الحاجة إلى المقارنات هي أمر طبيعي. الناس بحاجة إلى نظرة واسعة اكثر من المعرفة والحكمة من أجل استيعاب المغزى الكامل حول وضعهم. هذا هو السبب لوجود نقاش في الآونة الأخيرة حول صلة مفاهيم الفاشية بالوضع الإسرائيلي. تصرف الليكود، بدعم من جماعات معينة تحاول فرض الرعب وسعي بنيامين نتنياهو إلى السيطرة على وسائل الإعلام يثيران المخاوف الكثيرة. ومع ذلك يبدو بأن مسألة الاحتلال الموجودة في جوهر الجدالات الصعبة التي تقسم المجتمع الإسرائيلي تذكر أكثر بالصراع المرير لإلغاء العبودية في بريطانيا وبالذات في الولايات المتحدة.
هذا الصراع الذي حصل قبل اقل من 150 عاما في الدولتين يظهر انه كانت هناك حاجة لأكثر من 80 عام من الصراع الجماهيري الصعب من أجل القضاء على ما يبدو لنا اليوم أمر لا يمكن استيعابه. كان يمكن أن نتوقع بأن المواطنين العاقلين في الثقافات الديمقراطة المتقدمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة يفهمون ان عبودية الانسان ليست أمرا معقولا من جميع النواحي. العبودية هي رجاسة لا يمكن تخيلها. والحقيقة التاريخية المفاجئة هي انه تطلب مئة عام تقريبا لدفع المجتمعات المتطورة نسبيا والتي معظم الناس فيها عقلانيون إلى الاعتراف بهذه الحقيقة الاساسية والتي تثير الزعزعة لدينا اليوم.
إذن لماذا لم ننجح حتى بعد مرور خمسين عام من حل مشكلة الاحتلال بالشكل الانساني اللائق؟
الصراع ضد العبودية من داخل البرلمان البريطاني بدأ عام 1784وأدير من قبل عضو البرلمان وليم ويلبرفورس لوحده تقريبا حيث كان عمره 25 عام. نجاح ويلبرفورس الجزئي الاول وحلفائه القلائل في البرلمان في منع التجارة بالبشر تم بعد ذلك بـ 23 عام، عام 1807 عن طريق خدعة برلمانية. وفقط بعد 27 عام اخرى من الهزيمة أي عام 1834 نجحوا في البرلمان بمنع امتلاك العبيد في الامبراطورية كلها. الفشل الكبير الذي تعرضوا له دفع معارضي العبودية مرات كثيرة إلى اليأس الكامل. ومع ذلك فقد واصلوا.
اضافة إلى ذلك، بعد خمسين عاما من الصراع في بريطانيا احتاجوا إلى ثلاثين عام من المواجهة وفي النهاية حرب أهلية بشعة في الولايات المتحدة إلى أن الغيت العبودية بشكل نهائي في العالم الديمقراطي الغربي. وكما يصف ستيفن سفلبرغ في فيلمه المهم «لينكولن» في الطريق إلى هذا الانجاز الحيوي اضطر الرئيس الأمريكي إلى كبح معارضي العبودية خوفا من قيام جميع المترددين بموقفهم عليهم. الاخطر من ذلك: رغم الضغوطات الصعبة لوقف سفك الدماء اضطر لينكولن إلى تأجيل نهاية الحرب وتوقيع اتفاق السلام مع الجنوب حتى اللحظة التي ينجح فيها بتمرير الإضافة الـ 13 لدستور الولايات المتحدة في البرلمان والتي تعلن عن الغاء العبودية في ارجاء الولايات المتحدة بشكل كامل.
المفارقات والازمات كانت كبيرة. من الصعب تخيلها اليوم. لكن حلها الصحيح تم رغم أنه تطلب مئة عام تقريبا من الصراع المرير والحرب الأهلية الدموية. هكذا الامر ايضا بمسألة الاحتلال. ان الامر مرتبط بشجاعتنا واستعدادنا من اجل الصراع دون تردد كل يوم وكل ساعة من أجل تجنيد المجتمع الإسرائيلي لحل المشكلة.
هآرتس 29/8/2016