شهدت الأسابيع القليلة الماضية تصعيدا في الهجمات العسكرية في اليمن وسط تقارير عن قتلى مدنيين عقب انهيار محادثات السلام في الكويت التي ترعاها الأمم المتحدة واستئناف السعودية للغارات الجوية على مواقع المتمردين الحوثيين. وزار وزير الخارجية الأمريكي جون كيري السعودية يوم الأربعاء وعرض خطة للسلام تقوم على تشكيل حكومة وفاق وطني مقابل تسليم الحوثيين أسلحتهم وانسحابهم من المناطق التي يسيطرون عليها. وقوبلت مقترحاته برفض أو تشكك من الأطراف المتنازعة. ومضى على الحرب في اليمن 17 شهرا عندما قام الحوثيون باحتلال العاصمة اليمنية صنعاء في إيلول/سبتمبر وأجبروا الحكومة الشرعية على الخروج للمنفى وبدأوا ينصبون صواريخهم قريبا من الحدود السعودية.
وردت الحكومة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي على سيطرة المتمردين الحوثيين وشنت حملة عسكرية جوية عليهم ووصفتهم بكونهم دمى إيرانية. وحظيت الحملة السعودية بدعم عدد من الأطراف في الخليج باستثناء عمان التي حاولت لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة.
تململ في واشنطن
ورغم دعم الأمريكيين للحملة لوجستيا وبالمعلومات الأمنية إلا أن واشنطن تشكك في حجم التورط الإيراني في اليمن مع أنها لا تستبعد تقديم طهران بعضا من الدعم المالي والعسكري للحوثيين. وتتعرض إدارة الرئيس باراك أوباما في الآونة الأخيرة لضغوط من المشرعين في الكونغرس لتعليق صفقات بيع أسلحة إلا في حالة أوقفت السعودية عملياتها. ومصدر الضغوط هي الأخطاء التي يرتكبها الطيران السعودي وضربه مواقع مدنية ومستشفيات كان آخرها مستشفى عبس في محافظة حجة في شمال اليمن حيث سقطت قنبلة في وسط المجمع الطبي الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود، وقتل في الغارة 19 شخصا وجرح العديد وهو ما دفع المنظمة التي تعمل في محاور الحرب لإغلاق عملياتها.
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» (24/8/2016) أن قرار أطباء بلا حدود هو آخر التطورات في حرب مدمرة أثرت على هذا البلد الفقير وورطت الجيش السعودي الذي لم يكن مهيئا بدرجة جيدة للدخول في الوحل اليمني.
وتعلق أن قرار المنظمة الطبية هو تذكير آخر لإدارة الرئيس أوباما التي لعبت دورا مباشرا في الحرب. وأشارت إلى أن المسؤولين الأمريكيين شجبوا القصف الجوي على المستشفى وعلى مدرسة في مديرية حيدان بصعدة قبل ذلك بيومين، إلا ان وزارة الدفاع الأمريكية قدمت المعلومات الأمنية لضرب أهداف والوقود للطائرات السعودية المشاركة في الغارات الجوية. وفي يوم الأربعاء وزع عدد من المشرعين رسالة تطالب الرئيس أوباما بسحب طلب تقدم به للكونغرس كي يصادق على مبيعات أسلحة للسعودية بقيمة 1.5٪ مليار دولار حتى يمنح للكونغرس دورا في النقاش حول الدعم العسكري للسعوديين. ويظل قرار منظمة أطباء بلا حدود ضربة للجهود الإنسانية في بلد يعد من أفقر الدول العربية وتراجعت معدلات الحياة فيه بسبب الحرب الضاربة حسب دراسة أمريكية صدرت نتائجها قبل أيام.
احتجاج أطباء بلا حدود
وتعتبر مستشفى عبس الرابعة التي تديرها المنظمة تتعرض لقصف جوي أثناء الحرب. ونقلت «نيويورك تايمز» عن منسقة الأعمال الطارئة في أطباء بلا حدود، تريزا سانكريستوفال أن المنظمة قدمت للسعوديين موقع المستشفيات وسافر وفد منها إلى الرياض للإحتجاج ومع ذلك استمرت الغارات. وقالت إن «الكلمات لا تكفي عندما يقتل 19 شخصا» وأن المنظمة لن تقبل مرة أخرى تأكيدات الرياض بأن الغارات ستكون أكثر دقة في المرات المقبلة. وقالت إن المنظمة سحبت حوالي 550 من موظفيها في شمال اليمن، مع أنها ستستمر في تقديم المواد الطبية والأدوية للمستشفيات. وعلقت سانكريستوفال على بيان من التحالف الذي تقوده السعودية بأن «محادثات طارئة» تجري مع المنظمة بعد قرارها تعليق عملها في اليمن، مشيرة إلى انها لا تعرف عن محادثات بهذا الشأن. وكانت الحكومة السعودية قد نشرت في هذا الشهر نتائج تحقيقها في 8 أخطاء ارتكبت أثناء الغارات على منشآت طبية منها مؤسسات تابعة لأطباء بلا حدود وحلل التقرير التحالف من المسؤولية. وتوصل التحقيق إلى أن سبب الأخطاء يعود إلى معلومات أمنية غير صحيحة وأن منظمات إغاثية مثل أطباء بلا حدود يجب أن لا تعمل قريبا من مواقع الحوثيين. وقال المتحدث باسم التحقيق منصور بن أحمد منصور، إن المحققين لم يسافروا إلى اليمن لجمع المعلومات من المواقع التي تعرضت للهجمات ومن عائلات الضحايا والناجين. وقال إن الظروف لم تسمح للفريق بزيارة المواقع. وفي إشارة لحادث ضرب مؤسسة طبية العام الماضي تديرها منظمة أطباء بلا حدود في مدينة تعز قال منصور إن قوات التحالف استهدفت هدفا شرعيا. وحسب القيادة الوسطى فقد قامت حاملات الوقود الأمريكية بالتحليق في 1.200 رحلة منذ بداية الحرب وزودت الوقود لأكثر من 5.600 طائرة للتحالف وهو ما أدى لاحتجاج من النواب مثل السناتور كريستوفر ميرفي، النائب الديمقراطي عن ولاية كونيتكت وعضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس قائلا إن دعم إدارة أوباما لحملة اليمن أدت لغضب على الولايات المتحدة من داخل البلد الذي يعيش الحرب. وبعيدا عما سببته الحرب من كوارث إنسانية ومادية وقسمت البلاد وأضعفت جيش البلاد فالسؤال، هل تستطيع السعودية الخروج من «مصيدة الحرب اللانهائية في اليمن»؟
الخروج من المصيدة
لا أحد ينكر أهمية اليمن للأمن القومي السعودي، فهي حديقته الخلفية. وتجارب السعودية مع اليمن تعلمها أن الحروب في هذا البلد عادة ما تنتهي بدون منتصر واضح إن لم تكن الهزيمة هي النتيجة. فمنذ قيام الدولة السعودية الثالثة والحقيقة هذه واضحة سواء في المواجهات التي تمت على الحدود مع اليمن أو حرب الوكالة التي دعمت فيها الرياض الملكيين ضد الجمهوريين الذين دعمتهم مصر في الستينيات من القرن الماضي. ومعروف أن هذه التجربة تركت نتائج كارثية على الجيش المصري لعبد الناصر. وفي سياق المغامرة العسكرية الجديدة والحرب ضد المتمردين الحوثيين تساءل الكاتب توماس دبليو ليبمان في مجلة «ناشونال إنترست» (25/8/2016) وعمل ليبمان مديرا لمكتب «واشنطن بوست» بالشرق الأوسط وهو محلل وخبير على مدى ثلاثة عقود في شؤون المنطقة وعارف بالعلاقات السعودية الأمريكية، تساءل عن «الحد» الذي ستمضي فيه الحرب والأطراف المشاركة فيها، فلم ينقض يومان على انهيار محادثات السلام إلا وعلا طنين الطائرات في سماء اليمن. وقال: ماذا يريد السعوديون وحلفاؤهم تحقيقه من تصعيد هذه الحرب التي لا معنى لها؟ وأضاف أن التحالف الذي تقوده السعودية يجد نفسه في وسط حرب بلا هدف حقيقي لتحقيقه أو نصر يمكن إنجازه، حرب تكلفهم مليارات الدولارات لا يستطيعون مواصلة دفعها في هذا الوقت من انخفاض أسعار النفط. هذا بالإضافة للكلفة البشرية حيث يسقط فيها حسب تقديرات الأمم المتحدة 113 شخصا يوميا.
ويعتقد الكاتب أن السعوديين لا يبدو أنهم يعيدون التفكير في استراتيجيتهم. ففي مؤتمر دولي عقد الشهر الماضي في العاصمة البلجيكية بروكسل، تحدث وزير الخارجية عادل الجبير في كلمة مطولة عن السياسة الخارجية السعودية ولم يذكر فيها اليمن إلا مرة واحدة من ضمن «التوترات» التي تواجه المملكة. ويشير ليبمان إلى الأهداف التي أعلن عنها السعوديون في بداية الحرب، وهي إعادة الحكومة الشرعية لهادي إلى صنعاء وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 والقاضي بتسليم السلطة لهادي الذي يقوم بعقد مؤتمر للوفاق الوطني يحدد مستقبل اليمن.
ويعلق الكاتب أن المشكلة التي يواجهها السعوديون هي أن هذين الهدفين غير قابلين للتحقيق. لأن اليمن عبر التاريخ كان من الصعب حكمه وهو الآن منقسم إلى أجزاء تحكمها جماعة الحوثيين وأخرى تابعة للقوات الموالية للحكومة وثالثة تخضع لسيطرة تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية. وحتى لو انتهت حالة الحرب فمن المستبعد أن يستطيع أي طرف من هذه الأطراف حكم البلاد بدون أي منافس له. فكما هو حاصل الآن، يرفض الحوثيون الخروج من صنعاء بل ويقصفون السعودية من الحدود اليمنية فيما يواصل التحالف السعودي ضرباته الجوية. وكما هو الحال في السعودية لم ينتصر أحد بعد. وأشار الكاتب إلى تصريحات المسؤولين السعوديين المتعلقة بأهداف الحرب والمتغيرة، منها تصريحات الجبير في نيسان/إبريل وأكد فيها أن أولوية السعودية في اليمن ليست قتال الحوثيين، بل هزيمة تنظيم القاعدة التي حصنت نفسها في جنوب اليمن. ولو كان هذا هو الهدف كما يقول الكاتب فلن يتم تحقيقه نظرا لتدمير معظم قدرات الجيش اليمني العسكرية.
وبحسب تقرير لمعهد «أمريكان إنتربرايز» الأمريكي في إيلول/سبتمبر العام الماضي لاحظ فيه تدهور قوة وقدرات الجيش اليمني بحيث لم يعد قادرا على مواجهة القاعدة حال انتهى النزاع الحالي. وفي موقف آخر، وأثناء زيارة ولي ولي العهد السعودي ووزير الدفاع محمد بن سلمان لواشنطن في حزيران/يونيو تحدث واحد من مستشاريه المقربين لجمع من الضيوف أن الهدف السعودي لم يعد إعادة هادي للحكم ولا مكافحة القاعدة بل منع ظهور «ليبيا أخرى» في اليمن. وعندما التقى بن سلمان الرئيس الأمريكي في أثناء الزيارة صدر عن البيت الأبيض بيان أشار فيه لترحيب الرئيس بالجهود السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق تسوية وإعادة بناء البلاد. إلا أن هذا الكلام كان قبل انهيار محادثات الكويت.
خيارات مرة
وينبع القلق السعودي حول اليمن من إمكانية تحوله لدولة فاشلة، خاصة أن هذا البلد كان يعتمد قبل الحرب على الدعم السعودي. فدولة فاشلة تعني مشاكل مهاجرين يائسين يتدفقون نحو حدود السعودية وأسوأ من هذا دولة مستقرة تدور في الفلك الإيراني. ويرى الكاتب أن السعودية نجحت دبلوماسيا في إقناع حلفائها بمجلس التعاون الخليجي. وتبنى مجلس الأمن موقف الدول الخليجية إلا أن النجاح الدبلوماسي لم يكن له أثر على الأرض في اليمن، ببساطة لأن كلا من القاعدة والحوثيين هم اللاعبون ولا يعتبرون أنفسهم خاضعين لقرارات الأمم المتحدة.
ويشير الكاتب لمعضلة السعودية اليوم، خاصة في مجال الإنفاق العسكري، فحسب دراسة للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، تنفق السعودية سنويا 82 مليار دولار على الميزانية الدفاعية وهي ثالث دولة بعد الولايات المتحدة والصين وأكثر من دول الناتو. وفي ظل سعر منخفض للنفط أقل مما كان عليه قبل بداية الحرب في اليمن، بدأ السعوديون يشعرون بلدغة الوضع وهم يقومون بترحيل عمال البناء العاطلين إلى بلادهم ويرفعون الدعم عن عدد من المواد بل ويزيدون رسوم التأشيرات. إلى أين يذهب السعوديون من هنا؟ غير واضح، ففي بداية الشهر كتب بروس ريدل من معهد بروكينغز في موقع «المونيتور» قائلا أن «الخيار الأسهل للسعوديين هو الغوص في الوحل وعدم اتخاذ قرار» ولكن عليهم عاجلا أم أجلا، اتخاذ القرار بالتصعيد أو القبول بفصل فعلي للبلاد في يد أعدائهم.
إبراهيم درويش