«القدس العربي»: أُجبرت تركيا أخيرا على دخول مستنقع الحرب السورية، بعد أن ابتعدت عنه خمس سنوات متجاوزة كل أفخاخ تلك الحرب.
وتمكنت فصائل الجيش الحر، المدعومة تركياً، من السيطرة على بلدة جرابلس، بعد أقل من 12 ساعة على ساعة الصفر التي بدأت في الرابعة فجراً.
وأتت العملية بعد عشرة أيام من التحضير السري لها، ونقل مقاتلين من فصائل الجيش الحر من معبري باب الهوى وباب السلامة إلى بلدة قرقاميش التركية، المحاذية لجرابلس السورية. وقامت مدفعية الهاوتزر وراجمات الصواريخ التركية بقصف نحو سبعين هدفا لتنظيم «الدولة الإسلامية»، على كامل الأراضي الممتدة من نهر الفرات شرقا، إلى قرية الحلوانية (8 كم، غرب جرابلس).
وتوغل نحو 450 عنصرا من القوات الخاصة التركية داخل الأراضي السورية لتأمين عدة نقاط مهمة تكتيكية، ليدخل بعدها نحو 2000 مقاتل من فصائل الجيش الحر مقسومين على محورين، غربي وشرقي، ويتقدمون بدعم جوي تركي ـ أمريكي، إضافة إلى غطاء ناري مدفعي كثيف.
وترافقت العملية مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تركيا، الذي عبر عن أسفه لتأخر زيارته هذه، فيما دعم البيت الأبيض العملية العسكرية ضد تنظيم «الدولة».
من الناحية التكتيكية، كان العقيد أحمد عثمان، قائد فرقة السلطان مراد (أكبر فصائل معركة «درع الفرات»)، قد صرّح لـ«القدس العربي» بما يلي: «المرحلة الثانية هي التوجه على محورين، محور منبج جنوباً، ومحور الراعي غرباً». وأشار عثمان إلى أن «فصائل الجيش الحر لا تعترف بالمجلس العسكري لمنبح، الذي شكلته قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وننتظر ان يُخلوا منبج كما طلبت منهم أمريكا». وشدد عثمان أن الهدف من معركة «درع الفرات» هو «إفشال مخطط السيطرة على الريف الشمالي، الذي تسعى له قسد من أجل تقسيم سوريا».
من جهة أخرى، أكد الناطق باسم المجلس العسكري في منبج، شرفان درويش، صحة الانسحاب إلى شرقي الفرات، وقال لـ«القدس العربي»: «انسحبت وحدات حماية الشعب من منبج، والقوات الوحيدة الموجودة في منبج هي من أبناء المدينة، والمنضوية في المجلس العسكري، ولا يستطيع أحد أن يفرض علينا الانسحاب من مدينتنا ومنطقتنا».
وكانت فصائل «درع الفرات» قد وصلت إلى العمارنة جنوب جرابلس، والتي يسيطر عليها مجلس جرابلس العسكري التابع لقوات سوريا الديمقراطية. ونفى المجلس، في بيان مصور له، حدوث أي اشتباك مع فصائل «درع الفرات»، مؤكداً أن مقاتليه قاموا بارسال بعض «القرويين» إلى فصائل «درع الفرات» لاعلامهم بأن من يتمركز في تلة العمارنة هم مقاتلو مجلس جرابلس وليسوا تنظيم الدولة.
في السياق، خفف الناطق العسكري باسم حركة نور الدين الزنكي، النقيب عبد السلام عبد الرزاق، من احتمال الصدام المسلح بين فصائل معركة «درع الفرات» وبين من وصفهم بـ«العصابات». وقال عبد الرزاق» إن صالح مسلم ليس صاحب قرار، بل مجرد ألعوبة، واذا قرر أسياده الانسحاب فلن يبقى يوماً واحداً في منبج».
ومن الواضح أن الهدف العسكري التركي الحالي هو تأمين الشريط الحدودي وإبعاد تنظيم «الدولة» عن كامل الحدود. وهذا يعني أن تتقدم قوات «درع الفرات» مسافة 50 كم إضافية للوصول إلى بلدة الراعي، التي سيطرت عليها فصائل المعارضة الأسبوع الماضي.
ومن المتوقع أن تؤجل فصائل «درع الفرات» تقدمها باتجاه منبج جنوباً، حيث رشحت معلومات تفيد أن التفاهم الأمريكي ـ التركي اقتضى عدم تجاوز نهر الساجور جنوباً، والذي يفصل منطقتي جرابلس ومنبج، وأن يقف النفوذ التركي عند هذه المنطقة فقط. فيما ستطلق يد تركيا للقضاء على تنظيم «الدولة» بمشاركة فصائل المعارضة في كامل ريف حلب الشمالي.
عسكرياً، تجري محاولة تبسيط لتصورات المعركة وشكلها، فالجيش التركي اذا أراد التدخل بشكل مباشر لحسم المعركة ضد تنظيم «الدولة» فإنه يحتاج إلى مئات الدبابات والعربات المصفحة، إضافة إلى آلاف الجنود من قوات المشاة، والزج بقدرة جوية كبيرة إلى جانب طيران التحالف.
ويبدو أن تنظيم «الدولة» الذي انسحب مع بدء تحضيرات المعركة، أراد وضع فصائل المعارضة والقوات التركية وجها لوجه مع قوات سوريا الديمقراطية، بهدف جر الطرفين إلى الاقتتال للسيطرة في منبج وتبريد جبهة حرب ضده، وهو الذي يتعرض لهجوم كبير في العراق بهدف إخراجه من الموصل.
ويدرك التنظيم حجم الهاجس التركي في طرد «وحدات حماية الشعب» من منطقة غرب الفرات، وردها إلى شرق الفرات.
وتشير المصادر إلى عدم وجود أعداد قتلى بين الطرفين، وأن المقاتل الوحيد الذي قتل من المعارضة المسلحة، قضى في انفجار لغم أرضي زرعه تنظيم «الدولة» وليس بنيران الاشتباكات المباشرة. وهذا يدل على غياب معارك حقيقية بسبب تفضيل التنظيم الانسحاب من مدينة جرابلس، التي تعتبر ساقطة عسكرياً منذ هزيمة «الدولة» في منبج على يد قوات سوريا الديمقراطية، منتصف شهر آب/أغسطس الجاري.
ويفسر التحرك التركي برغبة أمريكية في استعادة تركيا التي ذهبت بعيدا بتقاربها مع روسيا، ومحاولة «تجريب» فصائل المعارضة بالحرب ضد تنظيم «الدولة» ولكن بقيادة تركية للمعركة. وربما يكون هذا مؤشراً لتغير القناعة الأمريكية في البحث عن شريك عربي، بعد أن اقتصر تعاونها على «وحدات حماية الشعب» الكردية.
فأمريكا التي قطعت «الحلم الكردي» جغرافياً، والمتمثل بتقدم حليفتها قوات سوريا الديمقراطية إلى عفرين، تريد في المقابل حربا تركية جادة ضد الإرهاب، تضمن من خلاله هزيمة تنظيم «الدولة».
منهل باريش