لم يفطن كثير من المحللين والمراقبين للمشهد الانقلابيّ التركيّ في تحليلاتهم إلى دور اللغة في تعبئة جماهير الشعب لدحر الانقلاب وانتصار الشرعية.
كما لم يُشر في هذه التحليلات إلى تجليات عامل الهوية في سطور الخطاب السياسي حيال الحدث الكبير. فجعلوا ينطلقون في طرحهم من نواحٍ سياسية واقتصادية واجتماعية. ونحن لا ننكر تأثيرات ذلك كله، ولكننا لا يمكن أن نغفل أو نستهين بدور اللغة وتجليات الهُوية في الخطاب السياسي في هذا المشهد، خاصة من رئيس الدولة ورئيس وزرائها، وتُرى لو أنَّ تِلكم الخطابات ركنت إلى لغة هزيلة أو هينة لينة، بعيدة عن الواقع كما جاء في خطابات الانقلابيين، أو أغفلت عامل الهوية في تواصلها أو حِيلَ بين خطابات القيادات التركية الشرعية وبين الجماهير، فهل كان المشهد سيؤول إلى ما آل إليه من انتصار للشرعية ودحر للانقلاب؟
لم يكن جديدا أن يلجأ الانقلابيون في تركيا إلى احتلال مبنى التلفزيون لبث بيانهم الانقلابي للشعب التركي؛ فهذا دأب الانقلابات والثورات، لكن الغريب أن تُجبر مذيعة القناة على تلاوة بيان الانقلاب الأول، ولا يجرؤ أيّ من أعضاء الحركة الانقلابية على ذلك. عند هذه اللحظة كان ملايين المتابعين يترحمون على الشرعية والديمقراطية في تركيا. تلقى الأتراك بيان الانقلاب باسم القوات المسلحة التركية لا باسم فئة قليلة منها، وقد خلع هؤلاء على أنفسهم رداء التأصيل للهوية التركية في الجمهورية الحديثة، فهم (عنصر مؤسس للجمهورية وأمانة من القائد العظيم أتاتورك)، وفي ذلك اتهام لذاكرة المتلقين للخطاب من الأتراك التي حفرت فيها الانقلابات أخاديد عميقة من الألم والمعاناة والاستبداد يستحيل محوها؛ لذا يمكن القول إن خطاب الهوية هنا من جانب الانقلابيين جاء بنتيجة سلبية على النقيض مما قصده المخاطِب الانقلابي.
ولأجل السلام في الوطن، والسلام في العالم جاءت المبادئ التي ستنهض بها هذه القلة كما صدَّروا خطابهم. وكأنَّ منشئ هذا الخطاب منفصل عن الشعب وعن الواقع التركي. أي مبادئ تلك التي يبشر بها خطاب هؤلاء، وأي ضحكاتٍ ساخراتٍ تتوارى خلف الجمل التي صاغتها الأنامل الخشنة التي لا تعرف إلا لغة الرصاص والزناد. فالشعب التركي والعالم بأسره يعرف حجم الإنجازات التي حققها الحكم المدني الديمقراطي وحجم التحديات والعقبات التي يجابه بها لإصراره على ذلك؛ لذا بدا خطاب الانقلاب ـــ في نظر متلقيه ــــ باهتًا زائفًا مستخفًا بالعقول، بل باعثًا على الازدراء والتهكم.
إن الوعود الثمانية التي سردها خطاب الانقلابيين ـ وقد حاول أن يغزو بها عقول المتلقين ـ وقد صُدِّرت بالمصادر (إعادة، ضمان، القضاء، الحفاظ) تكشف تناقضًا صريحًا بين ما يدعيه الانقلاب وما يشعر به المواطن العادي ناهيك عن المثقف والسياسي، فمتى بات الشعب مهددًا حتى يُحافظ عليه هؤلاء؟ وهل الفساد والإرهاب يَعيثان في أرجاء الدولة يَمنَة ويَسرَة حتى يُبشِّر هؤلاء جماهير المتلقين بالقضاء عليه؟ وهل ضاعت حقوق الإنسان، وخسرت الدولة التركية مكانتها الدولية حتى يمتطي هؤلاء ظهور الدبابات لإعادتهما؟ ولم ينتظر المتلقي طويلا إذ صدمه الخطاب بفِريةٍ (السيطرة على مقاليد الحكم اعتبارًا من الساعة 3.00) ثم بإعلان الطوارئ، ثم بحظر التجول؛ إمعانا في التضليل وقطعا لأي محاولة لإعمال العقل، أو إنعام النظر فيما يحدث، والتسليم بكل ما يُقال وما جرى. وفي المقابل، فوجئ الجميع بظهور الرئيس التركي عبر شاشة الهاتف في إحدى القنوات الفضائية التركية معلنا حقيقية الموقف، وأن الوضع تحت السيطرة، مطالبا الشعب بالنزول إلى الشوارع والمطارات وغيرها.. وكانت قد سبقت هذا الظهور تصريحات قصيرة لرئيس الوزراء لذات الغرض، ثم ما كان من حضور الرئيس إلى مطار أتاتورك وتصريحاته من هناك، وأخيرا خطاب رئيس الوزراء أمام البرلمان التركي وما سبقته من خطب لرئيس البرلمان وبعض ممثلي الأحزاب.
جاء الخطاب الشرعي من القادة الأتراك متنفسًا لكل المتلقين من جماهير الشعب، ففهمت محتواه، ووعت مضامينه، وكانت لصيغ أفعال الكلام التي حشدها منشئ الخطاب دورها المباشر في ترجمة الأقوال إلى أفعال.
وكأنَّ الساحة هنا كانت ميدانا للصراع بين خطابين: الأول: هزيل ضحل يتجاهل عقل المتلقي في الداخل والخارج، ويقفز على ثوابت التاريخ والواقع، متعاليًا على ملكات الفكر والإدراك بالدبابة والبندقية. والثاني: خطاب مليء بالثقة مُفعم بالحماس، قريب من كل أطياف الشعب بدرجاته الفكرية المختلفة، يَعي ما استقر في العقل الجمعي التركي عن الانقلابات وتداعياتها، وعن هوية هذا الشعب التي ترتكز على أمجاد الأمة التركية عبر التاريخ الذي لابد من استدعائه الآن، واستلهام حوادثه في التحرك لمواجهة هذا الانقلاب.
على وَعي باللغة ودورها في الخطاب الجماهيري كان منشئ الخطاب، فعمد إلى توظيف هذه اللغة بكل مكوناتها وبما تحمله من طاقات تعبيرية هائلة لإعلان حركة تمرد وعصيان ورفض قوية للحركة الانقلابية، وهي اللغة ذاتها التي وُظِّفت لاستنهاض المتلقين لها من الشعب للنزول إلى الشوارع والمطارات والساحات والوقوف في وجه الانقلاب بصدور عارية لا تخشى الرصاص. وحسبنا أن نقف عند اصطلاحات: إرهابيون، انقلابيون، محتلون، يكرهون الشعب التركي، عصابة… لنعلم أي صورة سيئة وقبيحة ومنفرة تلك التي تلقتها جماهير الشعب عن الانقلابيين من خطاب رئيس الدولة. ثم يزداد أمر الصورة قتامة حين اِطَّلع المتلقون على الأفعال المجرمة التي لم يتورع الانقلابيون عن ارتكابها إذ: سيطروا، ومنعوا، وحاولوا قصف، وهاجموا، ويهددون…
لقد عمد منشئ النص أن يبيَّن للمتلقي حقيقة هؤلاء بأبشع ما يكره الناس من صفات، ويكشف عن أفعالهم التي تنأى عن كل عمل قصده الإصلاح والبناء والتنمية ومصلحة الوطن والشعب، وقد شهدت الأماكن التي منيت بالتخريب والدمار والاستهداف على سوء مقاصدهم وأهدافهم التخريبية.
وبذا نسف هذا الخطاب كل الادِّعاءات التي حاول أن يروج لها خطاب الانقلابيين؛ وولت عباراته وألفاظه هاربةً من حيث دخلت. ومن ثَمَّ أصبحت جماهير المتلقين من الشعب مهيئةً للدفاع عن وطنها وشرعيتها والتضحية بالأرواح. ولم يكتفِ منشئ الخطاب بذلك بل عمد إلى رسم خطة المواجهة وكيفية التصدي للانقلاب فخاطب الجماهير كلها وعدد نعوتها، وكرر بعضها، مرتكزا على جانب الهوية باستلهام الإرث التاريخي والأمجاد العظيمة لهذه الجماهير، فجاءت الألفاظ: الأتراك، الشعب، الشعب التركي، المواطنون، جميع أطياف الشعب، أحفاد السلطان محمد الفاتح، أحفاد القائد البطل صلاح الدين الأيوبي.
وهبِّت الجماهير ـــ بكل أطيافها ـــ عن بكرة أبيها، وانتفضت في وجه الانقلاب بأسلحته وعتاده، بمشاهد أبهرت العالم، فقد كانت الرسالة من المرسل واضحة وبيِّنة، وكانت جماهير المتلقين لها على وعي بكل ما حملته من معانٍ وقيم ومضامين. وقد وعدهم منشئ الخطاب بالتلاحم والتعاون بأكثر من صيغة: سنتعاون، كلنا كتفا بكتف، سنكون كلنا تركيا واحدة، سنكون متحدين، الوقوف بصلابة وشرف. وعاهد كل جماهير الشعب بالقضاء على كل ما يزعزع استقرارهم أو يهدد بنيانهم الديمقراطي أو يحاول أن يوقف قطار التنمية في مُدنهم وقراهم حين وظَّف التعابير: إنهاء هذا الوضع، اعتقالات، تنظيف تركيا، تنظيف الجيش، سيدفعون ثمنًا كبيرًا، سنرد بقوة.
وهكذا كانت المقارنة حاضرة بين الخطابين في ذهن المتلقي من جماهير الشعب، بين ما هو واقع وبين ما هو أوهام قُصد بها أن يعيش الشعب مغيب العقل والفكر، خاضعًا مستكينًا لآلات القمع والقتل والإرهاب ثم الاستبداد.
٭كاتب مصري
مصطفى أحمد قنبر