار الغزیرة والفیضانات هي ولايات النیل الأزرق، وكسلا، والخرطوم، وشمال دارفور، وشمال وجنوب وغرب كردفان.
وتقوم منظمات الأمم المتحدة وشركاؤها بتعزيز جهود الاستجابة لدرء آثار السيول والفيضان، وتم في هذا الخصوص تقيييم احتياجات أكثر من عشرة آلاف أسرة، تأثرت بالسيول وتحتاج لمأوى الطوارئ والمستلزمات المنزلية الضرورية، ويقوم برنامج الغذاء العالمي بتوزيع المساعدات الغذائية الطارئة للمجتمعات التي تأثرت بالأمطار، وجرى حتى الآن تحديد موقعين في ولاية كسلا شرقي السودان وتحديدا في ريفي محليا أروما حيث تم توفير الغذاء لمدة شهرين لحوالي 2.422 من المتأثرين.

أزمة مركبة لنازحي دارفور

ويعتبر سكان ولاية جنوب دارفور هم الأكثر تضررا، ويعاني 34 ألف شخص من السيول وزادت معاناة النازحين في معسكرات (كلما وعطاش) وتم تدريب 27 شخصا من العاملين في مجال مراقبة نواقل الأمراض وذلك للقيام بحملات رش في تلك المواقع.
وتضررت من أحدث فيضان في نهر القاش (1600) أسرة، وتسببت السيول في خسائر فادحة في منطقة همشكوريب شرق السودان، وزاد قطع الطريق القومي من معاناة المواطنين وعرقل توصيل المساعدات الإنسانية في الوقت المناسب. وفي ولاية القضارف أغرقت الأمطار الأراضي الزراعية في محلية الفاو وقطعت الطرق التي تربط بين أنحاء المنطقة دون حدوث خسائر في الأرواح.

العاصمة تغرق

وتأثرت مناطق عديدة في العاصمة السودانية الخرطوم بالأمطار الأخيرة، وقال الهلال الأحمر السوداني إن الأمطار الغزیرة دمرت ما يزيد عن (100) منزل في ولایة الخرطوم، وألحقت أضرارا بـ(124) منزلا آخر، وتأثر بهذه الأضرار حوالي 1145شخصا، إضافة للشوارع والمؤسسات الحيوية التي غمرتها المياه، وغمر الفيضان كل المزارع التي تقع على ضفتيه وأوقع خسائر فادحة على مزارعي الجروف.
وفي ولاية الجزيرة تم الإعلان عن وفاة (26) شخصاً وإصابة (36) آخرين بالإضافة إلى انهيار (2400) منزل انهياراً كلياً و(2547) منزلاً انهياراً جزئياً وبلغ عدد المرافق المتضررة (188) مرفقاً و(1888) في الولاية.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن وزيرة الثقافة والإعلام في ولاية الجزيرة إنعام حسن عبد الحفيظ، استمرار معاناة المواطنين في مناطق الهشاشة بالرغم من انحسار المناسيب العليا للنيل الأزرق، مشيرة إلى أن محلية المناقل تصدرت قائمة المحليات المتضررة بانهيار (578) منزلاً انهيارا كلياً و(710) منازل انهياراً جزئياً فيما تأثرت (54) دورة مياه ، وتليها محلية جنوب الجزيرة والتي شهدت وفاة (4) أشخاص وإصابة (4) آخرين وانهيار (353) منزلاً انهياراً كلياً و (384) منزلاً انهياراً جزئياً و(25) مرفقاً و(35) دورة مياه ، ثم محلية القرشي والتي شهدت (3) حالات وفاة وانهيار (10) منازل انهيارا كليا و (130) منزلاً انهياراً جزئياً و(22) مرفقاً، واوضحت الوزيرة النقص الكبير في معينات الإيواء والكساء، وأضافت أنهم يعانون في تطهير المصارف ومعالجة الهدام على مستوى النيل الأزرق.

الجهد الشعبي

وأطلقت «نفير الجزيرة» وهي مجموعة طوعية نداء لكل أبناء الولاية داخل وخارج السودان لتقديم الدعم العاجل واشتكت المجموعة من صعوبات في الوصول إلى أماكن البلاغات بسبب عدم توفر عربات الدفع الرباعي، وقالت إن 100قرية تأثرت بشكل مباشر و2500 أسرة فقدت مساكنها بالكامل، وتم ترحيل 250 أسرة من منطقة جنوب الجزيرة واغلاق 27 مدرسة وتدمير 100حجرة دراسية تدميرا كاملا. إضافة لخروج ﻣﺎ ﻻ ﻳﻘﻞ ﻋﻦ 7000 ﻓﺪﺍﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺳﻢ ﺍﻟﺰﺭﺍﻋﻲ الصيفي، وسيّرت المجموعة قافلة طبية إلى قرية «سليم» في محلية الحصاحيصا وقافلة تحمل مواد عينية إلى قرية سليم ثم إلى قرية دار السلام ومخيم القرية 38.
وذكرت تقارير محلية أن ثلاثة أشخاص لقوا مصرعهم جراء السيول والأمطار في ولاية سنار، وتأثرت 40 قرية بشكل مباشر ويعاني 20 ألف شخص في تلك المناطق جراء السيول وغمرت مياه فيضان النيل الأزرق 418 بستانا زراعياً وتم تدمير 130 بئراً و50 وحدة ري ، وقدرت الخسائر في تلك الولاية بأربعة وأربعين مليونا من الجنيهات.
وسيّر الاتحاد الوطني للشباب السوداني قافلتين لدعم لمتضررين من الأمطار والفيضانات بولايتي الجزيرة وسنار، وذلك بتكلفة بلغت 300 ألف جنيه وتشتمل القافلتين على أدوية ومواد غذائية وملابس. وقال رئيس الاتحاد الوطني للشباب السوداني، الدكتور شوقار بشار، لموقع «الشروق نت» إن تدشين الوثبة الثانية لمشروع «قوافل سواعد الخريف» يأتي ضمن مشروع طوارئ الخريف، مُبيناً أن الوثبة تستهدف إصحاح البيئة عقب زوال مرحلة الكارثة التي شهدت أمطاراً فوق المعدلات الطبيعية، بجانب فيضان غير مسبوق للنيل في هذا العام.
وفي مدینة النهود في ولایة غرب كردفان، قتل شخص وفقد سبعة أخرون، وأوردت مفوضیة العون الإنساني الحكومیة أن عدد الذين تضرروا من السيول والفيضانات بالنهود تجاوز «1000» شخص. وفي ولاية غرب كردفان تضررت أكثر من (800) أسرة بالأمطار التي هطلت مؤخرا، الأمر الذي دعا حكومة الولاية لمناشدة المنظمات الإنسانية للتدخل وتقديم المساعدات العاجلة، وشهدت الولاية خلال هذا الشهر إنهيار سدين لحجز المياه.
وتسببت الأمطار في شمال وشرق الفاشر في وفاة تسعة أشخاص غرقا بمياه المجاري الموسمية، وتشير تقارير محلية لتأثر أكثر من 7000 شخص في ولایة شمال دارفور بالفيضانات، حيث دمرت الأمطار 500 منزل. ووفقا لخطة طوارئ الفیضانات في ولایة شمال دارفور، فإن نحو 25000 شخص في الولایة قد یتأثرون بالفیضانات.

إنتشار البعوض والذباب

وأطلقت ولاية الخرطوم حملة لإصحاح البيئة وذلك لدرء الآثار السالبة للخريف بمكافحة الذباب والباعوض في أطواره الأولية، وأعلن اتحاد طلاب ولاية الخرطوم مشاركة 4 مليون طالب في تنفيذ مشروع «سواعد الخير» لمجابهة تداعيات آثار الخريف الذى ينفذه الاتحاد هذا العام، مشيرا إلى أن المشروع يساهم في درء آثار الخريف ومساعدة المواطنين عبر سحب المياه وردم البرك وصيانة المدارس والمساهمة في عمليات رش الذباب والبعوض.
وأوضح وزير الداخلية في السودان، الفريق أول ركن عصمت عبدالرحمن، أن ثلاث عشرة ولاية سودانية تأثرت بالسيول والفيضانات حتى الآن، وأشار في جلسة استماع بالمجلس الوطني ناقشت التدابير الحكومية لمواجهة الفيضانات، إلى أن ولاية جنوب دارفور كانت الأكثر تضررا من حيث الوفيات والتي بلغت 15شخصا، ثم ولاية كسلا وقد جاءت في المرتبة الأولى للولايات الأكثر تضررا في جانب المساكن والمرافق العامة.
وقال وزير الداخلية إنهم شرعوا في معالجة الأضرار التي نجمت في الولايات، خاصة شمال دارفور وكسلا وولاية الجزيرة، وأكد أن المجلس القومي للدفاع المدني وقف على حجم الأضرار التي حدثت واتخذ التدابير اللازمة المتمثلة في تقديم الدعم العاجل للمتضررين، وإزالة الخطر في المناطق المتأثرة.

الأمطار تقطع طرقا قومية

وقطعت الأمطار الغزيرة التي تشهدها ولايات السودان هذه الأيام الطريق القومي الذي يربط بين الخرطوم والقضارف و(الميناء الرئيسي) في بورتسودان للمرة الثانية خلال اسبوع واحد وذلك عند عند منطقة القدمبلية وتمت إعادة الحافلات والشاحنات المتجهة إلى الخرطوم وودمدني إلى القضارف قبل أن تعود الحركة جزئيا للسيارات الصغيرة في وقت لاحق.
ومنذ الشهر الماضي قطعت مياه الأمطار عددا من الطرق القومية منها طريق سنار الدمازين وطريق كسلا بورتسودان، والقضارف بورتسودان لمرتين وشندي الخرطوم، وتسبب قطع الطرق القومية في تأخير وصول المساعدات في مناطق عديدة، خاصة في شرق السودان.
وأكد وزير الدولة بوزارة الطرق والجسور حامد وكيل، إنتهاء العمل في إصلاح الطريق القومي الذي يربط بين كسلا وبورتسودان، مشيرا إلى أن نهر القاش تسبب في قطع هذا الطريق خمس مرات خلال أربعة عقود، وذلك في إشارة واضحة لعدم وجود معالجات دائمة.
وحذرت ولاية نهر النيل شمالي السودان، سكان الجزر في محليتي بربر وأبوحمد بأخذ الحيطة والحذر، والانتقال من قلب الجزر إلى مناطق مرتفعة مع تأمينهم ونقلهم لممتلكاتهم إلى خارج مناطقهم، أوضح وإلى نهر النيل ـ في تصريحات صحافية ـ إن الوضع ينذر بمزيد من الخطر وفق مؤشرات وقراءات مناسيب الفيضان، واستناداً على معدلات هطول الأمطار بالهضبة الإثيوبية وأشار إلى أن لجنة الطوارئ في الولاية تحسبت قبل وقت كاف لأي تداعيات سالبة تلحق بقرى ومناطق الهشاشة.

الموقف لا يزال خطرا

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان أن الأمطار الغزيرة التي ضربت البلاد منذ أوائل شهر حزيران/يونيو الماضي أثرت على حياة أكثر من122 ألف شخص ودمرت 13 ألف منزل في ولايات السودان المختلفة.
ووفقا لمتابعات الهيئة السودانية للأرصاد الجوية فإن الموقف لا يزال خطرا، خاصة مع استمرار هطول الأمطار في الولايات التي تأثرت أكثر من غيرها وهي ولايات النیل الأزرق، وكسلا، والخرطوم، وشمال دارفور، وشمال وجنوب وغرب كردفان، وتعاني الحكومات المحلية من عدم توفر الميزانية الكافية لدرء السيول وتعتمد بنسبة كبيرة على الحهد الشعبي.
ووجه نواب في البرلمان السوداني انتقادات لاذعة للحكومة، مشيرين إلى أن ما حدث في هذا العام ظل يتكرر سنويا، الأمر الذي يشير لعدم وجود خطة دائمة لمجابهة فصل الخريف، وانتقدوا عدم وجود ميزانية جاهزة للتصدي لمخاطر الخريف. ودعا عدد من النواب لإنشاء إدارة متخصصة لكوارث الأمطار والسيول توفر لها الإمكانيات الفنية والمادية، ولفتوا إنتباه الحكومة لخطورة المرحلة المقبلة بعد إنتشار البعوض والذباب محذرين من تفشي أمراض الملاريا والكوليرا، وطالب رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية محمد أحمد منصور الشايب، بوجود إدارة متخصصة للإنذار المبكر مع تخصيص ميزانية كافية للطوارئ.
ويعاني السودانيون من تكرار مأساة السيول والفيضانات في كل عام دون إيجاد حل جذري لهذه المشكلة، وضربت السودان فيضانات شهيرة طوال القرن الماضي أحدثت خسائر فادحة في الأرواح والمملتكات وأصبحت أحداثا يؤرخ بها وأشهرها فيضان 1946 و 1988.

سيناريو يتكرر كل عام في السودان السيول والفيضانات تقتل عشرات الأشخاص وتدمّر مئات المنازل

صلاح الدين مصطفى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية