I.N.R.I براهينُ الرجال الأقلّ حظا

حجم الخط
0

إليهما: محمود بن محمد الصغير عبد القادر ومحمد الناصر مبروكي
‘لم أستطع احتمال ألمَ الذين أحببتهم. ولم أستطع احتمال نفسي بكوني أحمق حسّاسا عندما ربّت سوء الحظ على كتفي’.
أضع عبارة كارلوس فوينتس على شمالي ليزداد ميزانُ الأحزان ثِقلا. لهذا السبب أساسًا خُلق الميزانُ. لو أنّ نوحًا خرق فلكه عمدًا كما الخِضر في سورة الكهف لوفّر الله ميزانَه، قرطاسَه وقلمه. لا يهمني ميزانُ الله. سأكتفي باستعارة قرطاسه ودواتِه.
شُعلة الإيمان تكاد تخمد في الصدور. الكنائسُ أوشكت تغلق أبوابها. أمواج السعادة غمرت ما تبقّى من أرخبيل العذاب. والنتيجة، لم يعُد ثمة ما يثير خيال المؤمنين.
إذن اغفروا لي تعكير مزاجكم بالحديث عن سيرة رجال، تغدو إزاءَها سيرة السيد المسيح قابلة للدحض. لم يعد الأمر متعلّقا باستفزاز خيالكم إنما باستثارة إيمانكم، محبة في دُور الله التي أوشكت تغلق أبوابها وما تبقى من الأرخبيل الذي كاد يغرق. نزداد سعادة فيبتلع الموجُ سنتمترا اضافيا من تراب بات رخوًا تحت أقدامنا. من غير المعقول إذن ألاّ نرى الحكمة من هوس فلاسفة العصور القديمة وكتّابها برفع فنّ التراجيديا إلى رتبة المقدّس. أغلب الظن أنهم كانوا مؤرّقين بفكرة تحصين أرضهم من الغمر أكثرَ ممّا كانوا يفكّرون في صناعة قِصص أدبية تنشَد في الساحاتِ وـتمثَّل في المسارح.
قريبًا جدّا ( ربّما سنة 8709 للميلاد ) ستثبت الفيزياء أنّ تحوّل حياةٍ هشّةٍ إلى مصدّ موج يحرُس الأرض واحدة من أكثر العمليات بطئا وقسوة. فان غوغ قطع أذنه ليؤمّن شرط التحول. لم يكن ذلك كافيُا. تعرفون نهاية القصة. سيلفيا بلاث حشرت رأسها في الفرن. فرجينيا وولف شدّت وثاقها إلى حجر ومضت صوب البحر. قبلهم جميعًا، كان سقراط أوّل من استسلم لإغراء تحويل فكرةٍ إلى مصدّ موج عبر المرور بكأس سمّ.
يتعلّق الأمر بنسبية الفن، بعجزه عن تأمين أكثر من نصف الطريق. لذلك يحشُر البعض رأسه في الفرن. البعض يشربُ السمّ. والبعض الآخر يمرضُ. يغادرُ ناصية الأصحّاء كآخر شرط من شروط الانضمام إلى أخَويّة الخالدين.
مستفرَغًا من هبائه ووعثائه يغدو الطريق طريقة. يصير المرض أسلوبًا، وجهةَ نظر، قبضة مضمومة في وجه الصلابةِ.
من حقي إذن أن أفاخر باكتشافي: السرطانُ وجهة نظر أسيء فهمها وتأويلها.
اكتشاف آخرٌ: السرطانُ بستانيُ الجسد. بستانيٌّ يرى ما لا نراه، أشواكَنا التي نبتت في غفلةٍ منّا وأغصانَنا التي غلُظت وفاضت عن الأسوار. إذن حسبنا أن نألف إيقاع إسمهِ لنفهم نبلَ أشغالهِ: الغثيانُ والقيءُ ورفض الطعام…أشغالُ بستنةٍ تجري على قدم وساق. الأمرُ أشبه بخضد غصن مريض ولملمة ورق فاض عن حاجة الشجرة.
اكتشاف ثالثٌ: السرطانُ خادمُ نفسه في بيته. غسلُ الجسم من الداخل، شفطه ومسحُه حتى آخر تجويفٍ فيه، بصبر خادم البيت الحريص على نظافة أكواب الزجاج وصحون الخزف الثمينة: درسٌ آخرٌ من دروس تخفيف الصورةِ إلى حدّها الأقصى كشرطٍ جوهريّ لسُكنى النبالة.
درجة الصفر المطلق من اللمعان، الصفر المطلق من رهافة الأغصان. تلك غاية الجسدِ، نهاية الطريق الذي يأمل في قطعهِ مرورًا ببستان السرطان.
لا تتعوّذ. فقط حاول أن تألف الإسم. تدرّب على نطقه بالرهافة التي تنطق بها امرأة كلمةَ ‘بستاني’. تدرّب على ذلك. لن يكلّفكَ الأمرُ ما كلّف الرجال الأقلّ حظا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية