عمان ـ «القدس العربي»: يمكن الاستدلال من خلال بعض الجلسات والنقاشات المغلقة التي تنظم هنا وهناك في الأردن على أن النخبة السياسية وتحديدا من طبقة الإدارة والحكم أفلتت في الواقع أو تفلت فهمها للرسالة المطلوبة ابتداء من قانون الانتخاب الجديد وانتهاء بالظروف والملابسات التي ستقفز بالإخوان المسلمين تحديدا إلى الواجهة مجددا.
الالتباس سيد الموقف، خصوصا مع مراقبة أحجام شخصيات بارزة من طبقة رجال الدولة عن المشاركة والمزاحمة في هذه الانتخابات.
الحديث هنا عن طيف واسع من نخبة الحكم والإدارة في الماضي دفعتها ظروف غامضة وملتبسة لإعلان عدم نيتها خوض الانتخابات.
بدأ الأمر بالســياسي الوطني البـــارز الدكـــتور مـمــدوح العبادي.
قبل ذلك أعلن لاعب مخضرم من وزن رئيس مجلس النواب الأسبق عدة مرات عبد الهادي المجالي ترفعه عن خوض الانتخابات النيابية بعدما حصل معه من ظروف وملابسات في المرة الماضية.
تراجع عن الترشيح أيضا في وقت متأخر لاعبان مهمان تشريعيا في منطقة الجنوب وهما أيمن المجالي وتوفيق كريشان وكلاهما سبق ان ترأس لجان مهمة في البرلمان وتقلد مناصب من وزن نائب رئيس الوزراء.
تراجع عن الترشيح أيضا بعد إعلان نيته المشاركة وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة.
ولم تظهر في قوائم المرشحين بالتوازي أسماء أخرى لا مثل نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور محمد الحلايقة ورئيس الوزراء الأسبق والمخضرم الرئيس الحالي لمجلس الأعيان فيصل الفايز.
حتى رئيس الحكومة السابقة الدكتور عبد الله النسور يبدو زاهدا تماما في الاهتمام بالانتخابات بعدما ترددت شائعة نيته قيادة أو دعم قائمة انتخابية في محافظة البلقاء.
وترك المواجهة والمنافسة أيضا النائب السابق وعمدة العاصمة سابقا نضال الحديد وزهد بها العشرات من الجنرالات المتقاعدين الذين ظهرت أسماء عدد قليل منهم فقط في تلك القوائم الترشيحية التي يقودها الإخوان المسلمون.
العديد من الأسماء سبق ان شاركت في الانتخابات في الماضي وحظيت بالدعم بالتأكيد أو طلبت منها المشاركة.
الظروف مختلفة تماما اليوم، فالساحة تترك بدون قوى حقيقية بديلة من رجال الدولة أو المحسوبين عليها ولهم مكانة رمزية اجتماعية لصالح التحالف الوطني للإصلاح الذي يقوده الإخوان المسلمون.
عزوف مجموعة واسعة من طبقة رجال الدولة عن الانتخابات الوشيكة محطة لافتة في المشهد الوطني يعيدها بعض المراقبين لفتور الحماس تجاه هذه الشخصيات مرحليا أو لفوضى رافقت ملف الانتخابات برمته على مستوى صناعة القرار.
في كل الأحوال الكاسب من هذا الوضع هو بالتأكيد طيف المعارضة بكل أصنافه وطبقة من البرلمانيين سابقا تمثل المال السياسي ومن يحمل لقب المليونير وهؤلاء كما قال علنا المشرع البارز عبد الكريم الدغمي يهاجمون صناديق الانتخاب بقوة.
في المواجهة ميدانيا اليوم فقط مجموعتان منظمتان تقريبا، الأولى تقودها المعارضة الإخوانية والثانية يقودها تحالف من أصحاب الملايين وممثلي رأس المال والشركات والملاءة المالية لهؤلاء تؤثر في الواقع الانتخابي ويتوقع ان تحسم الانتخابات لصالح الثقل المالي في الكثير من الدوائر الانتخابية.
ويحصل ذلك في مفارقة أردنية مستجدة. فثقل المالي السياسي تأثيره نادر أو محدود على مرشحي الإخوان المسلمين وهو البديل الذي يهاجم مراكز الثقل العشائري المحافظة.
ومع غياب أو إحجام طبقة كبيرة من المرشحين الموسميين المحسوبين على النظام والدولة يمكن القول ان الثقل المحافظ والعشائري يخترق الآن من قبل رؤوس أموال عابرة تمثل بعض العشائر والمحافظات في الأطراف.
لذلك تبدو الفرصة مهيأة في الأردن لبروز قوتين في البرلمان المقبل إذا ما استمر العزف على اسطوانة نزاهة الانتخابات.
القوة الأولى تمثل الضد والمعارضة، والثانية تمثل البزنس ومصالح رأس المال والأثرياء .. هذا وضع معقد جدا في المسار التشريعي، يعني ببساطة ان اتجاهات السلطة والدولة والحكومة اللاحقة لا أصدقاء حقيقيون لها داخل سلطة مجلس النواب وبالتالي التشريع.
يعبر أردنيون من كبار الطبقة عن انزعاجهم وقلقهم من هذه المواجهة بهذا النمط بين الحين والآخر.
في اجتماع مغلق وجلسة هادئة لجمعية الشؤون الدولية حضرتها شخصيات بارزة من بينها عبد السلام المجالي ومدير الأمن العام الأسبق الجنرال فاضل فهيد ورئيس الأركان الأسبق محمد الملكاوي ووزراء سابقون متعددون، في مثل هذا الاجتماع نوقشت هذه المفارقة.
بعض الأصوات كانت مرتفعة وهي تحذر من ان مؤسسة القرار في طريقها لاحتضان الإخوان المسلمين مجددا وتنمية فرصة صدارتهم بسبب مشاريع سياسية ذات بعد إقليمي متوقع. التلميح هنا واضح لتمرير اتفاقية وادي عربة بوجود الإخوان المسلمين في برلمان عام 1994.
التلميح وعند المجالي تحديدا كان أوضح وهو يدافع عن قانون الصوت الواحد في جملة نقدية تعكس مزاج طبقة رجال الدولة القـــدماء الذين لم تصلهم بعد أي شــروحات لها علاقة بخلفيات وأسبــاب النظام الانتخابي الجديد.
يعكس ذلك في كل الأحوال السبب الذي دفع وجوها تقليدية لترك المواجهة الانتخابية بعدما لم تصل ضمانات نزاهة الانتخابات لدعم مصالح بعضهم وبعدما شعر البعــض الآخر ان اقصاءهم محتمل لصالح التوليفة الجديدة الغامضة.
بسام البدارين